المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ إلى أي مدى يغير الدعم العسكري الأوروبي مسار حرب أوكرانيا؟
يجتمع وزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة مستقبل الدعم العسكري لأوكرانيا، في ظل استعداد كييف لتلقي دفعة أولى من قرض أوروبي. ويأتي الاجتماع وسط تساؤلات متزايدة حول قدرة الصناعات الدفاعية الأوروبية على تلبية احتياجات الحرب حتى عام 2027. كما يختبر القرض الجديد جاهزية التكتل الأوروبي لتسريع إنتاج الأسلحة وتنسيق الدعم العسكري في ظل ضغوط سياسية وصناعية متصاعدة.
تسريع وتيرة الإنتاج الدفاعي الأوروبي وتعزيز التعاون الصناعي والعسكري
حثّت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس، على تسريع وتيرة الإنتاج الدفاعي الأوروبي وتعزيز التعاون الصناعي والعسكري بين الدول الأعضاء، وذلك خلال اجتماع وزراء دفاع الاتحاد في بروكسل لمناقشة ملفات تتعلق بأوكرانيا والقدرات الصناعية والقضايا الأمنية في الشرق الأوسط. وتابعت كاجا كالاس، قبيل انطلاق الاجتماع، إن التركيز ينصب على الابتكار والمشاريع الدفاعية المشتركة، مشيرة إلى أن تعدد المشاريع الدفاعية داخل الدول الأعضاء يؤدي إلى مشكلات تتعلق بعدم قابلية التشغيل البيني.
وأضافت أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى دفع الدول الأعضاء نحو “المزيد من المشتريات المشتركة” وتعزيز الابتكار في القطاع الدفاعي، مؤكدة ضرورة الاستفادة من الدروس المستخلصة من الحرب في أوكرانيا. وأشارت كالاس إلى أن إنتاج الصناعات الدفاعية الأوروبية لا يزال يثير القلق رغم توافر التمويل، قائلة: “لدى الدول الكثير من التمويل المتاح، لكن صناعة الدفاع لا تزيد من إنتاجها”.
وأكدت أن وزير الدفاع الأوكراني من المتوقع أن ينضم إلى المحادثات، التي ستتناول مقترحًا لتقديم قرض بقيمة 90 مليار يورو، أي ما يعادل نحو 97.8 مليار دولار، بهدف تلبية الاحتياجات العاجلة لكييف. كما أوضحت أن وزراء الدفاع الأوروبيين سيعقدون لقاءات مع ممثلين عن قطاع الصناعات الدفاعية لبحث العقبات التي تعرقل عمليات الإنتاج والتسليم، مضيفة: “نحن بحاجة إلى معرفة المشكلة حتى نتمكن من جمعهم معًا”.
وفي ما يتعلق بملفات الشرق الأوسط، قالت كالاس إن المناقشات ستشمل الوضع في لبنان وعمليات الأمن البحري، مشيرة إلى وجود اهتمام بين الدول الأعضاء بإطلاق بعثة أوروبية جديدة محتملة لدعم القوات المسلحة اللبنانية بعد انتهاء مهمة اليونيفيل المقرر لاحقًا هذا العام.
وأضافت أن الوزراء سيناقشون أيضًا عملية “أسبيدس” البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي في مضيق هرمز، موضحةً أن الخطة التشغيلية للمهمة يمكن تعديلها إذا وافقت الدول الأعضاء. وقالت كالاس: “لدينا ذلك بالفعل. كل ما نحتاجه هو تغيير الخطة التشغيلية لتلك الولاية”، مؤكدةً أن هيكل المهمة قائم بالفعل، لكنه يتطلب مزيدًا من التوافق السياسي ومساهمات إضافية من الدول الأعضاء للمضي قدمًا.
كييف تستعد لتلقي الشريحة الأولى من قرض أوروبي
يجتمع وزراء دفاع دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل، في 12 مايو 2026، لمناقشة سبل دعم أوكرانيا وتعزيز قدراتها الدفاعية، في وقت تستعد فيه كييف لتلقي الشريحة الأولى من قرض أوروبي تبلغ قيمته 90 مليار يورو، وسط تساؤلات بشأن قدرة الصناعات الدفاعية الأوروبية على تلبية احتياجات الحرب حتى عام 2027. يأتي الاجتماع بعد رفع المجر حق النقض “الفيتو” عن القرض، ما دفع العواصم الأوروبية إلى تقييم مدى قدرتها على تلبية الاحتياجات العسكرية الأوكرانية، وما إذا كانت الصناعات الدفاعية تمتلك مخزونات كافية أو تستطيع زيادة الإنتاج بوتيرة سريعة تضمن تزويد كييف بالمعدات المطلوبة في الوقت المناسب.
القرض يمثل “اختبارًا” لصناعة الدفاع الأوروبية
يقول مسؤول رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي إن القرض يمثل “اختبارًا مهمًا” لصناعة الدفاع الأوروبية، في ظل الضغوط المتزايدة لتسريع الإنتاج العسكري داخل التكتل. وبدأت المفوضية الأوروبية بالفعل إعداد خطة لتحديد ما يمكن أن يقدمه الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا. وذكر المسؤول أن مفوض الدفاع الأوروبي أندريوس كوبيليوس والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، أرسلا رسالة إلى عواصم الدول الأعضاء لتحديد المساهمات المحتملة لكل دولة. أضاف المصدر أن أقل من نصف الدول الأعضاء ردت حتى الآن، ما يعني أن الصورة لا تزال “مختلطة إلى حد ما” بشأن حجم الدعم الفعلي الذي يمكن توفيره.
الاتفاق يتيح لأوكرانيا شراء أسلحة من خارج الاتحاد
تقدم كييف بموجب آلية القرض، تقييمًا باحتياجاتها الدفاعية إلى المفوضية الأوروبية، على أن تتم في البداية مطابقة هذه الاحتياجات مع الأسلحة المصنعة داخل الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، يتيح الاتفاق لأوكرانيا شراء أسلحة من خارج الاتحاد الأوروبي عبر سلسلة من الاستثناءات المعتمدة. كانت المفوضية الأوروبية أعلنت في ابريل 2026 أن أوكرانيا ستتلقى أول دفعة بقيمة 6 مليارات يورو لشراء طائرات بدون طيار بحلول يونيو 2026، بعد السماح باستخدام هذه الحصة لشراء طائرات بمكونات مصنوعة خارج الاتحاد الأوروبي أو أوكرانيا.وقال المسؤول الأوروبي إن الحزم الثلاث التالية، التي يجري إعدادها، ستركز على الذخيرة وأنظمة الدفاع الجوي والطائرات بدون طيار.
تتطلع دول أخرى إلى الانضمام إلى آلية القرض. وكان الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة أعلنا خلال مايو 2026 بدء مفاوضات لانضمام لندن إلى برنامج القرض الأوروبي وتجاوز آلية الاستثناء الحالية. ويسمح النص لأوكرانيا بشراء معدات من دول أبرمت شراكات أمنية ودفاعية مع الاتحاد الأوروبي، وهي الشراكة التي وقعتها بريطانيا العام 2025، مقابل مساهمات مالية. وشهدت المفاوضات المتعلقة بالقرض نقاشات واسعة بشأن استخدام أموال الاتحاد الأوروبي لشراء أسلحة مصنعة خارج أوروبا، في ظل مخاوف من عدم قدرة الصناعات الأوروبية على تلبية الطلب المتزايد بالسرعة المطلوبة. أكد دبلوماسي أوروبي إن اللجوء إلى شراء الأسلحة من خارج أوروبا “أمر منطقي”، إذا لم يتمكن التكتل من توفير القدرات العسكرية المطلوبة في الوقت المناسب.
ومن المقرر أن يشارك ميكائيل يوهانسون، رئيس رابطة صناعات الفضاء والأمن والدفاع في أوروبا “ASD” لتقييم التقدم في بناء القدرات الدفاعية الأوروبية. ويتوقع أن يقدم يوهانسون، الذي يشغل كذلك منصب الرئيس التنفيذي لشركة “ساب” السويدية للدفاع، عرضًا بشأن سبل زيادة إنتاج أنظمة الدفاع الجوي داخل أوروبا، في ظل تزايد الطلب عليها لدعم أوكرانيا.
أنظمة الدفاع الجوي لا تزال تمثل “الأولوية الأهم”
أكد دبلوماسي أوروبي ثانٍ إن أنظمة الدفاع الجوي لا تزال تمثل “الأولوية الأهم” بالنسبة إلى أوكرانيا قبل انعقاد الاجتماع. ومن المنتظر أن يعقد الاجتماع في غياب وزيري الدفاع الفرنسي والألماني، اللذين لن يشاركا في جلسات مجلس الاتحاد الأوروبي. ويأتي اجتماع وزراء الدفاع بعد اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين، الذين سيناقشون بدورهم استمرار تقديم الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا.
النتائج
– تفتح مناقشات وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في بروكسل حول دعم أوكرانيا مسارًا استشرافيًا معقدًا يتجاوز الاستجابة الفورية لاحتياجات الحرب، ليصل إلى إعادة تشكيل طويلة الأمد لمنظومة الأمن والدفاع الأوروبية. فالقرض البالغ 90 مليار يورو لا يُنظر إليه كأداة تمويل فقط، بل كاختبار حقيقي لقدرة الصناعات الدفاعية الأوروبية على التحول من اقتصاد سلام إلى اقتصاد حرب .
– تشير المعطيات إلى أن أوروبا ستواجه فجوة مستمرة بين الطلب الأوكراني والقدرة الإنتاجية الداخلية، ما سيُبقي خيار الاستيراد من خارج الاتحاد، بما في ذلك الولايات المتحدة وحلفاء آخرين، عنصرًا أساسيًا في المعادلة الدفاعية. هذا الواقع قد يعزز اتجاهًا مزدوجًا: زيادة الاعتماد المرحلي على الخارج، بالتوازي مع تسريع مشاريع الاستقلال الدفاعي الأوروبي.
– من المتوقع أن يدفع الضغط الأوكراني الاتحاد الأوروبي إلى تسريع التكامل الصناعي العسكري، خصوصًا في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة والذخائر، وهي القطاعات التي تمثل الأولوية الأوكرانية الحالية. كما أن استمرار الحرب حتى 2027، وفق السيناريوهات المطروحة، سيجبر بروكسل على تحويل آليات التمويل من دعم طارئ إلى بنية دعم دائمة شبه مؤسسية.
– ستظل الانقسامات بين الدول الأعضاء عاملًا مؤثرًا في بطء القرار، لكن تصاعد التهديدات الأمنية سيحد تدريجيًا من قدرة الدول الفردية على عرقلة السياسات المشتركة. وفي المقابل، قد يدفع ذلك نحو دور أكبر للمؤسسات الأوروبية المركزية في إدارة ملف التسليح.
– يبدو أن دعم أوكرانيا لن يكون فقط اختبارًا للحرب الجارية، بل نقطة تحول في تعريف أوروبا لدورها الدفاعي العالمي خلال العقد القادم.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118327
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
