المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي ورئيس المركز الأوروبي ECCI https://x.com/European_ct
الدفاعات الأوروبية ـ مناورات “أوريون 26″ الفرنسية و Response 26 ” ـ الدلالات الاستراتيجية
تُعتبر المناورات العسكرية واحدة من أهم أدوات الدول في اختبار الجاهزية القتالية وبعث الرسائل السياسية والاستراتيجية في آنٍ واحد. وفي هذا السياق، تكتسب مناورات “أوريون 26” التي أطلقتها فرنسا والتي تستمر ثلاثة أشهر حتى نهاية شهر أبريل أهمية استثنائية، كونها الأضخم منذ نهاية الحرب الباردة، سواء من حيث حجم القوات المشاركة أو طبيعة السيناريوهات التي تحاكي حربًا شاملة عالية الكثافة داخل القارة الأوروبية. هذه المناورات لا يمكن فصلها عن البيئة الدولية الراهنة التي تتسم باستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد منسوب التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، وعودة مفاهيم الردع التقليدي والاستعداد للصراع بين الدول الكبرى إلى صدارة التفكير الأمني الأوروبي.
ماحجم القوات وعدد الدول المشاركة؟
تعتبر مناورات “أوريون 26” الأضخم في تاريخ فرنسا منذ نهاية الحرب الباردة، حيث جمعت حوالي 12,500 جندي من 24 دولة حليفة وشريكة، ما يعكس مستوى غير مسبوق من التعاون متعدد الجنسيات على الأرض الأوروبية. وتشمل القوات المشاركة وحدات برية وجوية وبحرية، بالإضافة إلى مكونات سيبرانية ولوجستية، ما يجعل المناورة محاكاة كاملة لحرب تقليدية واسعة النطاق تتطلب تنسيقًا عالي المستوى بين مختلف فروع الجيش. من بين الدول المشاركة، تتصدر فرنسا القائمة بصفتها الدولة المضيفة والقائدة للمناورة، وتشارك معها ألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وبريطانيا وبولندا واليونان ورومانيا ولوكسمبورغ، بالإضافة إلى الولايات المتحدة التي تشارك بوحدات قوات خاصة ومكوّنات دعم نوعية. شاركت دول أخرى من خارج أوروبا مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والبرازيل، ودول عربية من بينها المغرب وقطر، ما يعكس الطابع العالمي للمناورة وأهمية اختبار التكامل العسكري بين قوات من بيئات مختلفة. الولايات المتحدة الأمريكية الناتو وروسيا ـ مناورات “Steadfast Dart 26″، ما الذي يتدرب عليه الحلف؟
القوة الجوية المشاركة تجاوزت 140 طائرة ومروحيات، مع حوالى 1200 طائرة بدون طيار، بينما شملت القوة البحرية حوالي 25 سفينة حربية بينها حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديغول” إضافة إلى ذلك، تم اختبار منظومات القيادة والسيطرة C2 على مستوى مسرح عمليات أوروبي متعدد الجبهات، بما يتيح للقيادة الفرنسية محاكاة اتخاذ القرار في ظروف الضغط والتصعيد. وتستمر المناورات حتى أواخر أبريل 2026، مع مراحل متنوعة تشمل تدريبات قتالية مباشرة، سيناريوهات حرب واسعة النطاق، عمليات لوجستية معقدة، وتجربة قيادة وسيطرة مشتركة بين القوات المشاركة، لتأكيد قدرة الناتو ودول الشراكة على مواجهة أي تهديد تقليدي محتمل داخل أوروبا.
“أوريون 26″ يتجاوز الطابع التكتيكي التقليدي
تمثل “أوريون 26” تمرينًا مركبًا يتجاوز الطابع التكتيكي التقليدي، إذ تشارك فيه قوات برية وجوية وبحرية من دول حليفة وشريكة، إضافة إلى مكونات سيبرانية ولوجستية، في إطار يحاكي إدارة مسرح عمليات واسع متعدد الجبهات. جوهر هذه المناورات لا يكمن فقط في تحريك الوحدات أو اختبار الأسلحة، بل في محاكاة حرب فعلية تتطلب تنسيقًا عالي المستوى، وسرعة في اتخاذ القرار، وقدرة على إدارة التصعيد العسكري والسياسي في آنٍ واحد. وبذلك، تشكل “أوريون 26” اختبارًا حقيقيًا لقدرات القيادة والسيطرة الفرنسية، ولقدرة القوات الأوروبية على العمل المشترك في حال اندلاع صراع تقليدي واسع النطاق. تمثل هذه المناورات تحولًا لافتا في العقيدة العسكرية الفرنسية، لكن من المهم التوضيح أن اسم “أوريون” نفسه ليس جديدًا بالكامل في التخطيط العسكري الفرنسي. فقد أطلقت فرنسا خلال السنوات الماضية سلسلة من المناورات حملت الاسم ذاته، مثل “أوريون 21” و”أوريون 23″، إلا أن تلك النسخ كانت محدودة النطاق وتركز أساسًا على الجوانب التكتيكية ورفع الجاهزية داخل القوات الفرنسية، مع مشاركة خارجية ضيقة، ودون تقديمها بوصفها استعدادًا لحرب شاملة داخل القارة الأوروبية. الولايات المتحدة الأمريكية
لماذا نسخة “أوريون 26” تختلف عن سابقاتها؟
النسخة الحالية “أوريون 26” تمثل قطيعة نوعية مع تلك المراحل السابقة، إذ جرى توسيع المناورة بشكل غير مسبوق من حيث عدد الدول المشاركة، وحجم القوات، وطبيعة السيناريوهات المفترضة. فبدل التركيز على تدريبات جزئية أو عمليات إدارة أزمات، باتت المناورة تحاكي صراعًا تقليديًا واسع النطاق بين دول ذات قدرات متقاربة، مع اختبار فعلي لمنظومات القيادة والسيطرة، والقدرة على إدارة مسرح عمليات أوروبي متعدد الجبهات. بهذا المعنى، لا تعكس “أوريون 26” مجرد استمرار لسلسلة تدريبية سابقة، بل تمثل تتويجًا لمسار تدريجي جرى التخطيط له منذ سنوات، وتحولًا واعيًا في التفكير الاستراتيجي الفرنسي من منطق التدخلات المحدودة إلى الاستعداد لحرب كبرى محتملة في أوروبا، وليس الاكتفاء بإدارة المخاطر المحدودة. الناتو وروسيا ـ مناورات “Dacian Fall 2025″، بداية تموضع للحلف في البحر الأسود
يرى المعهد الأوروبي لدراسات الأمن (EUISS) أن المناورات العسكرية الكبرى داخل أوروبا مثل أوريون 26 لا تقتصر على رسائل سياسية، بل تشكل جزءًا من تعزيز التحالف العسكري الأوروبي والأطلسي في مواجهة التهديدات الاستراتيجية، خاصة المتعلقة بروسيا، وتدعم قدرات الردع الجماعي. ويشير المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إلى أن التدريبات واسعة النطاق تجسد استجابة عملية لبيئة أمنية متصاعدة تتطلب جاهزية متقدمة، لا مجرد تنبيه سياسي. ويؤكد The Hague Centre for Strategic Studies (HCSS) أن تعزيز الاستعداد العسكري عبر مناورات ومشاريع استراتيجية طويلة الأمد جزء من الجهد الأوروبي الأوسع لتعزيز الاستقلالية الدفاعية والقدرة على المواجهة، وليس مجرد إجراء تكتيكي قصير الأمد.
ماذا عن توقيت “أوريون 26” ؟
أما توقيت إطلاق هذه المناورات، فيحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية. فالحرب في أوكرانيا كشفت بوضوح أن احتمال اندلاع صراع تقليدي واسع في أوروبا لم يعد افتراضًا نظريًا، بل سيناريو واقعيًا يجب الاستعداد له. أظهرت الحرب هشاشة بعض القدرات الأوروبية، لا سيما في مجالات الذخائر، واللوجستيات، والقدرة على الصمود في حرب طويلة الأمد. إلى جانب ذلك، يتزامن إطلاق أوريون” 26″ مع تحركات عسكرية أمريكية نوعية في شمال أوروبا والقطب الشمالي، وهو تزامن لا يمكن اعتباره صدفة، بل يعكس إدراكا مشتركا داخل الناتو بأن مسارح التهديد لم تعد تقتصر على الجبهة الشرقية، بل تمتد إلى الشمال، حيث تتقاطع مصالح روسيا والولايات المتحدة وحلفائها في منطقة ذات أهمية استراتيجية متزايدة. الولايات المتحدة الأمريكية
يحمل هذا التوقيت أيضًا بعدًا سياسيًا يتعلق بعدم اليقين في الالتزام الأمريكي طويل الأمد بأمن أوروبا، في ظل النقاشات الداخلية في الولايات المتحدة حول أعباء التحالفات، واحتمالات إعادة توجيه التركيز الاستراتيجي نحو آسيا والمحيط الهادئ. في هذا السياق، تسعى فرنسا إلى تقديم نفسها بوصفها القوة الأوروبية القادرة على قيادة العمليات العسكرية الكبرى داخل القارة، وضمان حد أدنى من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية في حال تغيرت أولويات واشنطن.
هل ” أوريون 26″ رسالة، أم أكثر من ذلك؟
على مستوى الرسائل والدلالات، تسعى “أوريون 26” إلى إيصال أكثر من رسالة في آنٍ واحد. فهي من جهة رسالة ردع موجهة إلى الخصوم، مفادها أن أوروبا لم تعد غير مستعدة لحرب تقليدية واسعة، وأن أي محاولة لفرض وقائع عسكرية بالقوة ستواجه برد منظم ومتعدد الجنسيات. ومن جهة أخرى، تشكل المناورات رسالة طمأنة للحلفاء الأوروبيين، تؤكد أن فرنسا قادرة على الاضطلاع بدور قيادي فعلي في الدفاع عن القارة، وليس مجرد دور سياسي أو رمزي. الولايات المتحدة الأمريكية
تحمل المناورات رسالة داخلية موجهة إلى الرأي العام الأوروبي وصناع القرار، مفادها أن مرحلة الاكتفاء بخطاب الأمن قد انتهت، وأن الاستثمار في القدرات العسكرية بات ضرورة استراتيجية. تنعكس هذه الرسائل بوضوح على ديناميات العلاقات داخل حلف شمال الأطلسي، فقيادة فرنسا لمناورة بهذا الحجم في قلب أوروبا لا تعني تحديًا مباشرًا للولايات المتحدة، لكنها تكشف عن إعادة توزيع للأدوار داخل الحلف. فالولايات المتحدة تظل القائد الاستراتيجي الأعلى، خاصة في ملفات الردع النووي، والقطب الشمالي، والفضاء، في حين تسعى فرنسا إلى ترسيخ موقعها بوصفها القائد العملياتي في المسرح الأوروبي التقليدي، ولا سيما في ما يتعلق بالحرب البرية واسعة النطاق وإدارة مسارح العمليات داخل القارة. في هذا الإطار، يمكن القول إن “أوريون 26” تعكس توزيع أدوار محسوبًا أكثر مما تعكس صراعًا مفتوحًا على القيادة داخل الناتو. غير أن هذا التوزيع لا يخلو من تنافس هادئ، إذ تحاول باريس تقليص الاعتماد الكامل على القيادة الأمريكية، وبناء قدرة أوروبية أكثر استقلالية في التخطيط والتنفيذ، تحسبًا لأي تغيرات مستقبلية في السياسة الأمريكية تجاه أوروبا. الناتو وروسيا ـ أنشطة ومناورات بعد لقاء ألاسكا 2025
مناورات”Response 26 “
إلى جانب مناورات “أوريون 26” التي تُجرى في فرنسا وأوروبا الوسطى، تشهد أوروبا في الوقت ذاته نشاطات عسكرية واسعة في شمال القارة والمنطقة القطبية الشمالية، لكنها ليست جزءًا من “أوريون” نفسها، بل تمثل مناورات مستقلة ضمن إطار الناتو والتحالف الغربي. السويد، على سبيل المثال، تشارك بفعالية في تدريبات موسعة في شمال أوروبا، لا سيما في المنطقة القطبية، ضمن تمرين Cold Response 26 الذي تقوده النرويج ويشارك فيه آلاف الجنود من دول الحلف ومن ضمنهم القوات السويدية. تركز هذه التدريبات على العمل في بيئات قاسية للغاية والتنسيق بين القوات، وتشكل أكبر مناورات للناتو في الشمال خلال العام الحالي. وتجدر الإشارة إلى أن السويد سبق لها أن شاركت في مناسبات تدريبية واسعة في المنطقة الشمالية مع فنلندا والنرويج قبل انضمامها الرسمي للناتو في مارس 2024، ما يعكس تحولها من دولة حيادية إلى عنصر فعال في منظومة الدفاع الشمالي للحلف.
على صعيد القطب الشمالي، تنفذ النرويج والناتو مناورات Cold Response 26 في شمال النرويج والمناطق القطبية، بمشاركة حوالي 20,000–25,000 جندي من أكثر من عشرة دول بينها الولايات المتحدة وكندا ودول أوروبية، وتركز هذه التدريبات على العمل في ظروف قطبية صعبة، واختبار جاهزية الحلف لمواجهة أي تهديد محتمل من الشمال. هذه المناورات ليست مرتبطة مباشرة بـ “أوريون 26″، لكنها تعكس اتساع نطاق الاستعدادات العسكرية لحلف الناتو عبر أكثر من محور: في حين تتركز المناورات الفرنسية على أوروبا الوسطى والغرب، يهيمن التدريب في الشمال والقطب الشمالي على قدرات الناتو في البيئات القطبية، وهو ما يُظهر تركيز الحلف على استعداد شامل متعدد المسارح في الوقت ذاته. الولايات المتحدة الأمريكية الناتو ـ مناورات “REPMUS”، الحلف يُعيد رسم ملامح الحروب التكنولوجية المستقبلية
الازدواج الجغرافي
الازدواج الجغرافي في هذه التدريبات يعكس عدة اعتبارات استراتيجية. فالمنطقة القطبية باتت محورًا مهمًا في التنافس مع روسيا، سواء من حيث انتشار القوات أو اختبار القدرة على العمل في ظروف صعبة، كما يشكل هذا التدريب فرصة لتعزيز التكامل الدفاعي مع أعضاء جدد مثل السويد، ما يتيح للحلف توسيع نطاق ردعه وتحسين جاهزيته لمواجهة أي تهديد محتمل في شمال أوروبا أو القطب الشمالي. وبالتالي، لا يمكن اعتبار هذه المناورات امتدادًا مباشرًا لـ “أوريون 26″، بل هي مساران متوازيان ضمن استراتيجية الناتو لتعزيز الردع والاستعداد على أكثر من مسرح استراتيجي.
” أوريون 26″ تعاون أم تنافس مع الولايات المتحدة؟
على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة، فتجمع المناورات بين التعاون والتنافس في آنٍ واحد. فمن ناحية، تندرج “أوريون 26” ضمن الإطار العام لعقيدة الناتو وتعزز من مفهوم الردع الجماعي. ومن ناحية أخرى، تعكس رغبة فرنسية واضحة في امتلاك هامش أوسع من القرار العسكري الأوروبي، دون الخروج من المظلة الأطلسية. ويبدو أن واشنطن تتعامل مع هذا التوجه ببراغماتية، طالما أنه لا يمس احتكارها لملفات الردع الوجودي، بل قد تراه وسيلة لتخفيف العبء عنها في المسرح الأوروبي.
في المشهد الأمني الحالي، تواجه أوروبا تهديدا مزدوجا يعكس تداخل المخاطر التقليدية بالضغوط السياسية الدولية. على الصعيد العسكري التقليدي، تبرز روسيا “كعدو” محتمل بارز، إذ أظهرت الحرب في أوكرانيا قدرتها على استخدام القوة العسكرية لإعادة تشكيل نفوذها الإقليمي، مع احتفاظها بأسلحة نووية واستراتيجية واستثمارات مستمرة في القدرات التقليدية المتقدمة، بما يشمل الصواريخ بعيدة المدى والغواصات، إلى جانب استراتيجيات تهدف إلى زعزعة استقرار دول أوروبا الشرقية من خلال التهديدات العسكرية والسيبرانية. الولايات المتحدة الأمريكية
تعزيز الجاهزية العسكرية
هذا الواقع يفسر الحاجة الأوروبية إلى تعزيز الجاهزية العسكرية عبر مناورات واسعة النطاق مثل “أوريون 26” والتدريبات الشمالية الكبرى ضمن الناتو، التي تمثل تحضيرًا عمليًا لمواجهة أي تهديد روسي تقليدي محتمل على القارة. تمثل السياسة الأمريكية المتقلبة، بما في ذلك مواقف ترامب، تحديًا استراتيجيًا من نوع مختلف، فهو لم يشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا لأوروبا، لكنه اتسم بمحاولات تقليص الالتزام الأمريكي بالحلف، وانتقاد نصيب الدول الأوروبية من نفقات الدفاع، وإثارة الانقسامات الداخلية بين دول الاتحاد الأوروبي والحلفاء. ومن هذا المنطلق، يراه بعض صناع القرار الأوروبيين، بمن فيهم الرئيس الفرنسي، خصما سياسيا واستراتيجيا محتملا للاتحاد الأوروبي، لأنه يسعى عمليًا إلى الحد من دور أوروبا المستقل على الساحة الدولية أو إعادة توجيه قراراتها الاستراتيجية بما يخدم مصالح الولايات المتحدة الداخلية أولًا.
الأستنتاج
ـ إن أوروبا أمام تحدٍ مزدوج يجمع بين تهديد خارجي محتمل من روسيا ـ رغم ان روسيا أكدت مراراُ بانها لاتوجد لديها نوايا باجتياح أوروبي وتحترم عقيدتها العسكرية وهذا ماجاء على لسان لافروف وزير خارجية روسيا يوم التاسع من فبراير 2026 ـ وتهديد استراتيجي داخلي مرتبط بالسياسات الأمريكية المتقلبة.
ـ المناورات الفرنسية الكبرى مثل “أوريون 26” تعكس فهمًا عميقًا لهذا الواقع، فهي موجّهة أساسًا لمواجهة التهديد الروسي على الأرض، وفي الوقت نفسه ترسل رسالة واضحة حول ضرورة تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، وإعادة بناء القدرة على القيادة الذاتية للعمليات العسكرية واسعة النطاق، بعيدًا عن الاعتماد المطلق على واشنطن، سواء في أوقات السلم أو في أوقات التصعيد.
ـ لا يمكن التعامل مع مناورات “أوريون 26” بوصفها مجرد تدريب عسكري عابر، بل ينبغي قراءتها كتعبير عن تحول عميق في التفكير الاستراتيجي الفرنسي والأوروبي. فهي تؤشر إلى عودة الاستعداد لحرب شاملة، وإلى إعادة رسم أدوار القيادة داخل الناتو، وإلى إدراك متزايد بأن القارة الأوروبية باتت مجددًا في قلب التنافس بين القوى الكبرى. ورغم أن هذه المناورات لا تعني بالضرورة أن حربًا كبرى باتت وشيكة، فإنها تؤكد أن أوروبا لم تعد تستبعد هذا الاحتمال، وأن فرنسا تسعى إلى أن تكون لاعبًا مركزيًا في أي معادلة أمنية مستقبلية، سواء بالشراكة مع الولايات المتحدة أو في إطار دور أوروبي أكثر استقلالية. الولايات المتحدة الأمريكية
ـ على الرغم من الطابع الإعلامي البارز لمناورات “أوريون 26” والرسائل السياسية الواضحة التي تنطوي عليها، لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد عرض قوة رمزي. فحجم القوات المشاركة، وتعدد جنسياتها، وتنوع الوسائل العسكرية المستخدمة من وحدات برية وجوية وبحرية وسيبرانية، بالإضافة إلى استخدام حاملة الطائرات الفرنسية “شارل ديغول” وطائرات بدون طيار بمئاتها، يشير إلى استعداد حقيقي لتطبيق عمليات واسعة النطاق. المناورات تشمل أيضا اختبار منظومات القيادة والسيطرة على مستوى مسرح عمليات متعدد الجبهات، ما يتيح للقيادة الفرنسية محاكاة اتخاذ القرار في ظروف الضغط والتصعيد، ويظهر جدية التحضيرات العسكرية، لا مجرد استعراض رمزي.
ـ يظل البعد السياسي والدبلوماسي موجودًا بشكل واضح. ففرنسا ترسل عبر هذه المناورات رسالة إلى الحلفاء الأوروبيين بأن لديها القدرة على قيادة العمليات العسكرية الكبرى، وإلى روسيا بأن أوروبا مستعدة للتصعيد التقليدي إذا لزم الأمر، وكذلك إلى الرأي العام وصناع القرار بأن الاستثمار في القدرات الدفاعية لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية.
وعلى الرغم من هذا الاستعراض والجهوزية العالية، لا تعني المناورات أن أوروبا تستعد لحرب وشيكة. فهي جزء من سياسة ردع استراتيجية تهدف إلى تعزيز التنسيق بين الحلفاء، وتحسين الجاهزية في أسوأ السيناريوهات، وإظهار القدرة على مواجهة أي تهديد روسي محتمل. بهذا المعنى، “أوريون 26” تجمع بين الرسالة السياسية العملية والاستعداد العسكري الواقعي، لتؤكد أن أوروبا لم تعد تستبعد التهديد التقليدي، لكنها تعمل على احتوائه قبل أن يتحول إلى صراع فعلي.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=114775
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
