المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
الحرب الهجينة: استقطاب الأفراد والإعلام كأدوات للتأثير
انتقلت المواجهة العسكرية من المواجهة التقليدية إلى المجال المعلوماتي، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للتأثير في الرأي العام والسلوك السياسي. وتتعامل المؤسسات الأوروبية مع ما يعرف بـ التلاعب والتدخل الأجنبي في المعلومات باعتباره تهديداً متزايداً للأمن والديمقراطية. وفي سبتمبر 2026، حذرت السويد من محاولات روسية محتملة للتأثير في الانتخابات الأوروبية، خصوصاً في الدول الكبرى مثل ألمانيا وفرنسا، في وقت كشفت فيه السلطات السويدية عن شبكة تضم نحو 1,200 حساب على منصة X، نفذت أكثر من 50 ألف منشور وتعليق ومشاركة خلال عامي 2025 و2026 وقدرت وكالة الدفاع النفسي السويدية أن الشبكة كانت مرتبطة بجهة حكومية أجنبية وأنها استخدمت للتأثير المعلوماتي في السويد ودول أخرى.
من الحسابات الوهمية إلى الحرب الهجينة
لم تعد شبكات البوتات تعتمد فقط على حسابات آلية تكرر الرسالة نفسها، بل أصبحت تجمع بين الحسابات الآلية والمشغلين البشريين والذكاء الاصطناعي ومواقع الإنترنت والمنصات المختلفة. والهدف هو جعل النشاط المصطنع يبدو كأنه نقاش طبيعي داخل المجتمع. وتكشف الحالة السويدية أن بعض الشبكات يمكن أن تبدأ بحسابات تبدو عادية، ثم تتحول إلى أدوات لتضخيم قضايا سياسية واجتماعية حساسة. وقد وجدت السلطات أن حسابات شبكة Holiday لم تكن تروج دائماً لموقف واحد؛ بعضها كان يدعم قضية معينة بشدة، بينما يعارضها حساب آخر، بما يؤدي إلى تعميق الاستقطاب وإظهار المجتمع وكأنه أكثر انقساماً مما هو عليه فعلياُ. وفي الحالة السويدية، ساهم التعاون بين وكالة الدفاع النفسي وهيئة البريد والاتصالات في كشف شبكة «Holiday» وإبلاغ منصة X بها، وانتهى الأمر بإغلاق الحسابات المرتبطة بالشبكة. الذكاء الاصطناعي ـ من اكتشاف الثغرات إلى تعزيز الدفاع السيبراني الأوروبي
لكن المواجهة تطرح تحدياً ديمقراطياً حساساً وهو، كيف تحارب أوروبا التدخل الأجنبي دون أن تتحول مكافحة التضليل إلى رقابة على الآراء؟ المعيار الأكثر توازناً هو التركيز على السلوك المنسق والمصدر الأجنبي والعمليات السرية، وليس على الرأي السياسي بحد ذاته. فمن حق المواطن أن يكون مؤيداً لروسيا أو معارضاً لسياسات حكومته، لكن ذلك يختلف عن وجود شبكة أجنبية سرية مصممة للتلاعب بالنقاش العام.
الانتخابات كساحة للصراع
وهذا يتفق مع تقييم الاتحاد الأوروبي الذي يرى أن عمليات FIMI أصبحت أكثر تعقيداً، وأن روسيا استخدمت شبكات رقمية متعددة للتأثير في المجال المعلوماتي الأوروبي. وفي تقريره الرابع لعام 2026، وثق الاتحاد الأوروبي 540 حادثة خلال عام 2025، وذكر أن روسيا نُسب إليها 29% من الحالات التي أمكن إسنادها إلى جهات محددة، كما رصد تعبئة نحو 10,500 قناة وموقع إلكتروني لإنتاج أو تضخيم عمليات التأثير المعلوماتي. وتكمن خطورة هذه العمليات في أنها لا تحتاج بالضرورة إلى إقناع الجمهور برواية روسية محددة؛ فقد يكون الهدف هو إغراق الفضاء العام بالمعلومات المتناقضة، وزيادة الغضب والاستقطاب، وتقويض الثقة بالإعلام والسياسيين والمؤسسات.
تمثل الانتخابات بيئة مثالية لعمليات التأثير لأنها تجمع بين الحساسية السياسية وكثافة النقاش العام. وقد أشار الاتحاد الأوروبي إلى أن العمليات الروسية استهدفت خلال 2025 انتخابات في ألمانيا وبولندا ورومانيا ومولدوفا والتشيك وغيرها، وأن الأنماط نفسها يمكن أن تظهر في انتخابات أوروبية مقبلة.
وبالنسبة لروسيا، لا يقتصر الهدف على دعم حزب أو مرشح بعينه، وإنما يمكن أن يتمثل في إضعاف الدعم الأوروبي لأوكرانيا، أو التأثير في مواقف الناخبين تجاه الإنفاق الدفاعي والعقوبات والسياسة الخارجية. ومن هنا، فإن التهديد لا يتمثل بالضرورة في اختراق أجهزة التصويت أو تغيير أصوات الناخبين إلكترونياً، وإنما في التأثير على الناخب قبل دخوله مركز الاقتراع: ماذا يصدق؟ ومن يثق به؟ وما القضايا التي يعتبرها أولوية؟ وهذا هو جوهر الحرب النفسية الحديثة: التأثير في البيئة التي يتخذ فيها المواطن قراره، وليس فقط في صندوق الاقتراع نفسه.
أضاف الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى هذه المواجهة، لأنه يسمح بإنتاج كميات كبيرة من النصوص والصور والفيديوهات والأصوات بسرعة وبتكلفة منخفضة، وبإمكانه تكييف المحتوى مع لغات وفئات اجتماعية مختلفة. ويؤكد تقرير الاتحاد الأوروبي لعام 2026 أن استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير المعلوماتي ارتفع بصورة كبيرة، وأن المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً روتينياً من بعض العمليات الروسية والصينية. وهذا يعني أن التحدي المقبل لن يكون فقط اكتشاف “الحساب المزيف، بل اكتشاف المنظومة الكاملة التي تنتج المحتوى وتضخمه وتنقله بين المنصات. الأمن السيبراني الألماني ـ ثغرات متزايدة وتحديات متصاعدة
دور وكالة ENISA في حماية الانتخابات الأوروبية
تتحرك أوروبا باتجاه مقاربة أمنية أكثر شمولاً، فلم يعد التركيز على حذف الحسابات فقط، بل أصبح الهدف تفكيك البنية التي تسمح باستمرار عمليات التأثير. ويشير الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات لرصد الشبكات، وتحليل بنيتها، واستهداف الوسطاء ومقدمي الخدمات والبنية التحتية التي تعتمد عليها عمليات التأثير، إضافة إلى العقوبات والتنظيم الرقمي وبناء القدرة المجتمعية على مقاومة التضليل. تلعب وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني ENISA دوراً مهماً في تعزيز أمن الانتخابات الأوروبية، خصوصاً في مواجهة الهجمات السيبرانية والتدخلات الرقمية التي يمكن أن تستهدف البنية التحتية الانتخابية أو أنظمة الأحزاب والحملات السياسية أو قنوات نشر النتائج. وقد طورت الوكالة، بالتعاون مع المفوضية الأوروبية والدول الأعضاء، إرشادات خاصة بأمن الانتخابات تشمل أيضاً التهديدات الهجينة، والتضليل الرقمي، والتزييف العميق، واستخدام الذكاء الاصطناعي في التأثير على العملية الانتخابية.
وخلال الانتخابات، يمكن أن يكون دور ENISA مهماً في تبادل المعلومات والإنذار المبكر ورفع الجاهزية الفنية، إضافة إلى دعم السلطات الوطنية المختصة في التعامل مع الحوادث السيبرانية. وقد شاركت الوكالة في تدريبات أوروبية تحاكي سيناريوهات هجمات إلكترونية وحملات تضليل تستهدف الانتخابات، بهدف اختبار قدرة الدول والمؤسسات الأوروبية على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها والتنسيق في ما بينها.الأمن الأوروبي ـ التضليل الرقمي والتدخل في الرأي العام
وتشير ENISA أيضاً إلى أن التهديد الانتخابي لم يعد مقتصراً على اختراق أنظمة التصويت أو تعطيل المواقع، بل يشمل شبكات البوتات، وتسريب البيانات، والتلاعب بالمعلومات، والهجمات على البنية التحتية الرقمية، والتدخل السيبراني في الحملات السياسية. ولهذا أوصت الوكالة الدول الأعضاء بتعزيز التعاون للكشف عن شبكات البوتات وتحسين القدرة على رصد الأنماط غير الطبيعية المرتبطة بحملات التضليل والهجمات الإلكترونية.
ومن الناحية العملية، لا تعمل ENISA منفردة، بل ضمن شبكة أوروبية أوسع تضم المفوضية الأوروبية، والسلطات الانتخابية الوطنية، وفرق الاستجابة للحوادث السيبرانية CSIRTs، وشبكة EU-CyCLONe، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي الأخرى. وتظل مسؤولية حماية نزاهة الانتخابات لدى الدول الأعضاء، بينما توفر ENISA الخبرة والتنسيق والدعم الفني على المستوى الأوروبي.الذكاء الاصطناعي ـ من اكتشاف الثغرات إلى تعزيز الدفاع السيبراني الأوروبي
وبالتالي، في سياق شبكات البوتات والتدخل الروسي في الانتخابات، يمكن اعتبار ENISA جزءاً أساسياً من خط الدفاع التقني الأوروبي، لكنها ليست الجهة الرئيسية لمواجهة التضليل السياسي نفسه؛ إذ تتوزع هذه المهمة بين المفوضية الأوروبية، والـEEAS، والسلطات الوطنية والجهات المختصة بمواجهة التدخل الأجنبي والتلاعب بالمعلومات. وتتمثل قوة ENISA تحديداً في حماية الأنظمة الرقمية، وتقييم المخاطر السيبرانية، ورفع الجاهزية والتنسيق بين الدول والمؤسسات.
تقييم والقراءة المستقبلية
الخطرالحقيقي لشبكات “البوتات” لا يكمن في عدد الحسابات وحده، وإنما في قدرتها على تحويل نشاط رقمي مصطنع إلى نقاش سياسي حقيقي ، فإذا نجحت الشبكة في دفع الإعلام والسياسيين والجمهور إلى مناقشة رواية معينة، فقد تجاوزت مرحلة نشر التضليل إلى التأثير في الأجندة السياسية. ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في تقدير قدرتها على تغيير الانتخابات؛ فوجود حملة تضليل لا يعني تلقائياً قدرتها على تغيير نتائجها، إذ تظل العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الحقيقية أكثر تأثيراً في خيارات الناخبين.
بات متوقعاُ مستقبلاً هو انتقال هذه العمليات من شبكات حسابات إلى منظومات تأثير متكاملة تستخدم الذكاء الاصطناعي، وتعمل عبر عدة منصات، وتستهدف فئات محددة برسائل مختلفة. وقد يكون أخطر سيناريو هو ألا يقتنع المواطن بالرواية الروسية، وإنما أن يصل إلى قناعة مفادها، لا يمكن معرفة الحقيقة، ولا يمكن الوثوق بالإعلام أو الحكومة أو الانتخابات. وهنا تحديداً تتحول حرب المعلومات إلى تهديد استراتيجي؛ لأن الهدف يصبح إضعاف الثقة بالديمقراطية نفسها.
وتشير الاستراتيجية الأوروبية الحالية إلى الاتجاه نحو جعل عمليات بـ التلاعب والتدخل الأجنبي في المعلومات K أكثر تكلفة وأقل استدامة، من خلال الجمع بين الاستخبارات والتحليل الرقمي والتنظيم والعقوبات والتعاون مع المنصات وتعزيز المناعة المجتمعية.
الحرب الهجينة الحديثة لا تحتاج بالضرورة إلى اختراق صندوق الاقتراع؛ فقد يكون التأثير الأكثر خطورة هو التأثير في المواطن قبل أن يصل إلى الصندوق. ولذلك فإن حماية الديمقراطيات الأوروبية أصبحت معركة على المعلومات والثقة والقدرة على التمييز بين النقاش السياسي الطبيعي والتدخل الأجنبي المنظم.
رابط نشر ..https://www.europarabct.com/?p=124438
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
links
[1] Swedish Psychological Defence Agency, “Botnätverket ‘Holiday’ användes mot Sverige – kunde stängas ner efter kartläggning av MPF,” September 1, 2026.
المصدر – Swedish Psychological Defence Agency
[2] European External Action Service, 4th EEAS Annual Report on Foreign Information Manipulation and Interference Threats, March 12, 2026.
المصدر – European External Action Service
[3] European External Action Service, “Dismantling the Foreign Information Manipulation and Interference (FIMI) House of Cards,” March 10, 2026.
المصدر – EEAS
[4] NATO, “Statement by the North Atlantic Council on Recent Russian Hybrid Activities,” May 2, 2024.
المصدر – NATO
[5] Council of the European Union, “Council Adopts Conclusions on Advancing the EU’s Capacity to Counter Hybrid Threats,” March 16, 2026.
المصدر – Council of the European Union
[6] European Commission, “EU Actions to Protect Democracy,” 2026.
المصدر – European Commission
[7] ENISA، Safeguarding EU elections amidst cybersecurity challenges — المصدر الرسمي
[8] ENISA، EU cybersecurity exercise: foster cooperation, secure free and fair EU elections — المصدر الرسمي
[9] ENISA، ENISA makes recommendations on EU-wide election cybersecurity — المصدر الرسمي
[10] ENISA، Consolidated Annual Activity Report 2024 — التقرير الرسمي
[11] ENISA، What is the role of ENISA? — الموقع الرسمي للوكالة

