المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : هند السويدي، باحثة في الأمن الدولي
في تصعيد لعله الأخطر من نوعه عقب إغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية على خامينئ يبرز على السطح مشهدين يزيدا من تعقيد الأمور والإنخراط فيما يمكن تسميته ” الحفر في الرمال أسفل قدم ترامب ” والوصول إلى مرحلة يصعب العودة منها. قامت القوات الجوية الإسرائيلية بقصف حقل بارس في إيران يوم الثامن عشر من مارس 2026 وهذا الأمر لا يتعلق بإيران بمفردها فمن المتعارف عليه أن هذا الحقل بالشراكة مع دولة قطر فيما يعرف بحقل الشمال والذي يعد تصعيداً خطيراً على إستهداف منشآت الطاقة هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تأثر أحد حلفاء الولايات المتحدة والحاضة لأكبر قاعدة عسكرية لها في الشرق الأوسط دولة قطر الأمر الذي يشي بإتخاذ الأحداث منحى لعله الأخطر.
على الرغم من القاعدة التي تقول بأن ” الحرب لا تترك للقادة العسكريين ” إلا أن اليوم وفي تحرك غير مسبوق نجد وزير الدفاع الإسرائيلي كاتس يصرح بشكل رسمي ويعطي تعليمات مباشرة بـــ ” القضاء فوراً على كبار القادة الإيرانيين دون الحاجة إلى موافقة سياسية مُسبقة ” . فقرار القيادة السياسية الإسرائيلية بمنح الحرية الواسعة والتامة للقيادة العسكرية في استهداف القيادة الإيرانية يُشكل تحولاً نوعية في طبيعة المعركة الواقعة ، فهو ينقل المواجهة من منطق الردع التقليدي إلى منطق ” قطع الرأس ” بشكل عملياً أكثر وإستهداف مراكز صنع القرار .
هذا التحول الذي نراه لا يقتصر على البعد العسكري فقط ، بل يفتح الباب أمام تداعيات استراتيجية وأمنية عميقة على مستوى الإقليم بصورة تامة . يأتي في مقدمة هذه التداعيات التصعيد غير المسبوق في الصراع ، فاستهداف الشخصيات الرفيعة مثل على لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي ، وقائد قوات الباسيج ، وقادة الأجهزة الأمنية ويرفع سقف المواجهة إلى مستوى ما يمكن تسميته بــ ” حرب النخب ” ، وهو ما يدفع إيران إلى الرد بالمثل أو بتوسيع نطاق العمليات وعدم تكرار الهجمات ، الأمر الذي يعني أن دوامة التصعيد مرشحة للإستمرار والتفاقم.
من بين تلك التداعيات أيضاً ، إضعاف البنية القيادية للنظام الإيراني وبطبيعة الحال سيكون ذلك على المدى القصير وفق ما نشاهده ، فقد أدت العمليات الاغتيالية إلى فقدان العديد من الشخصيات المحورية في النظام الإيراني ، وهذه القيادات مما لا شط فيه كانت تمتلك خبرة طويلة وشبكة من العلاقات المُعقدة داخل مؤسسات الدولة المختلفة وهذا الأمر يخلق حالة من الارباك ويدخل عناصر جديدة قد تكون أقل خبرة إلى مواقع أكثر حساسية ، غير أن هذا التأثير قد يكون مؤقتاً نظراً لطبيعة النظام افيراني الذي يعتمد على المؤسسات المتجذرة والتي قد تكون قادرة على إمتصاص هذه الصدمات .
من بين تلك التداعيات الخطيرة تحول مراكز القرار داخل إيران حيث قد يتم نقل السلطة الفعلية داخل الدولة من القيادة السياسية إلى المؤسسات العسكرية وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني . وهذا التحول يعني في جملة وتفصيلاً تعزيز الطابع العسكري للصراع وينذر بتقليل فرص الحلول الدبلوماسية والسياسية ، هنا نجد أن القرارات ستكون أكثر إرتباطاً بالحسابات الميدانية وليست الحسابات الدبلوماسية والسياسية.
القرار الإسرائيلي ينعكس بشكل مباشر على طبيعة الحرب نفسها ، فالحرب بهذا الشكل تتحول إلى حرب مفتوحة دون ضوابط سياسية واضحة . فذلك التفويض الواسع للجيش والأجهزة الاستخباراتية يزيد من إحتمالية الأخطاء الاستراتيجية ، على شاكلة إستهداف المدنيين أو المنشآت الحساسة ، وهذا الأمر في طبيعته قد يؤدي على توسيع دائرة الصراع إقليمياً ودخول أطراف جديدة على خط المواجهة الحالية .
هذا النهج من قبل القيادة السياسة الإسرائيلية -وفق منظورها- يساهم في تعزيز عقيدة الردع الهجومي لدى إسرائيل التي تسعى نحو منع الجمهورية الإسلامية الإيرانية من استعادة قدراتها أو تهديدها مستقبلاً عبر ضرب مراكز القوة بشكل مباشر ، إلا أن هذا التوجه قد تكون نتائجه عكسية ، فمن ناحية قد يدفع إيران إلى تسريع برامجها العسكرية ، ومن ناحية أخرى تعزيز تحالفاتها العسكرية أو إستدعاء قواعد روسية أو صينية إلى إيران وفق الإشتراطات التي وضعها خامنئي قبل مقتله .
غير مستبعد أن يكون من التداعيات المهمة لهذا القرار التزايد في إحتمالية الانفجار الإقليمي. فاستهداف القيادات ايران بالفعل يدفع أذرع إيران في المنطقة إلى القيام بالمزيد من العمليات المسلحة وهذا ما نراه من إستهداف لحزب الله العراقي للسفارة الأمريكية في بغداد والهجوم على مختلف التواجد العسكري الأمريكي في العراق وهو ما يؤدي إلى توسيع جبهات القتال في لبنان والعراق وعين أخرى على الصمت الحوثي الأمر الذي قد يتحول في النهاية إلى حرب إقليمية.
من ناحية أخرى وعلى الصعيد السياسي فإن هذا القرار يضع المجتمع الدولي واقعياً أمام تحدٍ كبير ، إذ يضعف فرص الوساطة ويعقد مسارات التفاوض ولا سيما في ظل غياب قنوات الاتصال المستقرة بين الطرفين وتصاعد ما يمكن تسميته منطق القوة والسلاح على حساب الحلول السياسية والدبلوماسية.
إن قصف حقل بارس ومنح القيادة العسكرية الإسرائيلية حرية إستهداف القيادات الإيرانية يمثلا سيفاً ذو حدين من خلال تحقيق المكاسب التكتيكية السريعةعبر إرباك الخصم ، إلا أن هذا الأنر يفتح الباب أمام مخاطر استراتيجية طويلة المدى ، قد تتجاوز حدود السيطرة وتدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=116351
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
