بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
أمن الممرات البحرية في الحروب المعاضرة، القانون الدولي والتجارب الدولية
تشهد الممرات البحرية تصاعدًا ملحوظًا في مستويات التوتر نتيجة تزايد حدة الصراعات الدولية والإقليمية، انعكست تلك الصراعات بشكل مباشر على أمن الملاحة وحركة التجارة العالمية. برزت هذه الظاهرة بوضوح خلال حرب أوكرانيا، وحرب في غزة التي امتدت تداعياتها إلى البحر الأحمر، فضلًا عن حرب إيران. يكشف هذا الواقع عن تحول نوعي في طبيعة الصراعات المعاصرة، إذ لم تعد تقتصر على المواجهات البرية أو الجوية، بل أصبحت الممرات البحرية مسرحًا رئيسيًا للصراع والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية. ويؤكد ذلك أن أمن الممرات البحرية لم يعد مسألة فنية أو لوجستية فحسب، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن الدولي والاستقرار الاقتصادي العالمي.
الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية في النظام الدولي
تسببت العديد من الصراعات في تعطيل أهم الممرات المائية التجارية في العالم، مما أثر على سلاسل التوريد عبر مختلف الصناعات والاقتصادات. تؤثر الاضطرابات في طرق التجارة البحرية الرئيسية بشكل كبير على الاقتصاد العالمي نظرا لأن (90%) من السلع المتداولة لا تزال تُشحن عن طريق البحر. تشمل هذه الاضطرابات، على سبيل المثال لا الحصر، عمليات الإغلاق بسبب جائحة “كوفيد-19″، وتعطل سفينة إيفر جيفن في قناة السويس، والجفاف المستمر في قناة بنما، وحصار روسيا لموانئ أوكرانيا على البحر الأسود، وإغلاق إيران لمضيق هرمز، والهجمات المستمرة على السفن في البحر الأحمر، وأخيرًا حرب إيران. فيما يلي أهم الممرات المائية للتجارة العالمية:

ـ القناة الإنجليزية: يُعد بحر المانش أكثر الممرات الملاحية ازدحامًا في العالم، حيث تعبره أكثر من (500) سفينة يوميًا للوصول من بحر الشمال إلى المحيط الأطلسي، ومن المملكة المتحدة إلى أوروبا القارية، وبالعكس. يمر سنويًا أكثر من (16) مليون شخص و(5) ملايين شاحنة عبر موانئ القناة البالغ عددها حوالي (170) ميناء.
ـ مضيق ملقا: يقع مضيق ملقا بين جزيرة سومطرة في إندونيسيا وشبه جزيرة الملايو، ويربط بين المحيط الهندي والمحيط الهادئ. ويربط العديد من الاقتصادات الكبرى في آسيا، بما في ذلك اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية والهند. يمر حوالي (94) ألف سفينة عبر المضيق سنويا أو تستخدم أكثر من (40) ميناء فيه. وتحمل هذه السفن مجتمعة حوالي (30%) من إجمالي البضائع المتداولة عالميًا.
ـ قناة السويس: تربط قناة السويس في مصر البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر، وتشكل خطًا فاصلًا بين أفريقيا وآسيا. وهي أقصر طريق بحري من أوروبا إلى آسيا، مما يسمح للسفن بتجنب الرحلة الطويلة حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ولطالما لعبت قناة السويس دورًا استراتيجيًا في التجارة والجيوسياسة.
ـ قناة بنما: تربط قناة بنما المحيط الأطلسي بالمحيط الهادئ، وقد كانت ممرًا مائيًا هامًا للتجارة العالمية منذ اكتمالها، إلا أن الجفاف الممتد أثر بشكل كبير على قناة بنما، وقد أدى ذلك بدوره إلى انخفاض عدد السفن التي تمر عبر القناة، وزيادة أوقات الانتظار من بضع ساعات إلى أسابيع.
ـ مضيق هرمز: يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان، ويربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب. وباعتباره الممر الملاحي الرئيسي للنفط من الشرق الأوسط، يمر عبر المضيق خُمس استهلاك النفط العالمي يوميا، أي ما يُقارب (21) مليون برميل. كما ينقل المضيق (20%) من الغاز الطبيعي المسال العالمي سنويًا. حرب إيران ـ الخلفيات، طبيعة الصراع، ومسارات التصعيد
انعكاسات النزاعات الحديثة على الملاحة الدولية
ـ الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على البحر الأسود: يعتبر البحر الأسود بالنسبة لروسيا، طريقًا رئيسيًا لشحن الحبوب من المناطق الجنوبية للبلاد. ففي موسم ما قبل الحرب جزئيا، بين عامي 2021 و2022، مرت (86%) من إجمالي شحنات الحبوب عبر موانئ حوض “آزوف” البحر الأسود. تُعد أوكرانيا من أكبر مصدري الحبوب في العالم، وتتركز مشترياتها الرئيسية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب وجنوب شرق آسيا. ويُعتبر استقرار البحر الأسود أمرا بالغ الأهمية لاقتصاد البلاد. صرحت “إيكاترينا ماتوي”، الباحثة المقيمة في بوخارست، في 22 ديسمبر 2025: “إذا تزايدت التوترات في البحر الأسود، فمن المحتمل أن تتأثر سلاسل الإمداد الغذائي العالمية، وقد تفقد منطقة البحر الأسود مكانتها كمصدر آمن للحبوب والمنتجات الزراعية”. وأضافت “ماتوي”: “إن هذا سيضع منطقة البحر الأسود في وضع غير موات للغاية كمورد للحبوب، وسيضر بجميع الدول الواقعة على طول ساحلها”.
أشار تقرير في 26 نوفمبر 2025، إلى أن كلًا من أوكرانيا وروسيا تمتلكان القدرة والفرصة لضرب السفن والمنشآت المينائية في منطقة البحر الأسود. أعلنت روسيا أن جميع السفن التجارية المتجهة إلى موانئ أوكرانيا على البحر الأسود تعتبر أهدافا عسكرية مشروعة، بينما ادعت أوكرانيا الشيء نفسه بالنسبة للسفن التجارية المتجهة إلى موانئ روسيا على البحر الأسود. ورغم أن الهجمات المباشرة على السفن التجارية العاملة في البحر الأسود كانت محدودة، فقد لجأ كلا الجانبين بشكل متزايد إلى استخدام الطائرات المسيرة لاستهداف الموانئ والبنية التحتية للطاقة.
ـ حرب غزة وتوترات البحر الأحمر: بدأت جماعة الحوثيين بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف إسرائيلية عندما قصفت إسرائيل غزة ردًا على هجمات حماس في أكتوبر 2023، وربطوا هجماتهم باستمرار بحرب غزة، قائلين إنهم سيتوقفون عن الهجوم عندما تنتهي تلك الحرب. ثم تحولوا إلى ضرب سفن الشحن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر. ومنذ ذلك الحين، توسعت العمليات لتشمل تعطيل حركة الملاحة في أحد أهم الممرات المائية التجارية في العالم. وبدأت القوات البحرية الأمريكية والغربية الأخرى بمرافقة السفن التجارية، مما أدى إلى تبادل إطلاق النار مع الحوثيين في البحر، وقصف الولايات المتحدة لمواقع مرتبطة بالحوثيين في اليمن. منذ بداية الحرب في غزة، شن الحوثيون ما يقرب من (500) هجوما، فقد أصابت صواريخهم وطائراتهم المسيرة أكثر من (100) سفينة في البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب.
تمكن الحوثيون من إجبار المزيد من السفن على تجنب جنوب البحر الأحمر. بدأت شركات شحن إضافية تتعامل مع الموانئ الإسرائيلية بتجنب الرحلات عبر باب المندب، وقد خلقت أزمة البحر الأحمر تحديات للموانئ الإقليمية والممرات الملاحية الرئيسية مثل قناة السويس. تجنبت بعض شركات الشحن البحري العملاقة، مثل شركة “إيه بي مولر ميرسك الدنماركية”، خليج عدن وجنوب البحر الأحمر، مفضلة طريق رأس الرجاء الصالح. ألمانيا وروسيا هل تدفع فجوة أوروبا ـ واشنطن إلى إعادة فتح القنوات مع موسكو؟
ـ التوترات مع إيران وأمن الخليج: طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الحلفاء الأوروبيين المساعدة في تأمين مرور ناقلات النفط والغاز عبر مضيق هرمز. أشارت بعض الدول الأعضاء إلى أنها لا تريد أن يشارك حلف الناتو في حراسة المضيق، الذي أغلقته إيران أمام معظم حركة المرور رداً على حملة القصف الأمريكية الإسرائيلية . قام وزراء الاتحاد الأوروبي بتقييم كيف يمكن للصراع أن يمنح روسيا موقفا أقوى، والتي يمكنها استخدام التمويل الإضافي من صادراتها من الوقود الأحفوري لدعم حربها في أوكرانيا . صرح وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول: “أنه لا يرى دورًا لحلف الناتو في تأمين المضيق”، وأضاف وزير الخارجية الألماني: “أنه يتوقع أن يتم إبلاغ الأوروبيين من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل بأهدافهم وخططهم”.
انخفضت حركة العبور عبر مضيق هرمز إلى (الصفر) في 14 مارس 2026، حيث لم يتم تسجيل أي عمليات عبور مؤكدة بواسطة نظام التعرف الآلي في أي من الاتجاهين، مما يمثل انخفاضا بنسبة (100%). رصدت شركة “Windward Remote Sensing Intelligence” في 13 مارس 2026 ما يقرب من (400) سفينة تعمل في منطقة خليج عمان، مما يشير إلى بيئة بحرية مكتظة تحيط بالمضيق. يشير هذا التركيز إلى أن العديد من السفن تتخذ مواقعها خارج مضيق هرمز بدلًا من الانتشار عالميًا، مما قد يعكس التوقعات بإمكانية إعادة فتح الممر، كما انخفضت حركة النقل عبر قناة السويس بشكل حاد. استمر العمل بنظام تحويل مسار السفن حول رأس الرجاء الصالح في 14 مارس 2026، واستمرار الضغط على مراكز الخدمات اللوجستية المجاورة للخليج.
يوضح “أليكس ميلز”، خبير في التجارة الدولية متخصص في الخدمات المالية والقانون البحري: “إلى جانب التداعيات الاقتصادية المباشرة، فإن الحصار الفعلي الذي تفرضه إيران يسلط الضوء على تحد استراتيجي أوسع، فهو يبين كيف يمكن لدولة واحدة أن تحتجز ممرات الشحن الحيوية كرهائن وتمارس ضغطًا جيوسياسيًا بتكلفة منخفضة نسبيًا”. وتابع “ميلز” قائلًا: “لطالما أدركت إيران موقعها الجغرافي المتميز والأهمية البالغة للتجارة البحرية. وعلى مدى عقود، استغلت الحكومة الإيرانية وقطاعها الصناعي جوانب من القطاع البحري لحماية الأمن الاقتصادي والالتفاف على العقوبات”.
تداعيات تعطيل الممرات البحرية
تكشفت تعطيل الممرات البحرية عن نقاط اختناق اقتصادية هشة، بدءًا من طرق الطاقة وصولًا إلى الأسمدة والغازات الصناعية، مما يثير مخاوف الاقتصاديين من أن اضطرابات الإمداد قد تؤثر على الأسعار والتجارة العالمية لفترة طويلة. فعلى سبيل المثال، أدى تصاعد حرب في إيران إلى ارتفاع أسعار الوقود في جميع أنحاء أوروبا، وتضررت ألمانيا بذلك بشكل أكثر حدة من معظم الدول الأخرى. فقد ارتفع سعر البنزين بنسبة (5%) وهو أعلى بكثير من متوسط الاتحاد الأوروبي. شهدت فرنسا والنمسا زيادات بنحو (2%)، وإستونيا (3.6%)، ولوكسمبورغ (3.5%)، بينما سجلت سلوفاكيا والمجر زيادات بنسبة (0.1%) فقط. يقول فريدريك شنايدر، وهو زميل بارز في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية : “يُعد مضيق هرمز أهم نقطة اختناق عالمية للمواد الهيدروكربونية والأسمدة، ومركزًا رئيسيًا لإعادة الشحن بين آسيا وأوروبا”، مضيفًا أن حتى الاضطرابات المحدودة هناك يمكن أن تؤثر بسرعة على الأسعار في جميع أنحاء العالم.
بدأت تداعيات تعطيل الملاحة في مضيق هرمز تمتد إلى ما هو أبعد من الطاقة، فقد تسببت في إحداث الفوضى في سلاسل التوريد العالمية المعقدة التي تدعم التجارة العالمية مما أثر على عدد من السلع والمواد الخام التي تدعم صناعات متنوعة، من السيارات إلى الإلكترونيات إلى تصنيع أشباه الموصلات. تمتلئ الموانئ حول المحيط الهندي بالبضائع المعاد توجيهها. ارتفعت أسعار شحن البضائع من آسيا إلى أي مكان بالقرب من الشرق الأوسط بشكل كبير. كما أن مراكز الشحن في آسيا تعاني من نقص الوقود، وهناك أكثر من (100) سفينة عالقة في الخليج.
شهدت بداية العام 2026 تصعيدًا ملحوظًا في الوجود العسكري حول مضيق هرمز، حيث أطلقت إيران وروسيا والصين مناورات “حزام الأمن البحري 2026” وفي المقابل، كثفت الولايات المتحدة وجودها العسكري عبر نشر حاملات طائرات ومدمرات صواريخ موجهة وأنظمة دفاع جوي لتعزيز الردع وحماية ناقلات النفط. تواصل البحرية الأمريكية هيمنتها على نقاط الاختناق الرئيسية من خلال عمليات حرية الملاحة ودوريات الردع والتعاون مع الحلفاء الإقليميين. وتسعى الصين بدورها إلى التنافس مع الولايات المتحدة على الوصول إلى المياه من خلال نشر أصول بحرية وشبه عسكرية وبناء جزر اصطناعية لفرض سيطرتها على المياه القريبة. أثارت النزاعات الإقليمية المستمرة في بحر الصين الجنوبي مخاوف بشأن حرية الملاحة والأمن البحري. كما أن وجود قوى عسكرية من دول متعددة في هذه المنطقة يزيد من خطر المواجهات التي قد تؤثر على خطوط الشحن.
تقييم وقراءة مستقبلية
ـ ستظل الممرات البحرية خلال السنوات المقبلة محورا مركزيا للصراعات الدولية، مع تزايد توظيفها كأدوات ضغط جيوسياسي واقتصادي. فالتجارب الحديثة، من البحر الأسود إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، تؤكد أن التحكم في هذه الممرات لم يعد مجرد هدف عسكري، بل أصبح وسيلة استراتيجية للتأثير في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.
ـ بات متوقعًا أن يتعمق نمط النفوذ على الممرات البحرية ، حيث ستواصل القوى الكبرى تعزيز وجودها العسكري في نقاط الاختناق الحيوية، بالتوازي مع تصاعد دور الفاعلين غير الدوليين. كما ستزداد أهمية الأدوات غير التقليدية، مثل الطائرات المسيرة، والهجمات السيبرانية، والتشويش على أنظمة الملاحة
ـ من المرجح أن يواجه النظام الدولي، وخاصة مبادئ حرية الملاحة، تحديات متزايدة نتيجة تكرار الانتهاكات وتسييس الممرات البحرية. ورغم وجود أطر قانونية مثل قانون البحار، فإن فعاليتها ستظل محدودة في ظل غياب آليات تنفيذ حاسمة، ما قد يدفع نحو تطوير صيغ جديدة للتعاون الدولي، مثل التحالفات البحرية متعددة الأطراف أو آليات مراقبة مشتركة لحماية الملاحة.
ـ يًحتمل أن تسعى الدول إلى تعزيز “المرونة الاستراتيجية” عبر تخزين الموارد الحيوية وتقليل الاعتماد على ممرات بعينها. حيث ستؤدي الاضطرابات المستمرة إلى إعادة تشكيل خريطة التجارة العالمية، من خلال تنويع طرق النقل والاعتماد على مسارات بديلة، حتى وإن كانت أكثر تكلفة. كما سترتفع تكاليف التأمين والشحن، ما سينعكس على أسعار السلع عالميا، خاصة في قطاعات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا.
ـ يمكن القول أن أهمية التعاون الدولي ستزداد في تأمين الممرات البحرية، لكن هذا التعاون سيظل محكوما بالتنافس بين القوى الكبرى، ما قد يحد من فعاليته. كما أن استمرار النزاعات في مناطق مثل الخليج العربي وبحر الصين الجنوبي سيبقي احتمالات التصعيد قائمة، خاصة مع تزايد الاحتكاك العسكري المباشر.
ـ سيتحول أمن الممرات البحرية إلى أحد أبرز محددات الاستقرار الدولي، حيث يتطلب التعامل معه مقاربة شاملة تجمع بين الأدوات العسكرية والقانونية والاقتصادية، مع التركيز على الوقاية وبناء آليات استجابة سريعة للحد من تداعيات الأزمات المستقبلية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116408
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
How the Ukraine war is increasingly threatening Black Sea security
https://tinyurl.com/5548k9zk
By threatening the Strait of Hormuz, Iran turns geography into a global economic weapon
https://tinyurl.com/2jfw7kvh
It’s Not Just Oil: The Iran War Upends Global Supply Chains
https://tinyurl.com/4b2z48mu
Iran war: Germany firmly against military role in conflict
https://tinyurl.com/2xx9rfs2
