خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ غرينلاند، ما هي الخيارات العسكرية المستقبلية للاتحاد الأوروبي؟
في ظل تصاعد التوترات حول غرينلاند، يسعى الحلفاء الأوروبيون إلى إظهار قدر أكبر من الجدية في حماية الإقليم شبه المستقل التابع للدنمارك، والذي يكتسب أهمية استراتيجية متزايدة في الحسابات الجيوسياسية الدولية. فبينما يهدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بانتزاع السيطرة على غرينلاند من كوبنهاغن، بدعوى أن الولايات المتحدة وحدها قادرة على حمايتها من خصوم مثل روسيا والصين، تتحرك العواصم الأوروبية لتأكيد أن أمن الجزيرة لا يمكن أن يُختزل في معادلة القوة الأمريكية وحدها، بل يدخل ضمن منظومة الأمن الجماعي الأوروبي الأطلسي.
استخدام قدرة الانتشار السريع
تشير مواقف بروكسل إلى أن الاتحاد الأوروبي يمتلك بالفعل مسارات قانونية ومؤسساتية تتيح له، من الناحية النظرية، إرسال قوات إلى غرينلاند تحت قيادته الخاصة. وقد أكدت أنيتا هيبر، المتحدثة باسم الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، في يناير 2026، أن الاتحاد يستطيع استخدام “قدرة الانتشار السريع” التابعة له لإرسال قوات إلى الجزيرة. هذه القوة، التي دخلت حيز العمليات في مايو 2025، تضم ما يصل إلى 5000 جندي جاهزين للتدخل في مهام منع النزاعات، وتحقيق الاستقرار، والإجلاء، أو فرض السلام. غير أن هذا الخيار يبقى نظريًا أكثر منه عمليًا، إذ يتطلب أي نشر عسكري موافقة بالإجماع من جميع الدول الأعضاء، وهو شرط يصعب تحقيقه في قضايا شديدة الحساسية تمس العلاقة مع واشنطن.
بعثة عسكرية أو عملية أمنية ضمن إطار سياسة الأمن والدفاع
يملك الاتحاد الأوروبي إلى جانب ذلك خيارًا آخر يتمثل في إطلاق بعثة عسكرية أو عملية أمنية ضمن إطار سياسة الأمن والدفاع المشتركة. وتستند هذه الآلية إلى نماذج قائمة بالفعل، مثل العملية البحرية في البحر الأحمر لحماية الممرات الملاحية من هجمات الحوثيين. وقد دفع تصاعد الانقسام حول غرينلاند قادة الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة السيناريوهات الممكنة. لكن رغم هذا الحراك السياسي، يرى خبراء أن الاتحاد الأوروبي لا يرغب فعليًا في اتخاذ خطوة قد تُفسر في واشنطن على أنها تحدٍ مباشر للنفوذ الأمريكي في المنطقة القطبية. يوضح أليساندرو ماروني، رئيس برنامج الدفاع في “معهد الشؤون الدولية” في إيطاليا، أن قرار الدنمارك بدعوة حلفاء الناتو لإجراء مهمة استطلاع في غرينلاند يُعد أكثر فاعلية وأقل استفزازًا. فهذه الخطوة تمنع أي تصعيد محتمل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، كما تمنح واشنطن فرصة للمشاركة بدل المواجهة، وتبعث برسالة واضحة إلى موسكو وبكين بأن الناتو يظل الضامن الأول للأمن في شمال الأطلسي والمناطق القطبية.
تداخل معقد بين أدوار الاتحاد الأوروبي والناتو
تكشف هذه التطورات عن تداخل معقد بين أدوار الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. فبينما يركز الناتو تقليديًا على الجاهزية العسكرية والردع الاستراتيجي، تميل مهمات الاتحاد الأوروبي إلى إدارة الأزمات ومنع النزاعات وبناء الاستقرار طويل الأمد. هذا الاختلاف في العقيدة العسكرية يجعل من الصعب توحيد الرؤية بشأن طبيعة التدخل المحتمل في غرينلاند. وقد اقترح وزير الدفاع الدنماركي بالفعل إرسال بعثة تابعة للناتو، إلا أن موقف الولايات المتحدة من هذه الفكرة لم يتضح بعد، خصوصًا في ظل خطاب ترامب المتشدد تجاه الجزيرة. تزداد حساسية المشهد بسبب الموقع الجغرافي الفريد لغرينلاند، التي أصبحت نقطة ارتكاز في التنافس الدولي على الممرات القطبية والموارد الطبيعية ومسارات التجارة المستقبلية. كما أن تغير المناخ وما يرافقه من ذوبان الجليد يمنح المنطقة قيمة استراتيجية إضافية، ما يجعلها محط اهتمام القوى الكبرى. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى الجدل الحالي باعتباره أزمة عابرة، بل مؤشرًا على تحولات أوسع في ميزان القوى في الشمال العالمي.
إعادة تقييم الدور الدفاعي
يسعى الاتحاد الأوروبي إلى السير على توازن دقيق بين إظهار الجدية في حماية أحد أقاليمه المرتبطة سياسيًا بأحد أعضائه، وبين تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. لذلك يؤكد متحدث باسم الاتحاد أن التركيز لا يزال على “المشاركة، وليس التصعيد”. غير أن استمرار الضغوط الأمريكية، وتزايد الحضور الروسي والصيني في المناطق القطبية، قد يدفع أوروبا مستقبلًا إلى إعادة تقييم دورها الدفاعي هناك، والانتقال من موقع المراقب الحذر إلى فاعل أمني أكثر حضورًا في معادلات الشمال الاستراتيجي.
النتائج
تعكس أزمة غرينلاند ملامح مرحلة جديدة من التنافس الجيوسياسي في المناطق القطبية، حيث تتحول الجزيرة من إقليم شبه معزول إلى نقطة ارتكاز في صراع النفوذ بين القوى الكبرى. وفي هذا السياق، ستواجه أوروبا خلال السنوات المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرتها على الموازنة بين التزاماتها الأطلسية وطموحاتها في بناء استقلالية أمنية أكبر.
من المرجح أن تواصل بروكسل اتباع نهج حذر يقوم على دعم الدنمارك سياسيًا وتفعيل أطر التنسيق مع حلف الناتو، دون الانخراط في نشر عسكري مباشر تحت راية الاتحاد الأوروبي. فالحصول على إجماع أوروبي لإرسال قوات سيظل صعبًا، كما أن أي خطوة منفردة قد تُفسَّر في واشنطن كمحاولة لمزاحمة النفوذ الأمريكي في فضاء تعتبره الولايات المتحدة جزءًا من أمنها الاستراتيجي المباشر.
من المحتمل زيادة الاعتماد على الناتو كقناة رئيسية لإدارة الملف، بما يمنح الولايات المتحدة دورًا مركزيًا، ويخفف من احتمالات التصعيد السياسي داخل المعسكر الغربي. هذا المسار قد يكرّس واقعًا مفاده أن الاتحاد الأوروبي، رغم تطويره لأدوات دفاعية مستقلة، لا يزال يفتقر إلى الإرادة السياسية الموحدة لتفعيلها في الأزمات الكبرى.
من المتوقع أن تدفع الضغوط الأمريكية المتكررة، إلى جانب الحضور الروسي والصيني المتنامي في القطب الشمالي، بعض الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في ضرورة امتلاك قدرة ردع مستقلة في المناطق القطبية. وقد نشهد توسعًا تدريجيًا في مهمات المراقبة والاستطلاع الأوروبية، وتعزيز الاستثمار في البنية العسكرية واللوجستية في الشمال.
ستكون غرينلاند مؤشرًا مبكرًا على مستقبل العلاقة بين أوروبا وواشنطن، إما شراكة متوازنة تتقاسم فيها الأطراف أعباء الأمن، أو علاقة غير متناظرة تظل فيها الولايات المتحدة اللاعب المهيمن. وفي كلتا الحالتين، ستظل المنطقة القطبية ساحة مفتوحة لاختبار حدود القوة، والتحالفات، والتنافس الدولي في العقد المقبل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113932
