المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ التجنيد الإلزامي، هل تنجح ألمانيا في تعزيز جاهزية القوات المسلحة؟
فرض التجنيد العسكري الإلزامي على الشباب في بداية العام 2026، وهناك قانون جديد آخر، لم يحظ بنقاش عام يذكر، قد يؤثر على عدد كبير من الألمان. بموجب قانون الخدمة العسكرية الجديد، يتعين على جميع الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 17 و45 عاما، من حيث المبدأ، الحصول على موافقة القوات المسلحة الألمانية لأي مهمة خارجية تتجاوز ثلاثة أشهر. وقد أكدت وزارة الدفاع الاتحادية هذه المعلومات، التي نشرت في صحيفة “فرانكفورتر روندشاو”، ردا على استفسار من وكالة الأنباء الألمانية (د ب أ). ومع ذلك، أضاف متحدث باسم الوزارة: “سنوضح من خلال اللوائح الإدارية أن الموافقة تعتبر ممنوحة طالما أن الخدمة العسكرية اختيارية”.
المعرفة اللازمة للتعامل مع “حالات الطوارئ”
دخل ما يسمى بقانون تحديث الخدمة العسكرية حيز التنفيذ في الأول من يناير 2026. ويتمثل جوهره في الفحص الإلزامي للتجنيد الإلزامي للشباب المولودين عام 2008 وما بعده. ويهدف القانون إلى تجنيد متطوعين لزيادة قوام القوات المسلحة من أكثر من 180 ألف رجل وامرأة بمقدار 80 ألفا ليصل إلى 260 ألف جندي عامل. ووفقا لوزارة الدفاع، فقد نتج عن هذا التطور نتائج ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا، حيث لوحظ ارتفاع واضح في عدد المتقدمين للالتحاق بالخدمة العسكرية. ففي فبراير 2026، سجلت القوات المسلحة الألمانية عددا أكبر من طلبات الالتحاق والتجنيد مقارنة بالعام 2025، وهو ما يعكس زيادة في الاهتمام بالخدمة العسكرية، سواء بدافع وطني أو بسبب الحوافز المقدمة. وبحلول نهاية فبراير 2026، بلغ عدد الطلبات المقدمة للالتحاق بالخدمة العسكرية حوالي 16100 طلب، أي بزيادة قدرها 20% تقريبا عن العام 2025، وهو رقم لافت يشير إلى تغير في توجهات شريحة من الشباب الألماني نحو المؤسسة العسكرية. ويعزى هذا الارتفاع إلى عدة عوامل، من بينها تحسين شروط الخدمة، وتقديم مزايا مالية أفضل، إضافة إلى حملات الترويج التي ركزت على إبراز فرص التدريب والتطور المهني داخل الجيش.
ترسخ اللوائح الجديدة إطارا للتسجيل العسكري والمتابعة، حسبما أوضح متحدث باسم وزارة الدفاع. وأضاف: “بحسب نص القانون، يشترط على الذكور الذين تبلغ أعمارهم 17 عاما فأكثر الحصول على موافقة مسبقة من مركز التوظيف المختص في القوات المسلحة الألمانية (البوندسفير) قبل أي مهمة خارجية تتجاوز مدتها ثلاثة أشهر”. وينتهي هذا الإلزام عند بلوغ سن 45 عاما، وفقا للقانون. أوضح المتحدث أن القوات المسلحة الألمانية بحاجة إلى معرفة، في حالات الطوارئ، من قد يقيم في الخارج لفترة طويلة. وأضاف: “لذلك، تم وضع أساس قانوني لدعم التطبيق العملي للعناصر الإلزامية للخدمة العسكرية الجديدة، مثل الفحص الطبي الإلزامي الذي دخل حيز التنفيذ منذ 1 يناير 2026”. ووفقا للقانون، يسري شرط الحصول على الموافقة حتى خارج حالات التوتر والدفاع الوطني.
كان النظام ساريا بالفعل خلال الحرب الباردة
امتنع المتحدث عن الإجابة عن عدد مرات طلب هذه التصاريح منذ بداية العام 2026. وعند سؤاله عن كيفية رصد انتهاكات هذا النظام أو معاقبة مرتكبيها، أوضح قائلا: “كان هذا النظام ساريا بالفعل خلال الحرب الباردة، ولم يكن له أي جدوى عملية؛ وعلى وجه الخصوص، لم يكن يطبق”. أكد المتحدث الرسمي قائلا: “إن عواقب هذا القرار على الشباب عميقة للغاية، لا سيما وأن الخدمة العسكرية لا تزال اختيارية”. ونتيجة لذلك، “يجري حاليا وضع لوائح محددة لمنح استثناءات من شرط الموافقة في وزارة الدفاع الاتحادية، وذلك أيضا لتجنب الإجراءات البيروقراطية غير الضرورية”. ولا يمكن التنبؤ بنتائج عملية المراجعة والتطوير الجارية. كما أوضح المتحدث الرسمي أنه ينبغي منح الإذن بالانتشار في الخارج دائما إذا “لم يكن من المتوقع أداء أي خدمة عسكرية محددة خلال الفترة المعنية”. وأضاف: “بما أن الخدمة العسكرية تعتمد حصريا على المشاركة التطوعية بموجب القانون الحالي، فيجب عموما منح هذه الأذونات”.
نجاح السياسات الجديدة في جذب مزيد من الأفراد
أفادت الوزارة بزيادة عدد المجندين الجدد، حيث انضم منذ بداية العام 2026 أكثر من 5300 شخص إلى الجيش الألماني، أي بزيادة قدرها 14% تقريبا مقارنة بالفترة نفسها من العام 2025. وتعكس هذه الزيادة نجاح السياسات الجديدة في جذب مزيد من الأفراد، إلا أنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلات حول مدى استدامة هذا النمو، خاصة في ظل اعتماد نسبة كبيرة من هذه الزيادة على فئات الخدمة قصيرة الأجل. وتتجلى هذه الزيادة بشكل خاص بين المجندين الجدد الذين يختارون الخدمة لفترات محدودة، إذ يؤدي حاليا نحو 13400 شخص الخدمة العسكرية التطوعية أو يخدمون لفترة قصيرة نسبيا كجنود خدمة مؤقتة. ويعني ذلك أن جزءا كبيرا من القوة البشرية الحالية لا يرتبط بالجيش بعقود طويلة، وهو ما قد يؤثر على الاستقرار العام للقوات المسلحة وعلى قدرتها في الحفاظ على كوادر مدربة على المدى البعيد.
تطور إيجابي من حيث الأرقام
بالمقارنة مع العام 2026، يمثل هذا زيادة بنسبة 15% تقريبا، مدفوعة بشكل أساسي بنمو قطاع الخدمات قصيرة الأجل، الذي أصبح يشكل عنصرا رئيسيا في استراتيجية التجنيد الحالية. ويبلغ قوام القوات المسلحة الألمانية حاليا حوالي 186,200 جندي في الخدمة الفعلية، أي بزيادة تقارب 3,600 جندي عن فبراير 2025، وهو تطور إيجابي من حيث الأرقام، لكنه لا يعكس بالضرورة تحسنا نوعيا موازيا في بنية القوات. إلا أن هذه الأرقام ليست ثابتة على مدار العام، إذ تنتهي الخدمة العسكرية المقررة للعديد من العسكريين خلال العام 2026، مما يؤدي إلى انخفاض دوري في عدد الأفراد. ويعد الانتقال إلى الدراسات الجامعية أو التدريب المهني أو العمل المدني جزءا طبيعيا من هذا النظام، حيث ينظر كثير من المجندين إلى الخدمة العسكرية كمرحلة مؤقتة قبل الانتقال إلى مسارات مهنية أخرى.
وعادة ما يكون الطلب على التدريب الأساسي والتأسيسي أقل في بداية العام مقارنة بالأشهر اللاحقة، وهو نمط موسمي يتكرر سنويا، ويؤثر على تقييم الأداء العام لبرامج التجنيد. ولا يزال الاهتمام بالقوات المسلحة الألمانية مرتفعا نسبيا، إلا أن هذا التوجه يتأثر بشكل كبير بالالتزامات قصيرة الأجل والعوامل الموسمية، مما يجعل من الصعب الاعتماد عليه كمؤشر ثابت على تحول طويل الأمد.
النتائج
تشير التعديلات القانونية في ألمانيا إلى تحول استراتيجي جذري يتجاوز مجرد “تحديث إداري”، ليعلن رسميا نهاية حقبة “السلام الدائم” والعودة إلى سياسات الردع التي سادت إبان الحرب الباردة. هذه الخطوات ترسم ملامح مستقبل يتسم بالجاهزية العسكرية الدائمة، ليس فقط كخيار دفاعي، بل كإطار اجتماعي وقانوني جديد يعيد صياغة العلاقة بين الفرد والدولة.
على الصعيد العسكري والسياسي، من المتوقع أن يتبع هذا القانون خطوات أكثر صرامة لضمان الوصول إلى هدف 260 ألف جندي. إن تفعيل آليات الرقابة على السفر لمن هم في سن الخدمة (17-45 عاما) يمنح الدولة قدرة فورية على الحشد في حال تحول “حالة التوتر” إلى “حالة دفاع”.
هذا يعني أن برلين تستعد لسيناريوهات صراع طويل الأمد في القارة الأوروبية، حيث تصبح البيانات البشرية والموقع الجغرافي للمواطنين أصلا استراتيجيا لا يمكن التفريط به.
من المرجح أن تتحول هذه اللوائح إلى نظام رقمي متكامل يربط سجلات السفر والتأشيرات بقواعد بيانات وزارة الدفاع. ما بدأ اليوم كإجراء إداري لتجنب “البيروقراطية” قد يتطور إلى نظام رقابة نشط يضمن عدم مغادرة القوى البشرية للبلاد في أوقات الأزمات.
ألمانيا تودع نموذج “التطوع” وتستقبل نموذج “الاستعداد عسكريا”. هذا القانون هو حجر الزاوية لبناء بنية تحتية قانونية تسمح بالتحول الفوري من نمط الحياة المدني إلى حالة التعبئة العامة عند الضرورة، مما يعكس إدراكا عميقا بأن الاستقرار الإقليمي لم يعد مضمونا كما كان في العقود الثلاثة الماضية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116930
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
