الإستخباراتدراسات

واجهات عمل اجهزة الاستخبارات في الخارج..السفارات نموذجا!

كتب، بشير الوندي، باحث في علوم الاستخبارات

 المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مدخل

تناولنا في مبحثين سابقين المحطات الاستخبارية والدبلوماسية والاستخبارات (راجع مبحث رقم 36 الاستخبارات والدبلوماسية , مبحث 53 المحطات الاستخبارية ), واستكمالاً نقول ان اغلب الدول انتهجت ان تكون الملحقيات العسكرية هي الذراع الخارجي والخدمة الخارجية لجهاز الاستخبارات العسكرية, ونعني بالاستخبارات هنا كل اذرع العمل المخابراتي.

ان الخدمة الدبلوماسية هي الجهد والنشاط الحكومي خارج البلد , والخدمة الخارجية بمنظور استخباري هي مجموعة الاعمال والنشاطات السرية التي يتم انجازها تحت ستار الجهد الدبلوماسي , فهنالك خطان متوازيان للعمل الخارجي والخدمة الخارجية هما الدبلوماسية والاستخبار.

ان السفارات بكل مافيها ومن فيها وبكل اذرعها هي اوكار جاسوسية رسمية يتم الافادة الاستخبارية منها باقصى الدرجات , وهو امر يشمل السفير او رئيس البعثة, القائم بالاعمال , الملحق عسكري , الملحق ثقافي , وكافة الملحقيات الاخرى ,ويتعدى الامر ليشمل , فروع المصارف خارج البلد , مكاتب الخطوط الجوية , مكاتب الشركات الحكومية , الموظفون , المتدربون ,الدارسون في الخارج ,  المغتربون ,ذوو المشتركات الفكرية والدينية والقومية والمذهبية .

 فكل تلك المواقع والممثليات والشخوص يدخلون تحت مسمى الخدمة الخارجية , والتي تستخدمها الدول المحترفة للخدمة الاستخبارية.

وبالطبع فان الاتفاقات الثنائية بين البلدان لاتلبي كافة الاحتياجات المعلوماتية لاي بلد , فبرغم ان هنالك تنسيق حدودي بين حرس الحدود لدولتين متجاورتين , وهناك تنسيق عسكري لدول متحالفة في حرب , وهناك اتفاقيات استرداد مجرمين ومطلوبين بين اجهزة الشرطة للدول , وهناك غرف عمليات مشتركة لمكافحة الارهاب , ولجان مشتركة لمكافحة المخدرات ضمن الاستخبارات الجنائية لدولتين او اكثر , وهناك تنسيق عسكري بحري وجوي بين الدول , وهناك لجان مشتركة لمكافحة القرصنة في البحار , ولكن كل تلك الاتفاقيات هي للتنسيق الذي برغم اهميته الا انه لايلغي الدور الهام للخدمة الخارجية .

الخدمة الخارجية والعمليات

العمل الاستخباري الخارجي له ثلاثة اوجه , اولها العمل الدبلوماسي الرسمي المعلن كما في السفارات والملحقيات وهو عمل دبلوماسي واستخباري  , والثاني العمل الاستخباري السري بغطاء دبلوماسي كما في عمل مسؤول المحطة , والنوع الثالث هو العمليات وهذا الاخير يتم ابعاده عن البعثات الدبلوماسية والسفارات منعا عن الاحراج السياسي لان طبيعة العمليات لاتحتمل الغطاء الدبلوماسي (كالاغتيالات او شبكات التجسس ) , وتعمل العمليات تحت واجهات بعيدة عن السفارة تماما .

الخارجية والاستخبارات

ان الخارجية عضو اساس في خدمة المجتمع الاستخباري من خلال مختلف الخدمات الدبلوماسية كالجواز الدبلوماسي والصفة الدبلوماسية والعجلة التي تحمل الرقم الدبلوماسي والبريد الدبلوماسي , فكلها تسهيلات تقدم لصالح الجهد الاستخباري.

ان العمل خارج البلد , كمفهوم عام , يكون من واجب وزارة الخارجية , ولكنه يهدف اساساً الى تحصيل المعلومات والمصلحة وإعمال سياسات وبناء علاقات ودفع الخطر وتحصيل كل ماهو مفيد ومعرفة اهداف دول الجوار وسياساتها ونقاط قوتها وضعفها وتبادل للخبرات والطاقات والتصدير والاستيراد ومراقبة الاعلام والنقدوالمال والتجارة وغيرها من الاهداف التي تعتبر خدمة خارجية بالمستوى الرسمي الحكومي .

لذا على الدولة بناء الطاقم المناسب لهذه الخدمة , فلايكفي ان يكون الدبلوماسي من ابويين عراقيين مثلا , وانما يجب ان يكون متدرباً في مجال الامن والاستخبارات بالاضافة الى المامه بالعمل الدبلوماسي .

فتضيف الدول الكثير من الدروس في معاهدها الدبلوماسية لتسليح كل المشمولين بالخدمة الخارجية وزيادة وعيهم الامني والاستخباري , ثم ياتي دور التخصيص في العمل الاستخباري من خلال التنسيق العالي بين الاستخبارات الخارجية والدبلوماسية , وفي ذات الوقت يدرس كل من سيتولون النشاط الاستخباري الخارجي دروسا  في المعهد الدبلوماسي تؤهلهم للغطاء الدبلوماسي الرسمي وبروتوكولاته .

كما تعمد الاجهزة الاستخبارية وضباط مراكز التحليل الاستخباري وخبراء الامن بلقاء الكادر الدبلوماسي عند عودته للبلد , ويوضع العنصر الدبلوماسي في اجواء التركيز والاولويات والمتطلبات في ساحة عمله وتجنيبه المخاطر والتهديدات التي قد تعترض عمله.

وكل ذلك يؤدي لبناء دبلوماسية قادرة على فهم التهديد والخطر وامكانية العمل في بيئة صديقة اومنافسة اوبيئة مخاصمة , وبناء القدرة على توجس المخاطر وارسال الاخبار المهمة دوما الى الدولة والمؤسسات الامنية والاستخبارية والعسكرية.

الملحقيات

ان الانتشار الدبلوماسي ينظم على اساس مخرجات الامن الوطني لرسم خارطة الامن الخارجي للبلد , لذا لا تعتمد الاستخبارات على جهاز واحد للخدمة الخارجية لانها يجب ان تحترم الاختصاص في جمع المعلومات فتفرز الواجبات بحسب الملحقيات والبعثات وتربط كل منها بالرابط المناسب لها .

فهنالك اختصاصات للملحق العسكري تشمل الكثير من الاعمال الخاصة بالصفقات التسليحية واعمال الاستخبارات العسكرية , كما يضاف احياناً ضابط شرطة ضمن عناصر الملحقية ويرتبط  بالاستخبارات الجنائية او الاستخبارات الداخلية لبلاده , وهو مايحصل في الدول التي تكون منتجة للمخدرات زراعة , او الدول التي تُعدُّ ممراً المخدرات , وكذا الدول التي تتم فيها عمليات تهريب النفط او الاثار المسروقة من بلاده.

وفيما يختص الملحق التجاري بمتابعة  النشاط الاقتصادي للبلد الهدف , ويكون على اطلاع بكل نقاط القوة والضعف اقتصادياً , ويقدم المشورة الصحيحة اللازمة للجهات القطاعية , وان يعرف الاضرار الاقتصادية في البلد الهدف ويرسل كل ما تطلبه منه الاستخبارات الاقتصادية عن ذلك البلد ويجب ان يكون مسؤولاً عن حماية بلده من المنتوج والبضائع الضارة , كما يعتبر عنصراً فعالاً في اية مفاوضات تجارية بين بلده والبلد الهدف , ويستشار من قبل حكومته بالنسبة لاسعار السلع المطلوب استيرادها منعاً للرشى والتهريب او تبييض الاموال.

وفي بعض البلدان يرسل ملحق صحي وملحق زراعي وملحق اعلامي بحسب الحاجة وتوضع لكل شخص اهداف دبلوماسية واخرى استخبارية .

ولا تقتصر الخدمة الخارجية على المصادر السريه بل تتوسع الى جهد علني من خلال متابعة القنوات والاذاعات وصحف ذاك البلد وحتى بالجهد الفني المحدود للتنصت والتعقب, وهذا هو دور الخدمة الخارجية في جهاز الاستخبارات بان تكون قادرة على استثمار كل تواجد حكومي وشعبي خارج البلد وتنسيق هذا الجهد , مع توعية مستمرة للعاملين في السلك الدبلوماسي بزيارات ميدانية لخبراء ومحللين لزيادة المعرفة ولتوجيه وتطوير النشاط.

الملحق العسكري ومدير المحطة

الملحق العسكري , هو ضابط مرشح من قبل الاستخبارات العسكرية , وتتراوح رتبته من رتبة الرائد الى العميد , ولا يشترط صنفه ,فقد يكون ضابط جوي او بحري او بري ,لكن يشترط ان يكون ضابطاً ومعه مساعد ملحق واعضاء الملحقية وتستهدف الاستخبارات العسكرية في خدمتها الخارجية الزاماً مايلي :

1- دول الجوار .

2- دول المنطقة ( دول العدو المحتمل ) .

3- دول اخرى ( دول صديقة).

فالالزام الاول للجهد الخارجي للاستخبارات العسكرية هي دول الجوار الجغرافي وفي حالة العراق تكون ( ايران , تركيا , سوريا , الاردن , السعودية , الكويت), ويعتبر الجهد الخارجي على دول الجوار الزامياً للاستخبارات العسكرية متمثلة بملحقياتها العسكرية .

ومن اجل حفظ التخصص لا تتدخل باقي انواع الخدمة الخارجية في معرفة قدرات الدولة المستهدفة عسكرياً , بل تذهب كل المعلومات العسكرية للدولة الهدف الى الملحقية العسكرية حسب الاختصاص.

فيكون جمع المعلومات العسكرية والقدرات الدفاعية والهجومية وبرامج التدريب والكليات والجامعات العسكرية والتسليح والتجهيز والصناعات العسكرية والمعلومات عن كبار القادة الامنيين والعسكريين للبلد المستهدف ويرتبط الملحق العسكري رسمياً بالاستخبارات العسكرية .

ومدير المحطة في السفارة غالبا ما ياخذ صفة مستشار او قنصل او سكرتير او حتى موظف , ويكون هو ممثل جهاز الخدمة الخارجية الاستخبارية ومديرا للمحطة داخل السفاره , وغالبا ما تكون له واجبات تقتصر على ادارة مصادر سرية وتنظيم شبكات تجسس ضمن اولويات اهدافه المحددة  مستفيدا من كل مميزات الدبلوماسية لصالح عمله وتقدم له البعثة او السفاره كل انواع الحماية والغطاء اللازمين , وغالبا ما يتجنب اللقاء او التعريف الرسمي بالاجهزه الاستخبارية للبلد الهدف حتى تحفظ سريته.

كما ان من بين واجباته جمع ورصد المعلومات عن نشاط العدو في مجال  تجنيده لعناصر الجالية ,فهي اكثر استهدافا لانها خارج البلد , فكما هو معروف , فان اغلب عمليات التجنيد تتم اثناء مرحلة الدراسات للمبتعثين , لذا توضع على عاتقه عملية التحري حول النشاط المعادي ضمن الجالية , بالاضافة الى اعمال الامن الوقائي السري للبعثات والسفارات ومكاتب مؤسسات الدولة في الخارج خوفا من حالات الخرق والتجنيد والزرع.

ويجب ان لا تتشابك اعمال الجهد السري مع جهد الملحق العسكري العلني الرسمي  الذي قد ينفِّذ الذراع التبادلي مع الدولة التي يعمل بها رغم ان اهتماماته يجب ان تنصب على القوات المسلحه لتلك الدولة.

اما تبادل المعلومات الاستخبارية بين البلدين فتتم من خلال الملحق العسكري , واذا تطلب الموقف ياتي ضابط من البلد لغرض عقد لجان ثنائية وتعاون فيما يبقى مدير المحطة بعيدا عن الكشف .

الجاليات

ان اساس الخدمة الخارجية للاستخبارات يتم على اربعة اتجاهات هي :

1- الجهد الحكومي والدبلوماسي : وهو الجهد الدبلوماسي من خلال السفارة ومن خلال فروع الشركات والخطوط الجوية .

2- الجهد السري : ويشمل عمل مدير المحطة السري وشبكاته ومصادره.

3- الجهد الشعبي : ويشمل الجاليات .

4- الجهد العقائدي : ويشمل العمل والتنسيق مع الفئات التي لها مشتركات حزبية وعقائدية دينية وقومية .

وقد تكلمنا على الجهدين الاولين (الدبلوماسي – الحكومي والسري ) , الا ان كفاءة الخدمة الخارجية الاستخبارية تتمثل في استثمار كل الجهود الدبلوماسية والشعبية والحكومية المتوفره في البلد الهدف , فلايقتصر عمل الخدمة الخارجية والجهد الاستخباري على السفارات وملحقياتها او على فروع الشركات الحكومية في الخارج كمكاتب الخطوط الجوية والمصارف حيث تقوم الاستخبارات المحترفة بالاستفاده منها بشكل علمي وصحيح.

فهنالك  دور هام يتمثل بالمواطن المغترب , فهو مشروع مهم تعتمده الاستخبارات بالاتصال بمواطنيها حسب سكناهم والاستفادة منهم من خلال نوع اعمالهم ومحل سكناهم .

فللجالية او المغتربين فائدة  كبيرة اذا ما استثمرت بشكل صحيح , فالمخابرات الصينية على سبيل المثال , تستثمر الجالية الصينية الكبيرة الموجودة في امريكا لصالحها , ولعل اكثر دول العالم استفادة من جالياتها هي اسرائيل , وهو امر غفلت عنه مؤسساتنا الاستخبارية فيما يخص الجالية العراقية المنتشرة في اغلب دول العالم.

ولاتغفل الدول لاهمية جالياتها باعتبارهم عيون لها , وفي بعض الاحيان تشكل لوبيات من الجالية او المغتربين وتقوم الاستخبارات بصرف الاموال لبناء تلك اللوبيات داخل الدولة المستهدفة.

كما  تذهب الاستخبارات لإستثمار الفئات الاقرب قومياً او دينياً او مذهبياً , فمثلاً كل من يعتنق الديانة اليهودية هو هدف للتعاون الخارجي مع الموساد

العمل الخارجي في العراق

اما ما يحدث في المؤسسة الدبلوماسية العراقيه فهو عملية فصل كاملة للمؤسسة الدبلوماسية عن الجهد الاستخباري بحجة انها تخالف الاعراف الحضارية , فيما اثبتت وثائق سنودن (ويكيليكس) ان الامر معمول به في اعرق الدول الديموقراطية والمؤسسية , فقد كشفت وثائق سنودن ان الدبلوماسية الحديثة هي احد اوجه التجسس عالميا .

وللاسف لا توجد دبلوماسية بلا تجسس الا في العراق , فالسفير لدينا غير معني , والقائم بالاعمال لا يبالي , والملحق التجاري لا يحاسب , والملحق العسكري لا يبعث معلومات , والملحق الثقافي غير مثقف, حتى امست الدبلوماسية في العراق عباره عن مؤسسة تشغيل ووظائف لترفيه عوائل المسؤولين.

بل ان اجهزتنا الاستخبارية في السنوات الاخيره تقف موقف المتفرج على ماتقوم به الدول الاخرى وسفاراتها في العراق من خلال استثمار تلك الدول لمايسمى بالدبلوماسية الشعبية , حيث تقوم الدول بايجاد علاقات مباشره مع فئات من شعبنا  وهذا ما يحصل بشدة في العراق حاليا .

كما برزت في العراق الدبلوماسية العنيفة في ظل الضعف الحكومي لدينا ,ونعني بها  الصراع من خلال الاذرع والامتدادات او الحروب بالوكالة على ارض العراق .

اي ان استخباراتنا لم تجد لها منفذا للعمل الدبلوماسي الخارجي , ولم تستطع ان تقف بوجه الجهود الاستخبارية الدبلوماسية الاجنبية على ارضنا وهو مؤشر خطير للانحدار.

خلاصة

ان الدبلوماسية وبعثاتها هي الاوكسجين الذي تتنفس به الاستخبارات الخارجية , ومن خلال الدبلوماسية تعمل الاجهزة الاستخبارية في البلد المستهدف وتعمل على جمع المعلومات في كافة المجالات وتعمل على بناء شبكات وسط المغتربين وعرقلة تجنيدهم .

ان العمل الاستخباري الخارجي هو عمل منظم بقواعد فنية واشتراطات ومهارات تؤهل القائمين باداء واجباتهم بالخدمة الخارجية , لذا يرسل اليها ذوو الخبرة والمهارة العالية , فهي ليست نزهة وانما هو عمل في بيئة معادية تدرك تماما مانقوم به لانها هي ايضاً تقوم بذات العمل في بلدنا , والله الموفق

*حقوق النشر محفوظة الى المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى