المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم: الباحثة شهلاء الهاشمي ، عضوة منتدى خبراء الأمن منتدى خبراء الأمن ـ ECCI
الحشد الرقمي “للفصائل المسلحة” في العراق: إنذار مبكر بموجة تصعيد محتمل
تشير المعطيات التي جرى رصدها خلال الأسابيع الأخيرة إلى تصاعد خطير في النشاط الرقمي المرتبط بتاريخ 30 سبتمبر 2026، وهو الموعد النهائي لتسليم الفصائل المسلحة أسلحتها، حيث تشهد منصات التواصل انتشارًا واسعًا لرسائل تحريضية تستهدف مؤسسات الدولة العراقية، وتتضمن إساءات مباشرة إلى رئيس مجلس الوزراء، إلى جانب دعوات صريحة للنزول إلى الشارع وإثارة الفوضى، في محاولة لخلق بيئة ضاغطة تعرقل تنفيذ الاستحقاقات الأمنية. تشير المؤشرات إلى وجود تحركات من قبل بعض التشكيلات المنضوية ضمن الحشد الشعبي لدعم الفصائل الرافضة لتسليم السلاح، بما يعكس محاولات لتشكيل جبهة معارضة لإجراءات الدولة، الأمر الذي يرفع من احتمالات التصعيد الأمني والسياسي ويستدعي أعلى درجات الجاهزية والرصد الاستباقي لمواجهة أي محاولات تستهدف تقويض هيبة الدولة أو تعطيل مسار فرض سيادة القانون.
وتعد حركة النجباء من بين أبرز الفصائل التي تظهر موقفًا رافضًا لعملية تسليم السلاح، ويتزعمها أكرم الكعبي، الذي سبق أن أدرجته وزارة الخارجية الأمريكية على قائمة الإرهابيين الدوليين بموجب الأمر التنفيذي رقم (13224)، وفرضت عليه عقوبات في إطار برامج مكافحة الإرهاب. وينظر إلى استمرار الخطاب الرافض الصادر عن الحركة بوصفه أحد أبرز مؤشرات احتمالية تصاعد التوتر خلال المرحلة المقبلة، ولا سيما إذا ترافق مع تحركات ميدانية أو حملات تعبئة وتحريض عبر الفضاء الإلكتروني. أمن العراق ـ جهود تعزيز سلطة الدولة والحد من نفوذ الجماعات المسلحة
هيئة الحشد الشعبي
هي مؤسسة أمنية وعسكرية عراقية أُنشئت استجابةً لفتوى “الجهاد الكفائي” التي أصدرها المرجع الديني السيستاني في يونيو 2014، عقب سيطرة تنظيم “داعش” على مساحات واسعة من العراق. وتضم الهيئة عشرات الفصائل المسلحة ذات الخلفيات الأيديولوجية والتنظيمية المتنوعة، وقد أُقرت رسميًا بموجب قانون أصدره البرلمان العراقي عام 2016، لتصبح جزءًا من المنظومة الأمنية العراقية وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة. وتضطلع الهيئة بمهام دعم الأمن الوطني ومكافحة الإرهاب، إلا أن بعض الفصائل المنضوية ضمنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع إيران، كما تُصنف بعض الدول هذه الفصائل على قوائم الإرهاب أو العقوبات لدى الولايات المتحدة ودول أخرى، في حين لا يشمل هذا التصنيف الهيئة بأكملها.
حركة النجباء في العراق: حركة النجباء هي فصيل مسلح عراقي تأسس عام 2013، ويُعد من أبرز الفصائل المنضوية ضمن منظومة الحشد الشعبي. شاركت في القتال ضد تنظيم داعش داخل العراق، كما شاركت في النزاع السوري إلى جانب قوات حليفة للحكومة السورية. يُنظر إليها كأحد الفصائل القريبة من إيران، بينما تواجه انتقادات مرتبطة بمدى استقلالية قرارها العسكري عن مؤسسات الدولة العراقية.
عصائب أهل الحق : تأسست في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بعد انشقاق قيس الخزعلي عن جيش المهدي التابع للتيار الصدري. بدأت كجماعة مسلحة نفذت عمليات ضد القوات الأمريكية في العراق، ثم أصبحت لاحقًا جزءًا من الفصائل التي شاركت في قتال تنظيم داعش ضمن إطار الحشد الشعبي بعد عام 2014. لها أيضًا جناح سياسي هو كتلة صادقون التي شاركت في الانتخابات العراقية، وأصبحت من القوى المؤثرة داخل المشهد السياسي الشيعي العراقي.تحولات الصراع في العراق: من الحرب التقليدية إلى بيئة الحرب الرمادية
كتائب حزب الله العراقية :ويُشار إليها غالبًا باسم حزب الله العراقي) هي فصيل مسلح عراقي شيعي تأسس عام 2007، ويُعد من أبرز الفصائل المسلحة المرتبطة بما يُعرف بـ”المقاومة الإسلامية في العراق”. يقودها أبو مهدي المهندس سابقًا حتى مقتله عام 2020، ويُعتبر أبو فدك المحمداوي من أبرز الشخصيات المرتبطة بقيادتها بعد ذلك.
الجهة المعنية بحماية المرشد الإيراني علي خامنئي : تتولى حماية المرشد الإيراني علي خامنئي بشكل أساسي وحدات أمنية تابعة لـ الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى أجهزة أمنية ورسمية أخرى. وتُعتبر وحدة وليّ الأمر (سپاه حفاظت ولیامر) التابعة للحرس الثوري الجهة المتخصصة بحماية المرشد ومقراته وتنقلاته، وتعمل بالتنسيق مع أجهزة أمنية أخرى لضمان الحماية الشخصية والأمنية. تُعتبر هذه الوحدة من أكثر الوحدات حساسية داخل منظومة الأمن الإيرانية، نظرًا لمكانة المرشد باعتباره أعلى سلطة سياسية وعسكرية في الجمهورية الإسلامية.
مؤشرات النشاط الرقمي
ـ التركيز المكثف على تاريخ 30 أيلول باعتباره موعدًا مفصليًا.
ـ تداول رسائل تتضمن عبارات تهديد أو تصعيد ضد الحكومة.
ـ استخدام خطاب يهاجم مؤسسات الدولة ورئيس مجلس الوزراء بصورة مباشرة.
ـ نشر صور ومقاطع تحمل طابعًا عسكريًا أو تخويفيًا، بعضها مصنف من المنصة نفسها كمحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي.
ـ إعادة نشر الرسائل ذاتها عبر حسابات متعددة خلال فترات زمنية قصيرة.
ومن بين أخطر المؤشرات تداول صور لطائرات مسيرة صحوبة برسائل تتحدث عن نوايا مزعومة لاستهداف المنطقة الخضراء في بغداد، بما يوحي بمحاولة توظيف هذا النوع من المحتوى في ترسيخ سردية التصعيد.
لماذا يمثل هذا النشاط تهديدًا للاستقرار؟
تكمن خطورة النشاط المرصود في أنه يستهدف ثلاث ركائز أساسية للاستقرار السياسي:
ـ الثقة بالمؤسسات: إن تكرار الرسائل التي تصور الدولة بوصفها عاجزة أو فاقدة للسيطرة يمكن أن يؤدي تدريجيًا إلى تآكل الثقة بالمؤسسات الرسمية، حتى من دون وجود أحداث ميدانية واسعة.
ـ شرعية القيادة التنفيذية: استهداف رئيس مجلس الوزراء بخطاب تحريضي أو مسيء لا يندرج فقط ضمن إطار السجال السياسي، بل قد يتحول إلى أداة لتأليب الرأي العام وإضعاف قدرة الحكومة على إدارة الأزمات، خصوصًا إذا ترافق مع حملات تضليل أو معلومات غير مؤكدة.
ـ السلم المجتمعي: الرسائل التخويفية والمحتوى الذي يوحي بوجود مواجهة وشيكة يمكن أن يرفع مستويات القلق بين المواطنين، ويزيد من احتمالات ردود الفعل المتشنجة أو انتشار الشائعات في حال وقوع أي حادث أمني محدود.
البعد النفسي والإعلامي
يبدو أن جزءًا من المحتوى المتداول صمم لتحقيق أثر نفسي أكثر من تقديم معلومات فعلية. فالصور ذات الطابع العسكري، والعبارات التي تتحدث عن أسلحة أو مواجهة، واستخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المشاهد، كلها أدوات تهدف إلى خلق شعور بالخطر الوشيك. ومن المعروف في دراسات الحرب المعلوماتية أن الإدراك قد يسبق الحدث؛ أي أن اقتناع الجمهور بأن أزمة كبرى تقترب قد يؤدي بحد ذاته إلى تغييرات في السلوك العام، مثل زيادة التوتر، أو تداول الشائعات، أو فقدان الثقة بالمصادر الرسمية.
البعد التنظيمي للشبكات الرقمية
تشير أنماط النشر والتفاعل إلى أن جزءًا من هذا النشاط لا يبدو عفويًا، بل يتسم بدرجة من التنسيق الرقمي، تتجلى في تكرار الرسائل ذاتها، واستخدام وسوم موحدة، وإعادة نشر المحتوى خلال فترات زمنية متقاربة، بما يعزز وصوله إلى شرائح واسعة من المستخدمين. كما يُلاحظ توظيف الحسابات الداعمة لإعادة إنتاج السرديات نفسها بصيغ مختلفة بهدف زيادة التأثير النفسي والإعلامي وإعطاء انطباع بوجود تأييد جماهيري واسع، حتى في حال كان الحجم الحقيقي للتفاعل محدودًا.
وتُعتبر هذه الأساليب من أبرز أدوات الحملات المعلوماتية الحديثة، إذ تهدف إلى التأثير في الإدراك العام وصناعة الزخم الرقمي أكثر من نقل معلومات دقيقة، الأمر الذي يستوجب تعزيز قدرات الرصد الفني وتحليل الشبكات الرقمية للكشف المبكر عن أنماط التنسيق والحسابات المؤثرة، بما يسهم في الحد من انتشار الخطاب التحريضي وتقليل تأثيره على الاستقرار السياسي والأمني.
السيناريوهات المحتملة
ـ احتواء النشاط (الأكثر ترجيحًا)؛ يبقى النشاط في الإطار الرقمي، مع استمرار تداول الرسائل والمنشورات دون أن يترجم إلى اضطرابات واسعة، في ظل استجابة مؤسسية سريعة وتفنيد فعال للمعلومات غير الموثقة.
ـ تصاعد التأثير الإعلامي؛ تزداد وتيرة انتشار المحتوى التحريضي، ويؤدي ذلك إلى ارتفاع مستوى الاستقطاب السياسي، وانتشار الشائعات، وزيادة الضغوط على المؤسسات الرسمية، حتى وإن بقيت التحركات الميدانية محدودة.
ـ تزامن النشاط الرقمي مع أحداث ميدانية؛ في حال تزامن النشاط المعلوماتي مع احتجاجات أو أحداث أمنية فعلية، فقد يؤدي ذلك إلى تضخيم أثرها إعلاميًا، وتسريع انتشار معلومات غير دقيقة، بما يزيد من تعقيد إدارة الأزمة. محاربة التطرف عبر الإنترنيت في العراق ـ الواقع والتحديات
التوصيات الاستراتيجية
ـ المستوى الأمني
- إنشاء غرفة متابعة مشتركة بين الجهات المختصة لرصد الوسوم والحسابات المؤثرة.
- تطوير أدوات كشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي والتحقق من أصالته.
- توثيق الحسابات ذات النشاط غير الاعتيادي وتحليل أنماط النشر والتفاعل.
ـ المستوى الإعلامي
- اعتماد سياسة استجابة سريعة للشائعات خلال الساعات الأولى من انتشارها.
- نشر معلومات دقيقة وشفافة بصورة استباقية.
- تجنب الفراغ المعلوماتي الذي يسمح بانتشار السرديات البديلة.
ـ المستوى السياسي
- خفض حدة الخطاب السياسي المتبادل.
- تعزيز التواصل المباشر مع الجمهور.
- إظهار قدرة الدولة على إدارة الملف بثقة وهدوء دون تهويل أو إنكار.
ـ إن ما يجري رصده في الفضاء الرقمي العراقي قبيل 30 سبتمبر 2026 لا يمكن اختزاله في كونه نشاطًا إلكترونيًا عابرًا. فطبيعة الرسائل، وتركيزها على موعد محدد، واستهدافها مؤسسات الدولة ورئيس مجلس الوزراء، واستخدامها أدوات دعائية حديثة، كلها عوامل تجعل من هذا الملف تحديًا حقيقيًا للأمن المعلوماتي والاستقرار السياسي.
ـ لا يعني ذلك أن العراق يتجه حتمًا نحو اضطراب واسع، لكن تجاهل هذه المؤشرات أو التقليل من شأنها سيكون خطأً استراتيجيًا. فالحملات الرقمية، حتى عندما تبدأ من الفضاء الافتراضي، قد تتحول إلى عامل مؤثر في البيئة السياسية والأمنية إذا تُركت دون رصد وتحليل واستجابة فعالة.
المطلوب في المرحلة الحالية ليس فقط مراقبة المحتوى، بل بناء قدرة مؤسسية على فهم ديناميكيات التأثير المعلوماتي والتعامل معها بوصفها جزءًا من منظومة الأمن الوطني، لأن المعركة على الاستقرار لم تعد تُخاض في الشارع وحده، بل بدأت قبل ذلك بكثير على شاشات الهواتف ومنصات التواصل الإجتماعي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=121722
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
1. The Russian “Firehose of Falsehood Propaganda Model
2. Iraq’s Al-Nujaba rejects disarmament calls as ‘red line’
3. Iraqi Factions Pledge Allegiance to Khamenei, Reject Disarmament
4. Iraq’s impossible predicament: why the country is trapped between Iran and the US
5. Iraqi factions’ cosmetic disarmament masks deep institutional limbo
6. Beyond Spam Bots: The Rise of AI-Powered Disinformation Machines and the Imperative for Strategic Response
7. Powerful militia leader in Iraq rejects US call to disband after $10m bounty

