خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الأمن الدولي: ماذا عن مجموعة الراغبين وحدود الضمانات الأمنية لأوكرانيا؟
ترغب دول عديدة في تقديم المساعدة، سواء داخل أوكرانيا أو من الخارج، فيما تتخلى برلين عن ترددها السابق. بدأت تتشكل قوة حفظ السلام الدولية لتوفير الأمن العسكري ووقف إطلاق النار المحتمل في أوكرانيا. ففي اجتماع ما يُسمى بـ”تحالف الراغبين” في باريس، يوم السادس من يناير 2026 وقّعت فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا إعلانًا يُرسي الأساس لنشر قوات أجنبية في البلد المستهدف. أمن دولي ـ تحالف “الراغبين” في باريس، ضمانات أمنية لأوكرانيا أم تمهيد لتدويل الصراع؟
ركز اجتماع آخر في باريس في السابع من يناير 2025 بين وزير الخارجية يوهان فاديفول ونظيريه من فرنسا وبولندا على دعم أوكرانيا التي تتعرض لهجوم من روسيا. طرح المستشار الألماني فريدريش ميرز لأول مرة إمكانية مشاركة الجيش الألماني (البوندسفير) في جهود حفظ السلام، ليس في أوكرانيا نفسها، بل في أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو) قرب الحدود. وكان رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر قد تحدث بالفعل عن نشر قوات بريطانية وفرنسية على الأراضي الأوكرانية عقب وقف إطلاق النار. لكن تظل هناك مشكلة جوهرية في التخطيط الأوروبي: موسكو تعارض بشدة وجود قوات أجنبية، وخاصة من دول الناتو، في أوكرانيا.
شارك ممثلون من 35 دولة في المحادثات التي عُقدت في باريس، من بينهم 27 رئيس دولة وحكومة. كما حضر القمة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والأمين العام لحلف الناتو مارك روته، ومثّل الولايات المتحدة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
باريس ولندن ترغبان في إرسال قوات إلى أوكرانيا
أوضح ستارمر إعلانه قائلًا إن الهدف هو “تأمين المجال الجوي والبحري الأوكراني وإعادة بناء القوات المسلحة الأوكرانية للمستقبل”. وتشير التقارير إلى أن حلفاء آخرين يعتزمون إرسال وحداتهم إلى أوكرانيا. ولا يشمل ذلك نشر قوات على طول خط وقف إطلاق النار المستقبلي. ووفقًا للخطط، ستراقب الولايات المتحدة هذا الخط عن بُعد باستخدام الوسائل التقنية. وستساعد القوات الأجنبية في إعادة بناء الجيش الأوكراني في المناطق الخلفية أو خارج أوكرانيا، وستساهم في تعزيز الردع. وإلى جانب ألمانيا، أبدت إسبانيا وبلجيكا أيضًا استعدادهما للمشاركة في مثل هذه المهام.
ماذا عن مشاركة ألمانيا؟
ربط ميرز مشاركة الجيش الألماني (البوندسفير) باتفاقيات واضحة لوقف إطلاق النار. أكد السياسي المنتمي للاتحاد الديمقراطي المسيحي في باريس: “ستواصل ألمانيا المساهمة سياسيًا وماليًا وعسكريًا، وقد يشمل ذلك، على سبيل المثال، نشر قوات في أوكرانيا على أراضي حلف الناتو المجاورة بعد وقف إطلاق النار”. وتجدر الإشارة إلى أن دول الناتو بولندا ورومانيا والمجر وسلوفاكيا تُجاور أوكرانيا، وبالتالي تُعدّ مواقع محتملة لنشر القوات. تابع ميرز: “على الحكومة الاتحادية والبرلمان البتّ في طبيعة ونطاق المساهمة الألمانية حالما تتضح الشروط اللازمة لذلك”. وأضاف: “أود أن أؤكد، نيابة عني وعن الحكومة الاتحادية، أننا لا نستبعد أي شيء من حيث المبدأ”، ما يعني أن نشر جنود من الجيش الألماني في أوكرانيا ليس مستبعدًا.
ضمانات أمنية ملزمة مع المساعدة العسكرية
إلى جانب دعم الجيش الأوكراني، وعد تحالف الراغبين، في بيان مشترك، كييف بتقديم ضمانات أمنية ملزمة للمرة الأولى، في خطوة تُعتبر إشارة قوية. وأعلن رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، عقب المحادثات: “نحن على استعداد للالتزام بنظام ضمانات ملزمة سياسيًا وقانونيًا، تدخل حيز التنفيذ فور التوصل إلى وقف إطلاق النار”. ويُعد تقديم ضمانة سياسية وقانونية ملزمة لأوكرانيا بعدم التخلي عنها في حال وقوع هجوم روسي آخر عنصرًا أساسيًا. وقد نصّ البيان المشترك صراحةً على أن “هذه الالتزامات قد تشمل استخدام القدرات العسكرية”. وتعهدت الولايات المتحدة بدعم التحالف في قمة باريس، وستلعب وفقًا للإعلان الختامي دورًا محوريًا في مراقبة اتفاق السلام.
زيلينسكي: على الرغم من التقدم، المسألة الإقليمية قائمة
تحدث الرئيس الأوكراني زيلينسكي عن إحراز تقدم ملحوظ في محادثات السلام، إلا أنه أشار إلى أن القضايا الحدودية لم تُحل بشكل كامل. وعليه، ينبغي على المفاوضين الأوكرانيين البقاء على الأرض ومواصلة المحادثات. كما أكد المفاوض الأمريكي فيتكوف أن هذه القضية لا تزال عالقة، ويتركز الخلاف حول ما إذا كانت أوكرانيا ستسحب قواتها بالكامل من منطقتي دونيتسك ولوهانسك في الشرق، كما تطالب موسكو. تضغط الولايات المتحدة على كييف للقيام بذلك، مدعيةً أن السلام مع روسيا مستحيل في حال عدم الالتزام، بينما ترفض أوكرانيا. وقد صرّحت موسكو مؤخرًا بأنها تعتزم احتلال هذه المناطق عسكريًا على أي حال. ولم يصدر رد فعل رسمي من موسكو على قمة باريس حتى الآن. ومع ذلك، علّق عالم السياسة الروسي فلاديمير فرولوف قائلًا: “إنه من غير المتوقع أن يقبل الكرملين بالنتائج”.
النتائج
تشير جهود “تحالف الراغبين” إلى تحول ملحوظ في السياسة الأمنية الأوروبية تجاه أوكرانيا، من مرحلة التردد إلى العمل الملموس لدعم كييف عسكريًا وسياسيًا. إعلان باريس حول نشر قوات أجنبية وضمانات أمنية ملزمة يعكس إدراكًا بأن أوكرانيا بحاجة إلى دعم مستدام، ليس فقط لتثبيت وقف إطلاق النار، بل كذلك لردع أي هجوم روسي محتمل مستقبلاً. مشاركة ألمانيا، حتى على أراضي الناتو المجاورة، تمثل مؤشرًا على تغيير جذري في المواقف التقليدية للبرلمان والحكومة الألمانية تجاه مشاركة القوات في مهام شبه قتالية، وهو ما قد يشجع دولاً أخرى على تقديم دعم مماثل.
تبرز صعوبة التطبيق العملي للخطة بسبب معارضة موسكو لوجود قوات أجنبية داخل أو قرب أوكرانيا. هذه العقبة تجعل من الاضطرار إلى اعتماد مواقع نشر خارج الأراضي الأوكرانية ضرورة تكتيكية، لكن تأثيرها على الردع الفعلي محدود نسبيًا. كذلك، فإن المراقبة عن بعد من قبل الولايات المتحدة تشير إلى اعتماد التكنولوجيا لتعويض قيود الانتشار البري، لكنها تطرح أسئلة حول قدرة التحالف على التصرف بسرعة وفعالية في حالة أي تصعيد مفاجئ.
الضمانات الأمنية الملزمة لأول مرة تعكس نهجًا قانونيًا وسياسيًا أكثر صرامة تجاه كييف، ما يمنح الحكومة الأوكرانية ثقة إضافية في استمرار الدعم الغربي. ومع ذلك، يبقى الخلاف حول المسألة الإقليمية في دونيتسك ولوهانسك عقبة كبيرة أمام تحقيق سلام شامل. استمرار هذا الخلاف يعني أن أي اتفاق وقف إطلاق نار سيكون هشًا، ما يجعل التحالف مضطرًا للبحث عن آليات مراقبة متقدمة ومستمرة لضمان الامتثال والحد من التصعيد.
من المتوقع أن يؤدي هذا التحرك إلى تعزيز قدرة أوكرانيا على إعادة بناء قواتها المسلحة، وتطوير بنية تحتية دفاعية أكثر صلابة، خصوصًا في مناطق الخلفية وعلى حدود الناتو. كما قد يؤدي إشراك عدة دول أوروبية إلى تعزيز التنسيق العسكري بين أعضاء التحالف، لكنه في الوقت ذاته قد يثير توترات دبلوماسية مع موسكو ويزيد احتمالات المواجهة السياسية أو العسكرية غير المباشرة.
يبرز “تحالف الراغبين” كنموذج محتمل للرد الأوروبي على النزاعات الإقليمية، حيث يُظهر إمكانية تجاوز الجمود السياسي التقليدي عبر شراكات متعددة الأطراف، مع التركيز على الأمن الجماعي والدعم المتدرج للدول المتضررة. ورغم هذه الجهود، يبقى الاعتماد على ضمانات قانونية وسياسية وحدها غير كافٍ، إذ يتطلب النجاح طويل الأمد دمج استراتيجيات الردع، وإعادة البناء العسكري، والدبلوماسية النشطة لتجنب تكرار النزاعات، مع الإبقاء على الحوار مع روسيا لتقليل مخاطر التصعيد.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113293
