
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا
بقلم : الدكتورة سماء سليمان
شهدت منطقة الشرق الأوسط تزامنًا لافتًا بين مناورات مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل في البحر الأحمر، تمت بالفعل في 2 فبراير، ومناورات بحرية ثلاثية بين إيران وروسيا والصين المتوقع حدوثها في منتصف شهر فبراير الجاري. يأتي هذا التزامن في فترة متوترة سياسيًا وجيواستراتيجيًا، ويعكس تحولًا مهمًا في ديناميات القوة الإقليمية، ويقدم نموذجًا واضحًا لاستراتيجية استعراض القوة والرسائل المتبادلة بين الأطراف الكبرى، دون الوصول إلى صراع مباشر.
فالمناورات التي نفذتها البحرية الإسرائيلية، تدريبًا مشتركًا مع مدمرة أميركية في البحر الأحمر وخليج العقبة، جاءت بعد زيارة المدمرة الأميركية USS Delbert D. Black إلى ميناء إيلات. وجاء هذا التدريب ضمن التعاون المستمر بين البحرية الإسرائيلية والأسطول الخامس الأميركي، في توقيت حساس، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية مع إيران وحلفائها الإقليميين. وتصف مصادر رسمية أميركية وإسرائيلية هذه التدريبات بأنها روتينية، لكنها تعكس، في الوقت ذاته، تعزيز التنسيق العسكري بين واشنطن وتل أبيب، وإظهار استعداد مشترك للتعامل مع أي تحديات بحرية أو أمنية قد تظهر في المنطقة.
بينما المناورات التي ستشارك فيها إيران وروسيا والصين، والمعروفة باسم “حزام الأمن البحري” (Security Belt)، ستُجرى في مضيق هرمز وشمال المحيط الهندي، وهي تدريبات سنوية تعكس التعاون العسكري الاستراتيجي بين الدول الثلاث. ويتمثل الهدف الرسمي للمناورات في تعزيز أمن الملاحة البحرية، ومكافحة القرصنة، وتحسين التنسيق في عمليات الإغاثة البحرية، وهو خطاب يوجهه المشاركون إلى المجتمع الدولي لإظهار التزامهم بالأمن البحري.
في حين تتعدى الرسالة الحقيقية الجانب التقني، فهي تعكس قدرة هذه الدول على التحرك كوحدة ردعية في مواجهة النفوذ الأميركي والغربي في منطقة حيوية تتدفق عبرها شرايين الطاقة العالمية.
وبالتالي، فإن التزامن بين هذه المناورات ليس مجرد صدفة، بل يشكل استعراضًا استراتيجيًا متبادلًا للقدرات البحرية. فالمنطقة، التي تتضمن مضيق هرمز وخليج العقبة والبحر الأحمر، تمثل نقاط عبور حيوية للطاقة والتجارة العالمية، وأي تهديد لهذه الممرات له تداعيات دولية واسعة. ومن هذا المنظور، تعمل كل من القوى الثلاثية وإسرائيل والولايات المتحدة على إرسال رسائل رمزية واضحة إلى بعضهم البعض. فمن جانب إيران وروسيا والصين، تتمثل الرسالة في أن لديهم القدرة على الدفاع عن مصالحهم في الممرات البحرية، وأنهم قادرون على مواجهة أي ضغط عسكري غربي. ومن جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، تتمثل الرسالة في أن التواجد الأميركي والإسرائيلي في المنطقة لا يزال مؤثرًا، وأن أي تغيير في ميزان القوة سيواجه بردع فوري ومنسق.
ويمكن القول إن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من ردع استعراضي متبادل. لا يسعى أحد حاليًا إلى خوض صراع مباشر، لكن كل طرف يحاول رفع سقف الرسائل والقدرات المعلنة دون تجاوز خطوط حمراء واضحة، أي تثبيت المشهد دون تصعيد.
في هذا السياق، تُعد البحار مجالًا مثاليًا للعرض العسكري، إذ تتيح استعراض القوة دون المخاطرة بتداعيات سياسية أو بشرية مباشرة، كما توفر منصة لتجريب التنسيق بين الوحدات البحرية المختلفة وتعزيز الثقة بين الدول المشاركة في المناورات.
كما يعكس هذا التزامن أيضًا تغييرًا في ديناميات القوة الإقليمية. فإيران، من خلال التحالف مع روسيا والصين، تستفيد من وجود شركاء كبار قادرين على حماية مصالحها في مضيق هرمز، وهو ما يقلل من قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على ممارسة ضغط مباشر عليها. وفي المقابل، تعزز إسرائيل، بالتعاون مع الولايات المتحدة، موقعها كقوة ردع بحرية في البحر الأحمر، وهي رسالة ضمنية للدول العربية والدول الإقليمية الأخرى بأنها قادرة على مواجهة أي تهديدات في البحر الأحمر وخليج العقبة.
وهنا نستنتج أن هذا التزامن ليس مجرد مناورة فنية، بل هو جزء من صراع رمزي على النفوذ والهيمنة في منطقة الشرق الأوسط. فالأطراف جميعها تعمل على إظهار استعدادها العسكري وإمكاناتها البحرية، مع الحفاظ على قواعد الاشتباك المفتوحة وتجنب اندلاع صراع شامل.
ويمكن النظر إلى إرجاء المناورات بين الدول الثلاث على أنه يعود إلى إعطاء فرصة للمفاوضات الدائرة بين أمريكا وإيران لتحقيق تقدم، فضلًا عن إعلان موقع روسيا اليوم أن القطع البحرية التي ستشارك في المناورات ربما لا تعود بعد انتهاء المناورات، مما يعني وجودًا لقوات روسية وأميركية في مضيق هرمز، الذي يمثل أهمية كبيرة في طرق النفط والغاز للعالم، وخاصة لدول الشرق.
وتحضر رسائل الداخل من هذه المناورات لكل دولة مشاركة، تتمثل في تعزيز الثقة بأن التعاون العسكري مع حلفاء استراتيجيين يمكن أن يكون وسيلة لحماية المصالح الوطنية، وتقليص الاعتماد على شريك واحد أو على قدرات فردية فقط.
في المجمل، يمكن القول إن التزامن بين مناورات إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، ومناورات إيران وروسيا والصين من جهة أخرى، يمثل مرحلة جديدة من الدبلوماسية العسكرية القائمة على الاستعراض والردع، حيث أصبح البحر الأحمر ومضيق هرمز ساحة استراتيجية لإرسال رسائل متعددة الأطراف، منها رسائل إلى الخصوم، ورسائل إلى الحلفاء، ورسائل إلى المجتمع الدولي، مفادها أن المنطقة لم تعد مكانًا يمكن فيه لأي طرف فرض نفوذه دون مواجهة. وفي ظل هذه الديناميات، يصبح تحليل كل حركة عسكرية أو تدريب بحري ضرورة لفهم توازن القوى الجديد في الشرق الأوسط، وفهم كيف يمكن أن تؤثر هذه المناورات على التجارة، وأمن الطاقة، والاستقرار الإقليمي في الأشهر والسنوات القادمة.
الخلاصة، يظهر من هذه المناورات أن المنطقة تعيش مرحلة يرسل فيها كل طرف رسائله ويستعرض قوته دون الدخول في مواجهة مباشرة، في وقت تُختبر فيه التحالفات، وتتحدد مواقع النفوذ، وتُبنى قواعد الاشتباك الجديدة التي قد تحدد ملامح الأمن البحري والجيوسياسي للشرق الأوسط في المستقبل القريب.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114460
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
