الحرب بالوكالة على الأرض السورية

الحرب بالوكالة على الأرض السورية

56324341da17cهل تعطل الحرب بالوكالة على الأرض السورية، منجزات مؤتمر فيينا السلمية؟

بقلم ـ ميشيل حنا الحاج

  حقق مؤتمر فينا الذي عقد في الثلاثين من شهر اوكتوبر (تشرين أول) وشاركت فيه سبعة عشر دولة كان من بينها، للمرة الأولى، ايران…

تقدما واضحا في المسيرة نحو السلم في سوريا. اذ كانت نقاط الاتفاق كثيرة، وكان أبرزها الاعتراف بوجود دور ايراني واضح وملموس في الأزمة السورية، اضافة الى الاتفاق على ثلاثة أمور هامة  وهي:

1) أن داعش وما تمثله من ارهاب، هي أهم الأخطار التي تهدد المجتمع الدولي حاليا، ومحاربتها تحظى بالاهتمام الأكبر من الدول المجتمعة في مؤتمر فينا، بل أيضا من غيرها من الدول التي لم تشارك فيه.2 ) أن الحل العسكري في سوريا غير ممكن، والبديل الوحيد الذي بات مطروحا هو الحل السلمي، والخطوة الأولى نحو تحقيقه تتمثل في تشكيل حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات، يتم الاتفاق على تشكليها بالتوافق بين الأطراف االمعنية بالصراع.3 ) أن الشعب السوري هو الذي يقرر مصيره ومستقبل رئيسه الحالي ، مما مثل تحولا عن المطلب السابق للمعارضة المسلحة وحلفاؤها بضرورة رحيله فورا، الذي عدل لاحقا، نتيجة الموقف الروسي المتشبث ببقاء الرئيس الأسد في السلطة، ليصبح وجوب رحيله ولكن ليس بالضرورة فورا، اذ بات الآن وفي نهاية الرؤية، (مما شكل المفاجأة  الأكبر بين قرارات المؤتمر)، أن يترك الأمر للشعب السوري لاتخاذ القرار المناسب في هذا الشأن عبر انتخابات رئاسية جديدة، يبدو أنه تم أيضا الاتفاق المبدئي على أن يسمح للرئيس السوري بخوضها في مواجهة مرشحين تختارهم المعارضة السورية.

الفائز ألأكبر في مؤتمر فينا

 بات من الواضح اذن أن قرارات مؤتمر فينا، قد شكلت انتصارا للجانب الروسي، الذي كان ولا يزال متشبثا ببقاء حليفه الرئيس الأسد في السلطة، حفاظا على مستقبل أجهزة الدولة، وحماية لمصالح روسيا الاستراتيجية، التي تشكل سوريا حليفه الوحيد أو الأقوى في المنطقة منذ زمن الاتحاد السوفياتي السابق، والذي ورثت روسيا الاتحادية مسؤولياته والتزاماته وتعهداته.

ولعب التدخل الروسي المباشر منذ شهرين في تلك الحرب، دورا أساسيا في التعجيل بالسعي لانهائها دون مزيد من  التباطؤ والمماطلة، تخوفا من مزيد من التطورات التي قد تؤدي الى حرب أكبر تشمل كامل منطقة الشرق الأوسط. وقد جاء التبدل في الموقف الأميركي، بعد مسعى حثيث من جانبها لتعزيز موقف المعارضة السورية التي باتت تواجه تراجعات على الأرض نتيجة مشاركة سلاح الجو الروسي في تلك المعارك.  

وتمثلت محاولتها تلك بتزويد المعارضة بأسلحة جديدة، بل ونوعية، مما أدى الى بعض التوازن في سير المعارك الجارية على الأرض السورية. ويقول الكاتب يوسف ضمرة في مقال له تعليقا على الدعم الأميركي للمعارضة، أنه “بينما كان السوريون ينتظرون فك الحصار عن مطار (كويرس) العسكري شرق حلب، فوجئ الجميع بهجوم مضاد على المطار، واختفاء أخبار المطار تدريجيا عن شاشات الأخبار. وهو ما حدث في ريف اللاذقية وحمص وحماة”. وأورد قولا مشابها خبير سوري في الشؤون الاستراتيجية استضافته قناة بي بي سي عربي في 31 اكتوبر في برنامج حديث الساعة، اذ ذكر بأن قوات الجيش السوري الحر الذي غاب لوهلة طويلة عن الأخبار، قد دمر مؤخرا في الشمال العراقي ثلاثة عشر دبابة سورية، مستخدما الأسلحة الأميركية النوعية والجديدة التي وصلت مؤخرا للقوات المعارضة السورية.

الا أن الولايات المتحدة التي تعلم بأن تقديم الدعم للمعارضة مهما بلغ حجمه، سعيا منها لرفع المعنويات في صفوف المعارضة،  بغية تقبلها من مركز قوة، بتقديم  بعض التنازلات، (وأهمها اتفاق روسي أميركي مبدئي على وجوب بقاء سوريا دولة علمانية بعيدة عن تيار الاسلام السياسي)، قد لا يكون الحل الأمثل، لأنه سوف يؤدي في نهاية المطاف، الى  قيام الجانب الروسي بدوره، بزيادة وتعزيز الدعم الروسي للحكومة السورية، مما سيزيد في اشتعال المنطقة التي تواجه عدوا آخر بات المجتمع الدولي يخشاه ويحسب له ألف حساب، وهو خطر الدولة الاسلامية الداعشية الرابضة على مساحات واسعة من الأراضي السورية والعراقية، والتي يسعى مؤتمر فينا (الذي كاد يحل محل مؤتمر جنيف)، الى الوقوف في وجهها عبر حشد دولي يحاربه دون هوادة … أو هذا على الأقل، ما تعلنه الولايات المتحدة، مدعية أن محاربة الارهاب بات في أول أولوياتها، مع أنها قد حاربته خلال سنة ونصف السنة، حربا لم تبد للكثيرين حربا جدية على الاطلاق.

أما الدولة الروسية التي قبلت على مضض، عدم التشبث ببقاء الرئيس السوري في منصبه حتى اكتمال ولايته في عام 2021 ، ورضيت بالتالي أن يخضع الأمر لاختيار الشعب السوري الذي يقرر مصير رئيسه عبر انتخابات رئاسية، فهي تدرك تماما أن الانتخابات الرئاسية غير قابلة للتحقق بالسرعة التي يتصورها البعض حتى المتفائلين منهم.  
المدة الزمنية اللازمة لتنفيذ اتفاق فينا

لا بد  أولا من الاتفاق على كيفية تشكيل الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات، وهذا سيستغرق بعض الوقت. ولا بد بعد تشكيلها، من اعلان لوقف اطلاق النار، ثم جمع للاسلحة من ايدي الطرفين (باستثناء الجيش السوري بطبيعة الحال)، فلا يمكن اجراء انتخابات نزيهة والأطراف المتنافسة لا تزال تحمل أسلحتها وتهدد بها… وهذا بدوره لن يكون أمرا سهلا أو قابلا للتحقق بالسرعة التي قد يتخيلها البعض الآخر.  والأهم من ذلك كله، أنه لا بد  من ترحيل كل المسلحين والمقاتلين غير السوريين عن الأراضي السورية قبل الشروع بأي عملية انتخابية، سواء كانت برلمانية أو رئاسية. وهذا سوف يتطلب ترحيل العديد من المقاتلين غير السوريين الذين تواجدوا في صفوف المعارضة المسلحة، والقادمين من دول الخليج ومن الدول العربية والاسلامية كتونس والصومال وباكستان وبلاد القفقاس وغيرها… وهؤلاء كثر. كما سيتطلب بطبيعة الحال، مغادرة مقاتلي حزب الله وما يسمى بالمقاتلين المنتسبين لحرس الثورة الايراني ان وجدوا.

ولكن قبل اجراء انتخابات رئاسية، لا بد أن يسبقها أيضا انتخابات برلمانية، ليقر البرلمان الجديد المنتخب، مشروع الدستور الجديد الذي ستعده الحكومة الانتقالية، ثم يعرضه على استفتاء شعبي تعزيزا لمباركة واقرار البرلمان له. فالعادة المتبعة في الدول الديمقراطية، تتطلب دائما استفتاء شعبيا على أي دستور جديد.

فاذا ما تم ذلك كله، وهو أمر قد يستغرق سنتين الى ثلاث سنوات على الأرجح،وربما أكثر، واذا ما أنجزت الحكومة الانتقالية اعداد دستور جديد للبلاد يوافق عليه تراضيا كل الأطراف ويقره البرلمان ويباركه استفتاء شعبي، ستبدأ عندئذ الاستعدادات لاجراء انتخابات رئاسية باشراف دولي قد يخوضها الرئيس بشار الأسد الى جانب آخرين. فاذا ما فاز بالرئاسة، تكون السلطة قد كرست له  لسبع سنوات أخرى، أو لأربع أو خمس سنوات حسب التعديلات التي ستطرأ ويتضمنها الدستور الجديد. أما ذا خسرالانتخابات، فسوف يكون قد أمضى الجزء الأكبر من مدة رائاسته المقررة بموجب الدستور الحالي للبلاد، ولكنه عندئذ سيكون قد غادر كرسي السلطة، ليس بناء على مطلب بعض دول الجوار عبر ضغوط مسلحيهم، بل نتيجة رغبة شعبية قد لا تنسى انجازاته في خدمة البلاد طوال مدة رئاسته السابقة والتي تكون قد قاربت  تسعة عشر الى عشرين عاما.

ولعل قضية اخراج مقاتلي حزب الله وحرس الثورة الايرانية من الأراضي السورية قبل التقدم في العملية السلمية، هي ما قصده عادل جبير – وزير الخارجية السعودي بتصريحه الأخير في 31 أوكتوبر، المطالب بوجوب مغادرة القوات الأجنبية للأراضي السورية. فلا يعتقد أنه قد قصد أيضا القوات الروسية  الجوية، والشاملة لبعض الخبراء العسكريين. ذلك أنه يعلم، كما تعلم الولايات المتحدة، أن روسيا لن تقلص من دعمها العسكري لسوريا، قبل الاطمئنان لمستقبل الوضع في سوريا، ولمستقبل مصالحها الاستراتيجية فيها والتي يكرسها اتفاق دولي بين سوريا وروسيا الاتحادية، اضافة الى اطمئنانها اليقيني الى الشروع الجدي المعلن عنه في مقاتلة الارهاب، أي مقاتلة داعش ومن سار على درب مشابه لدربها كجبهة النصرة مثلا.

وهناك نقاط هامة بنت عليها روسيا الاتحادية استراتيجيتها التي تزداد تشددا يوما بعد آخر حول مستقبل سوريا، والتي أدت الى تدخلها المباشر، لا بوجود الخبراء العسكريين الروس، والسلاح الجوي الروسي فحسب، بل أيضا بتواجد ثلاثة آلاف جندي روسي في منطقة (حميمين) وفي الساحل السوري، كما قال خبير عسكري في برنامج حديث الساعة السابق ذكره في فقرات سابقة.

 فالاتحاد الروسي، لا يسعى الآن فحسب للدفاع عن سوريا حماية لمصالحه الاستراتيجية فيها، بل يسعى أيضا لتحقيق هدفين هامين آخرين، أولهما الدفاع عن نفسه من تهديد مستقبلي قد يشكله الارهاب على الاتحاد الروسي ذاته، وثانيهما تأكيد دوره كقطب دولي ثان يحسب له حساب، وهو دور لا ترغب الولايات المتحدة في الاعتراف به، مصرة على تصنيف روسيا كقوة اقليمية هامة، ولكن لا ترتقي الى مرتبة القطب القوي الذي يقف على قدم المساواة في مواجهة القطب الأميركي.

المخاوف الروسية من حرب بالوكالة

وفجأة جاء القرار الأميركي الصادر عن الرئيس أوباما مباشرة فور صدور قرارات مؤتمر فينا، بارسال مجموعة من الخبراء العسكريين الى شمال سوريا لتدريب المعارضة ومساعدتها على مقاتلة داعش. وجاء التحذير الروسي فورا على لسان وزير خارجيتها لافروف، بأن هذا قد يؤدي في النهاية ، الى تنامي الأمر ليتحول تدريجيا الى حرب بالوكالة، أي حرب بين روسيا والولايات المتحدة تخوضها المعارضة السورية  ضد التواجد الروسي، نيابة عن الدولة الأميركية.

ورغم مسارعة كيري،  وزير خارجية أميركا، لنفي المخاوف الروسية قائلا بأنهم مجرد خمسين خبير يسعون لتدريب القوة المعتدلة التي ستقاتل الدولة الاسلامية بمشاركة القوات التابعة لأكراد سوريا. وهدفهم في النهاية، هو طرد الدولة الاسلامية من مدينة الرقة التي يعتبرهم الداعشيون عاصمة دولتهم المرتقبة.  الا أن هذا التبرير لم يقنع أصحاب القرار في موسكو بسبب تجارب أميركية سابقة وحديثة في ارسال خبراء عسكريين أميركيين لمنطقة ما.

تجربة الخبراء العسكريين الأميركيين سابقا  وحاليا

فعندما طالب الرئيس أوباما الكونجرس الأميركي بالموافقة على اعلان حرب على داعش، وعد بعدم ارسال قوات برية (Boots)  للمشاركة في القتال، الا أنه عاد وأرسل خمسين خبيرا الى العراق لغايات التدريب. وأخذ يزيد عددهم تدريجبيا بحيث بات عددهم الآن (كما يقدر المراقبون) يتجاوز الفي خبير.

 هذا بالنسبة للتجربة الأحدث في قضية الخبراء العسكريين الأميركيين. أما التجربة الأميركية القديمة في هذا الشأن، فقد كانت في أوائل ستينات القرن الماضي، وذلك لدى نشوب الحرب في فيتنام. فالرئيس جون كينيدي، أكثر الرؤساء الأميركيين اعتدالا، أرسل عندئذ.. ونتيجة ضغوط عديدة من اليمين الأميركي، حفنة من الخبراء العسكريين لتدريب مقاتلي فيتنام الجنوبية الذين كانوا يقاتلون الفيتكونج المدعومين من قبل فيتنام الشمالية والمزودين بأسلحة سوفياتية.  الا أنه بمجرد أن تم اغتيال الرئيس كنيدي في عام 1963 وحل محله نائبه ليندون جونسون، قام الأخير بزيادة عدد أولئك المدربين تدريجيا، وألحقهم بعد ذلك بقوات أميركية أخذ عددها يزداد يوما بعد آخر، الى أن تجاوز عددها في مرحلة ما من سبعينات القرن الماضي… النصف مليون جندي أميركي، الأمر الذي بدأ بمجرد حفنة من الخبراء.

واذا كان ذلك ما يقلق مخططي الاستراتيجية الروسية، فان ما يقلق فلاديمير بوتين، الثعلب الروسي كما أسميه مقدرا أنه قد تفوق على ذكاء الثعلب في تعامله مع مناوئيه الداخليين والخارجيين، يخشى وبحق أمرا آخر.  فالرئيس أوباما رغم ما يبدو من نزاهته وعزوفه عن خوض الحروب، لم يتبق له في كرسي الرئاسة  الأميركية الا أربعة عشر شهرا، قد تحمل بعدها الانتخابات الرئاسية القادمة في الولايات المتحدة ، رئيسا كليندون جونسون يرسل مئات، يتحولون تدريجيا الى آلاف من الخبراء أو الجنود، بذريعة مقاتلة داعش، لكن قد يرافقها أيضا، بين الفينة والأخرى، مقاتلة الحكومة السورية الشرعية التي تم التوافق في فينا، سرا أو علنا، على الابقاء على حكومة علمانية فيها، تجنبا لوصول تيار الاسلام السياسي الى الحكم فيها،  متعظين (أي الأميركيين الذين لا يتعظون أبدا من أخطاء الماضي) من تجربتين سابقتين في كل من ايران  وأفغانستان.

عضو مستشار في المركز الأوروبي العربي لمكافحة الارهاب – برلين
عضو في مركز الحوار العربي الأميركي – واشنطن
عضو في جمعية الدراسات الاستراتيجية الفلسطينية (THINK TANK)
كاتب في صفحات الحوار المتمدن – ص. مواضيع وأبحاث سياسية
عضو في رابطة الصداقة والأخوة اللبنانية المغربية
عضو في رابطة الكتاب الأردنيين – الصفحة الرسمية
عضو في مجموعة شام بوك
عضو في مجموعة مشاهير مصر
عضو في مجموعات أخرى عديدة


اخر المقالات