المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI ـ وحدة الدراسات “1”
الإمارات العربية المتحدة – شراكات دولية لردع إيران
ما نشهده اليوم يمثل تطورًا بالغ الحساسية في المشهد الأمني الإقليمي، لأن إعلان الإمارات التصدي لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة قادمة من إيران يعني عمليًا أن دائرة التوتر الإقليمي تتوسع بصورة مباشرة، وأن منطقة الخليج دخلت مرحلة أكثر خطورة من حيث احتمالات الاحتكاك العسكري المباشر.أستثمرت الإمارات خلال السنوات الماضية بشكل كبير في بناء منظومات دفاع جوي متطورة، خاصة لمواجهة تهديدات الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، ولذلك فإن سرعة الإعلان عن اعتراض هذه الهجمات تحمل أيضًا رسالة سياسية وأمنية مفادها أن الدولة تمتلك الجاهزية والقدرة على حماية أجوائها ومنشآتها الحيوية.
هذه التطورات تعكس طبيعة التحول في الحروب الحديثة داخل المنطقة، حيث أصبحت الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة الكلفة أدوات رئيسية في الصراعات الإقليمية، لأنها تمنح القدرة على توجيه رسائل عسكرية وسياسية دون الدخول في حرب تقليدية شاملة.أن أي استهداف للإمارات يحمل أبعادًا تتجاوز الجانب العسكري، لأن الإمارات تُعد مركزًا اقتصاديًا وماليًا دوليًا، وبالتالي فإن الرسالة من وراء مثل هذه الهجمات قد تكون مرتبطة بمحاولة التأثير على الاستقرار الاقتصادي والنفسي في المنطقة، وليس فقط إحداث ضرر ميداني مباشر.
أن هذا التصعيد يأتي في توقيت إقليمي شديد التعقيد، حيث تتداخل ملفات أمن الخليج، والبرنامج النووي الإيراني، وحسابات النفوذ الإقليمي، إضافة إلى التوترات المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة الدولية. لذلك هناك خشية حقيقية من أن يؤدي أي تصعيد غير محسوب إلى توسيع دائرة المواجهة بشكل يصعب احتواؤه لاحقًا.”الرسالة الأبرز اليوم هي أن أمن الخليج بات مرتبطًا بشكل مباشر بحرب المسيّرات والصواريخ، وأن المنطقة تواجه اختبارًا حساسًا بين الردع العسكري ومنع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع.” الإمارات وإيران: حين تصبح الثروة هدفًا والجغرافيا فخًا
مفاوضات ايرانية اميركية؟
في الوقت هناك مفاوضات ايرانية اميركية قال ترامب سوف نصل الى اتفاق قريبا لكن ايران تستمر بشن ضرباتها ضد الامارات؟
هذا السلوك يعكس خلط الأوراق والتناقض الأساسي الذي يلفت الانتباه في المشهد الحالي. فمن جهة، هناك حديث أميركي متكرر عن إمكانية التوصل إلى تفاهم أو اتفاق مع إيران، ومن جهة أخرى تستمر حالة التصعيد الأمني في المنطقة، سواء عبر الهجمات المباشرة أو عبر رسائل القوة الميدانية. وهذا يعكس طبيعة الاستراتيجية الإيرانية القائمة غالبًا على التفاوض تحت الضغط، أي الجمع بين المسار الدبلوماسي وإظهار أوراق القوة الإقليمية في الوقت نفسه.أمن دول مجلس التعاون الخليجي والتحولات الجيوسياسية مابعد حرب إيران والولايات المتحدة
إيران تدرك أن أي مفاوضات مع واشنطن لا تتعلق فقط بالملف النووي، بل أيضًا بالنفوذ الإقليمي، والقدرات الصاروخية، وشبكات الحلفاء في المنطقة. لذلك تحاول طهران أن تدخل أي تفاوض وهي في موقع قوة، أو على الأقل قادرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي.في المقابل، الولايات المتحدة تحاول احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة واسعة، لأنها تدرك أن أي حرب مباشرة في الخليج ستكون مكلفة اقتصاديًا وأمنيًا، ليس فقط على المنطقة بل على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة أيضًا.
لكن المشكلة أن استمرار الهجمات أو التهديدات الأمنية يخلق فجوة ثقة كبيرة، خصوصًا لدى دول الخليج، التي تنظر إلى أمنها باعتباره أولوية لا يمكن ربطها فقط بنتائج التفاوض الأميركي الإيراني. ولذلك نلاحظ أن دول الخليج، ومنها الإمارات، تركز بشكل متزايد على تعزيز قدراتها الدفاعية وبناء شراكات أمنية متعددة تحسبًا لأي سيناريو تصعيدي. المنطقة اليوم تعيش معادلة معقدة مفاوضات على الطاولة، وتصعيد في الميدان. وهذا يعني أن الشرق الأوسط ما زال بعيدًا عن الاستقرار الكامل، حتى مع وجود مسارات دبلوماسية مفتوحة.
الإمارات : بناء واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية تطورًا في منطقة الخليج والشرق الأوسط
تمكنت الإمارات خلال السنوات الأخيرة من بناء واحدة من أكثر المنظومات الدفاعية تطورًا في منطقة الخليج والشرق الأوسط، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي الحساس، والتحديات الأمنية المتصاعدة في المنطقة، خاصة مع تنامي تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتوترات المرتبطة بأمن الملاحة والطاقة. ولذلك لم يعد الأمن الإماراتي قائمًا فقط على شراء الأسلحة، بل على بناء شبكة متكاملة من القدرات الدفاعية والتحالفات العسكرية والشراكات الأمنية الدولية.
استثمرت الإمارات بشكل كبير في تحديث قواتها المسلحة، سواء على مستوى سلاح الجو أو الدفاع الجوي أو القوات البحرية. وتمتلك الدولة منظومات متقدمة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى تقنيات الرادار والإنذار المبكر، ما جعلها من أكثر الدول الخليجية استعدادًا للتعامل مع الحروب الحديثة القائمة على الهجمات الدقيقة والتهديدات غير التقليدية. ركزت أبوظبي على تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية، خصوصًا عبر مجموعة “إيدج” الدفاعية، التي أصبحت خلال فترة قصيرة لاعبًا مهمًا في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية. وهذا يعكس توجه الإمارات نحو بناء قدرات ذاتية وتقليل الاعتماد الكامل على الخارج في بعض القطاعات الدفاعية الحيوية.
التعاون الأمني والعسكري مع دول الاتحاد الأوروبي
عززت الإمارات بشكل واضح تعاونها الأمني والعسكري مع دول الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة، ليس فقط عبر صفقات التسليح، بل أيضًا عبر الشراكات الصناعية والتدريب والمناورات المشتركة. وتشير المفاوضات الجارية بين الإمارات والاتحاد الأوروبي حول “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية” إلى وجود رغبة متبادلة لتوسيع التعاون في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي والتكنولوجيا والدفاع. تعتبر فرنسا من أبرز الشركاء الدفاعيين للإمارات داخل أوروبا، إذ توجد قوات فرنسية متمركزة في الإمارات ضمن اتفاق دفاعي بين البلدين، كما تنظم الدولتان تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة بشكل منتظم. ومن أبرزها مناورات “GULF” والمناورات التكتيكية المشتركة في البيئة الصحراوية والحضرية، والتي تهدف إلى رفع الجاهزية وتعزيز التنسيق العملياتي بين الجيشين.
وتوسعت الإمارات في التعاون الدفاعي مع إيطاليا، خاصة في مجالات الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الجوية والبحرية، ضمن إطار الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين البلدين. وتعمل شركات دفاعية إماراتية وأوروبية على تطوير مشاريع مشتركة تشمل أنظمة الدفاع الجوي، والرادارات، والحرب الإلكترونية، والأنظمة البحرية المتقدمة. وفي جانب الصناعات الدفاعية، طورت الإمارات شراكات مع شركات أوروبية كبرى مثل “ليوناردو” الإيطالية و”إندرا” الإسبانية و”تاليس” الفرنسية، في مجالات الدفاع الجوي، والأنظمة البحرية، والحلول المضادة للطائرات المسيّرة، والروبوتات العسكرية، والتدريب العسكري المتقدم. التقارب الاستراتيجي تحت الضغط: أوروبا والخليج في أعقاب الحرب الإيرانية
الإمارات مركزًا إقليميًا مهمًا للمعارض الدفاعية الدولية
ـ أصبحت الإمارات مركزًا إقليميًا مهمًا للمعارض الدفاعية الدولية، خاصة عبر معرضي IDEX وNAVDEX في أبوظبي، اللذين تحولا إلى منصة عالمية لعقد الشراكات العسكرية والتكنولوجية بين دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة وآسيا.
ـ تشارك الإمارات بشكل منتظم في مناورات عسكرية مشتركة مع دول أوروبية وغربية وآسيوية، سواء في مجال الدفاع الجوي أو العمليات البحرية أو مكافحة الإرهاب. ومن أبرز هذه التدريبات مناورات “Desert Flag”، التي تجمع قوات جوية من عدة دول حليفة وصديقة بهدف تعزيز التكامل العملياتي وتبادل الخبرات في بيئة قتالية واقعية.
ـ وسعت الإمارات تعاونها الدفاعي مع دول آسيوية مثل الهند وكوريا الجنوبية وتركيا، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والتكنولوجيا العسكرية الحديثة. وتجري تدريبات مشتركة واتفاقات تعاون تشمل الأمن البحري، والذكاء الاصطناعي العسكري، والأنظمة غير المأهولة، والتدريب العملياتي.
ـ أما العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة، فما تزال تشكل أحد أعمدة الأمن الإماراتي، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجيا العسكرية. وتشير التقارير الأخيرة إلى أن واشنطن تعمل على توسيع “الشراكة الدفاعية الكبرى” مع الإمارات، بما يشمل تطوير القدرات المشتركة والتعاون في مجالات الأمن السيبراني والدفاع الصاروخي والابتكار العسكري.
ـ هذه الشبكة الواسعة من الشراكات والتحالفات تعكس إدراك الإمارات أن أمن الخليج لم يعد قضية محلية فقط، بل أصبح جزءًا من الأمن الدولي، خصوصًا مع ارتباط المنطقة بالطاقة العالمية والممرات البحرية والتجارة الدولية. ولذلك تسعى أبوظبي إلى بناء سياسة دفاعية قائمة على التنويع، وعدم الاعتماد على شريك واحد، مع الاستثمار في التكنولوجيا والجاهزية العسكرية والتحالفات متعددة الأطراف.
ـ وفي ظل التوترات الحالية في الخليج، خاصة مع تصاعد التهديدات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تبدو الإمارات اليوم أكثر ميلًا إلى تعزيز مفهوم الشراكات في مجالات الامن والدفاع، أي بناء منظومة تعاون أمني ودفاعي تشمل الخليج وأوروبا والقوى الدولية الكبرى، بهدف حماية الاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة وأمن الطاقة. إن الإمارات لم تعد تنظر إلى الدفاع باعتباره مجرد رد فعل على التهديدات، بل كجزء من استراتيجية شاملة لبناء قوة ردع حديثة، وتعزيز مكانتها كشريك أمني موثوق على المستوى الإقليمي والدولي.
تكشف التطورات الأخيرة بين الإمارات وإيران أن منطقة الخليج دخلت مرحلة أمنية أكثر تعقيدًا، لم تعد فيها التهديدات التقليدية وحدها هي العامل الحاسم، بل أصبحت الحروب غير المتماثلة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، أدوات رئيسية في إعادة تشكيل معادلات الردع الإقليمي. وفي هذا السياق، تحاول الإمارات تعزيز نموذج أمني قائم على الجاهزية الدفاعية، وتنويع التحالفات الدولية، والاستثمار في التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، بهدف حماية استقرارها الداخلي ومكانتها الاقتصادية العالمية.
ـ توضح الأزمة الحالية أن أمن الخليج لم يعد مسألة محلية أو ثنائية، بل أصبح جزءًا من التوازنات الدولية المرتبطة بالطاقة، والممرات البحرية، والاستقرار الاقتصادي العالمي. ولذلك فإن أي تصعيد بين إيران ودول الخليج، خاصة الإمارات، ستكون له تداعيات تتجاوز حدود المنطقة لتطال الأمن الدولي بأكمله. وعليه، فإن المشهد الإقليمي اليوم يقوم على معادلة شديدة الحساسية: تعزيز الردع لمنع التهديدات، مع محاولة تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة. إلا أن استمرار التصعيد المتبادل، حتى في ظل وجود قنوات تفاوض مفتوحة، يعني أن المنطقة ستبقى معرضة لموجات توتر متكررة ما لم يتم التوصل إلى إطار أمني إقليمي أكثر استقرارًا وتوازنًا.
رابط نشر ..https://www.europarabct.com/?p=118204
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
