خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ ألمانيا، المسيّرات تُعيد تشكيل العقيدة الدفاعية
تُثير انتهاكات المجال الجوي التي تُنفّذها طائرات روسية مُسيّرة وطائرات مقاتلة قلق شركاء الناتو. ويشرح المفتش العام للجيش الألماني كارستن بروير، كيف ستتوفّر أنظمة أسلحة جديدة قريبًا ردًّا على ذلك. يريد المفتش العام كارستن بروير نشر أنظمة أسلحة جديدة بسرعة لمواجهة الطائرات المسيّرة في الجيش. صرّح كارستن: “أمر واحد واضح لي في النهاية، من المرجّح أن نلجأ إلى استخدام طائرات مسيّرة ضدّها”. مضيفًا: “نظرًا لكثرة الطائرات المسيّرة التي تستخدمها روسيا ضد أوكرانيا، فإن الدفاع الفعّال لا يمكن تحقيقه إلا من خلال مزيج من القدرات المختلفة”.
يتوقّع كارستن تقدّمًا خلال العام 2025. يشير بروير إلى الجدول الزمني لإدخال ما يُسمى بالذخائر المتسكّعة في الجيش الألماني. وهي طائرات بدون طيار انتحارية مزوّدة برؤوس حربية يمكن توجيهها إلى أهداف بأعداد كبيرة أو البحث عنها ذاتيًّا بمساعدة الذكاء الاصطناعي. أكد كارستن: “اتخذنا قرارًا بشأن الذخائر المتسكّعة في مارس 2025، وبحلول نهاية العام 2025 ستطلق القوات الذخيرة الحيّة لأوّل مرّة”. تابع كارستن : “في الوقت نفسه، تُواصل القوات خوض معارك الطائرات المسيّرة ضد الطائرات المسيّرة بنشاط، بنفس وتيرة استخدام الذخائر المتسكّعة”.
عدّة انتهاكات للمجال الجوي على أراضي الناتو
يرى كارستن: “إنه من الخطأ إغفال التهديدات الأخرى، لا يمكننا القول إننا نركّز فقط على الطائرات المسيّرة. فرغم أهمية تطوير الطائرات المسيّرة لقدراتنا الدفاعية، لا تزال لدينا صواريخ كروز، وقذائف صاروخية، وطائرات تُشكّل تهديدًا”. أثارت انتهاكات روسيا المتزايدة للمجال الجوي خلال سبتمبر 2025 قلقًا بين حلفاء الناتو. ففي بولندا، دخل عدد كبير من الطائرات المسيّرة المجال الجوي البولندي ومجال الناتو. واشتكت إستونيا في 19 سبتمبر 2025 من انتهاك ثلاث مقاتلات روسية المجال الجوي لهذه الدولة العضو في الناتو، الواقعة في منطقة البلطيق، وكان حاف شمال الأطلسي قد أطلق عملية “الحارس الشرقي” لتعزيز حماية جناحه الشرقي بالدفاع الجوي والاستطلاع.
روسيا “تختبر الحلف بهذا الانتهاك للمجال الجوي”
في العاشر من سبتمبر 2025، أسقطت القوات الجوية البولندية وحلفاء آخرون في حلف شمال الأطلسي عدّة طائرات روسية بدون طيار لأوّل مرة. ووصف بروير هذا بأنّه انتهاك غير مسبوق للمجال الجوي البولندي.أردف كارستن قائلًا: “سواءً كان ذلك متعمّدًا أم غير متعمّد، سيراقب بوتين ردّ فعلنا عن كثب. لقد اختبرنا كتحالف بهذا الانتهاك للمجال الجوي”. وأعرب عن ثقته في أن حلف شمال الأطسي اجتاز هذا الاختبار بوحدته وسرعة استجابته. ومع ذلك، فإن حقيقة أن طائرات حلف شمال الأطلسي المقاتلة مضطرة لإطلاق صواريخ موجهة عالية الجودة على طائرات بدون طيار رخيصة الثمن نسبيًّا أثارت الشكوك والانتقادات العامة حول حالة استعداد التحالف.
الاتحاد الأوروبي يريد بناء “جدار الطائرات بدون طيار”
اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بعد وقت قصير من الاختراق الروسي لبولندا، ما يُسمى بجدار الطائرات المسيّرة على الحدود الشرقية لأوروبا. تنبع هذه الفكرة من مبادرة أطلقتها دول البلطيق وبولندا، اللتان تعملان بالفعل على بناء “جدار طائرات مسيّرة على بحر البلطيق”. تهدف الخطة إلى بناء نظام دفاعي متعدد الطبقات يجمع بين أجهزة الاستشعار، والكاميرات، والرادارات، وأجهزة التشويش، وطائرات اعتراضية مسيّرة، بعضها يمكن أتمتته والتحكم فيه بالكامل باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتُستخدم تقنيات أولية مثل نظام “إيرشيلد” الذي طورته شركات إستونية ولاتفية بالفعل في أوكرانيا، ويجري تكييفها وتفعيلها لنشرها في حلف شمال الأطلسي.
يدفع مفوّض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس المشروع قدمًا، ويعتزم جمع وزراء دفاع الدول الأعضاء الشرقية وأوكرانيا. لا يزال الكثير من الأمور غير واضحة، فلم تُحسم التكاليف، وتوزيع المسؤوليات، والإطار الزمني بعد، لكن التقديرات تشير إلى إمكانية التنفيذ خلال عام. الأمر الوحيد الواضح حتى سبتمبر 2025 هو أن المشروع مُلحّ، وفي الوقت نفسه، يواجه تنسيقًا سياسيًّا داخل أروقة الاتحاد الأوروبي، ممّا قد يُبطئ وتيرته.
كارستن بروير يريد تقييم استخدام الأسلحة
يدعو بروير إلى تقييم استخدام الأسلحة بناءً على خطرها على الأشخاص والأضرار المحتملة للممتلكات قائلًا: “مع ذلك، يبقى السؤال: “كيف يمكننا تحقيق نسبة فعالية من حيث التكلفة أفضل بكثير؟ ما زلنا بعيدين عن بداية الإجابة على هذا السؤال. على سبيل المثال، بدأنا بالفعل بشراء أنظمة الدفاع الجوي (سكاي رينجر) مجددًا، والتي تكلّف ذخيرتها جزءًا بسيطًا من تكلفة صاروخ مضاد للطائرات”. مع الطائرات المسيّرة الجديدة، يُعدّ توافرها بكميات كبيرة أمرًا بالغ الأهمية في حال وقوع كارثة، إلا أن دورات تطويرها قصيرة جدًّا، أقصر بكثير من دورات تطوير القنابل اليدوية أو الصواريخ. لذلك، لا جدوى للمخططين العسكريين من الاحتفاظ بمخزونات كبيرة من سلاح قد يفقد فعاليته في غضون سنوات أو حتى أشهر.
يوضح كارستن: “أستطيع أن أتخيّل عقدًا احتياطيًّا لتوفير الطائرات المسيّرة، هذا يعني نحتاج إلى عدد محدد من الطائرات لإجراء التدريبات. نحتاج إلى عدد محدد في المستودعات لتلبية الاحتياجات الفورية”، يقول بروير. “ولكن الأهم من ذلك كلّه، نحتاج إلى سعة صناعية تستوعب كميات كبيرة في الوقت الذي نحتاج فيه إلى ذلك بشدّة”.
يلتزم وزير الداخلية الألماني الاتحادي ألكسندر دوبريندت، بتعزيز دفاع الطائرات المسيّرة من أجل الأمن الداخلي. صرّح دوبريندت: “سنضع هذه القضية في مقدمة جدول أعمال مؤتمر وزراء الداخلية القادم. هدفنا واضح، توحيد الكفاءات بين الحكومة الاتحادية وحكومات الولايات، وتطوير قدرات دفاعية جديدة، ودمج دفاعات الطائرات المسيّرة من الشرطة والجيش”. تابع وزير الداخلية قائلًا: “نحن في سباق تسلّح تكنولوجي بين تهديدات الطائرات المسيّرة ودفاعاتها في المجالين الهجين والعسكري”.
يبدو أن ألمانيا في ظل تصاعد التهديدات الجوية الروسية باستخدام الطائرات المسيّرة والانتهاكات المتكررة للمجال الجوي لحلف الناتو، تتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة هيكلة قدراتها الدفاعية، تعتمد فيها على الذكاء الاصطناعي كأساس لمعادلة الردع المستقبلية. من المتوقع أن يشهد العام 2026 تسريعًا في دمج هذه الأنظمة داخل البنية العسكرية الألمانية، مع تنامي التعاون الصناعي الأوروبي لتأمين إنتاج مرن وفعال للطائرات المسيّرة.
يظل التحدي الأكبر هو التوازن بين الجاهزية السريعة والتكلفة العالية، إلى جانب قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز التعقيدات البيروقراطية لتوحيد دفاعاته. وفي حال استمرت روسيا في اختبار حدود الناتو، فإن ألمانيا مرشّحة للعب دور قيادي في رسم معالم “جدار الحماية” لأوروبا، ليس فقط عبر التسليح، بل عبر هندسة منظومة ردع رقمية تتجاوز الحدود التقليدية للحرب.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=109634

