خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ الاستعداد للحرب، النموذج الألماني في مواجهة التهديد الروسي
مع تزايد التحذيرات من احتمالية اندلاع صراع عسكري واسع النطاق بين حلف شمال الأطلسي وروسيا خلال السنوات الخمس المقبلة، تستعد القوات المسلحة الألمانية لمواجهة أحد أبرز التحديات اللوجستية والطبية المرتبطة بالحرب، رعاية الجرحى. وفي هذا السياق، كشف المسؤول الألماني رالف هوفمان، عن خطة طوارئ صحية طموحة تهدف إلى تمكين ألمانيا من تقديم الرعاية لما يصل إلى 1000 جريح يوميًا، في حال نشوب حرب تقليدية كبرى ضد روسيا.
وصف هوفمان هذا الرقم بأنه “واقعي”، مستندًا في تقييمه إلى الخبرات المستقاة من الحرب المستمرة في أوكرانيا، والتي يُنظر إليها في الوقت الراهن على أنها النموذج الأكثر وضوحًا للحروب المستقبلية المحتملة في أوروبا. يقول هوفمان: “الخلفية الأساسية لهذه الاستعدادات هي التحذيرات الصادرة عن الناتو، والتي تفيد بأن روسيا قد تكون قادرة على شن هجوم عسكري موسّع على دول الحلف بدءًا من عام 2029”.
في سيناريوهات المواجهة العسكرية المحتملة، مثل الدفاع عن دول البلطيق أو بولندا في وجه هجوم روسي محتمل، ستكون ألمانيا واحدة من الدول الرئيسية التي ستستقبل الجرحى الذين يحصلون على العلاج الأولي قرب خطوط الجبهة. وبمجرد استقرار حالتهم، سيتم نقلهم إلى الداخل الألماني لتلقّي العلاج الكامل وإعادة التأهيل في المستشفيات.
استخدام المستشفيات المدنية ونموذج أوكرانيا
يوضح هوفمان: “إن الجزء الأكبر من الرعاية الطبية للجرحى سيتم داخل المستشفيات المدنية الألمانية، وليس فقط في المنشآت العسكرية. وهذا يتطلب توفر نحو 15 ألف سرير مستشفى في حالة الطوارئ، وهو رقم يبدو ضئيلاً مقارنةً بإجمالي سعة المستشفيات الألمانية، التي تضم حوالي 440 ألف سرير. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في الجاهزية اللوجستية وسرعة التنسيق بين الجهات المدنية والعسكرية في وقت الحرب”. ويعمل الجيش الألماني على إعادة بناء قدرته على نقل الجرحى، سواء جوًا أو برًا أو بحرًا.
أشار هوفمان إلى أن أحد الدروس المستفادة من احرب أوكرانيا منذ بدايتها في فبراير 2022 هو أهمية تنويع وسائل الإخلاء الطبي، مضيفًا: “لا يمكننا التنبؤ بدقة بمدى توافر وسائل النقل الجوية أو البرية أو البحرية في وقت الأزمات، ولذلك هدفي هو ضمان توفر البدائل كافة، من طائرات نقل إلى قطارات خاصة وحتى الحافلات المجهزة لنقل المصابين إلى المستشفيات”. ففي أوكرانيا، تُعتمد القطارات على نطاق واسع لنقل الجرحى من الجبهة إلى المناطق الخلفية، وهو ما تسعى ألمانيا إلى محاكاته وتطويره. ويؤكد هوفمان: “أن هذا النموذج لا يقتصر على النقل فقط، بل يتضمن تقديم رعاية طبية أولية خلال الرحلة، مما يُسهم في تقليل معدل الوفيات”.
التهديدات الجديدة: الطائرات المسيّرة وتغير طبيعة الجروح
من بين التحولات الكبرى في ساحة المعركة الحديثة التي أثّرت بعمق على النظام الطبي العسكري، هو تغير طبيعة الإصابات الحربية. فبدلاً من الجروح الناتجة عن الرصاص كما كان شائعًا في الحروب التقليدية، أصبحت الإصابات الناجمة عن الانفجارات والحرائق والطائرات المسيّرة هي الأكثر شيوعًا في ساحة المعركة الأوكرانية. علّق هوفمان قائلاً: “لقد تغيّرت طبيعة الحرب بشكل جذري. أصبحت جروح الطلقات النارية استثناءً، بينما الحروق والجروح المفتوحة الناتجة عن الطائرات بدون طيار هي السائدة”.
تُعرف المنطقة الواقعة على مسافة نحو 15 كيلومترًا على جانبي الجبهة الأمامية في أوكرانيا بـ”منطقة القتل”، نظرًا لقدرة الطائرات المسيّرة على التحليق على مدار الساعة، وتحديد مواقع الأهداف بدقة، وتنفيذ ضربات فتاكة خلال ثوانٍ. وهذا الواقع القاتم يفرض تحديات هائلة على عمليات الإخلاء الطبي، إذ غالبًا ما يُضطر الجنود الجرحى إلى البقاء لفترات طويلة في الخطوط الأمامية قبل أن يتمكنوا من تلقي العلاج أو الإخلاء الآمن.
تعزيز البنية التحتية الطبية وتحسين الجاهزية
يعمل الجيش الألماني في مواجهة هذه التحديات المتزايدة، على إعادة تفعيل المخابئ المحصنة أسفل المستشفيات العسكرية، والتي كانت مهملة منذ نهاية الحرب الباردة. وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز القدرة على مواصلة تقديم الرعاية الصحية حتى في حال تعرّض البنية التحتية لهجمات مباشرة، وهي احتمالية لم تعد مستبعدة في ظل تطور قدرات القصف الدقيق والطائرات المسيّرة طويلة المدى. يقول هوفمان: “علينا أن نأخذ في الحسبان احتمالية استهداف مرافق الرعاية الصحية بشكل مباشر، ولذلك نعمل على تأمين هذه المرافق ضد الهجمات الجوية أو السيبرانية أو حتى التخريبية”. قد بدأت بالفعل عمليات تحصين المستشفيات العسكرية الألمانية وتحديث البنية التحتية الرقمية واللوجستية الخاصة بها، بهدف التأقلم مع متطلبات الحروب الحديثة.
توسيع نطاق الخدمة الطبية العسكرية
من المتوقع أن يتم توسيع نطاق الخدمة الطبية للجيش الألماني، والتي تضم نحو 15 ألف فرد بين أطباء وممرضين وفنيي إسعاف وموظفين إداريين. ورغم اعتزاز المسؤولين العسكريين بـ”الجودة العالية” التي يتمتع بها الطاقم الطبي، فإن النقص الكمي يظل مشكلة حقيقية، وفقًا لما أكده هوفمان: “نحن جيدون من حيث الكفاءة، لكن لا يزال أمامنا الكثير لنصل إلى الكمية المناسبة لمواجهة سيناريو حرب واسعة النطاق”. يشمل هذا التوسيع تعزيز التعاون مع القطاع المدني، وتدريب آلاف الأطباء والممرضين المدنيين على العمل في بيئات عسكرية أو شبه عسكرية، فضلًا عن تخزين المعدات الطبية والأدوية ووسائل الإخلاء السريع في مناطق استراتيجية.
النتائج
تكشف الاستعدادات الطبية للجيش الألماني عن وعي متزايد بخطورة سيناريو اندلاع حرب واسعة بين الناتو وروسيا، وتحديدًا في ضوء التجربة الأوكرانية التي فرضت معايير جديدة للحرب والرعاية الصحية العسكرية. ما يلفت الانتباه في هذه الخطط هو تحول التركيز من الجبهات القتالية إلى البنى التحتية الصحية، في إشارة واضحة إلى أن الحرب الحديثة لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالقدرة على الصمود اللوجستي والطبي.
التقييم العام يشير إلى أن الجيش الألماني يدرك حجم التحدي، ويسعى جديًا إلى الاستعداد له، لكن العقبات لا تزال قائمة، أبرزها النقص في الكوادر الطبية العسكرية، وعدم وضوح مدى فعالية وسائل النقل في بيئة قتالية معقّدة تهيمن عليها الطائرات المسيّرة.
مستقبليًا، يمكن لهذه الاستعدادات أن تتحول إلى نموذج أوروبي، خاصة في حال تبني الناتو آليات تنسيق طبي موحدة. كما أن دمج المستشفيات المدنية في جهود الطوارئ العسكرية يطرح أسئلة حول قدرة الأنظمة الصحية الأوروبية على التكيف مع سيناريوهات الحرب الطويلة. في حال استمرار التوترات مع روسيا، ستصبح مثل هذه الخطط ضرورة لا ترفًا، وقد تؤدي إلى إعادة هيكلة المنظومات الطبية والعسكرية في أوروبا بأكملها، وليس ألمانيا فقط.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109706
