المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا
الحرب الهجينة، حرب أوكرانيا نموذجاً، الأسباب، الأدوات والأبعاد . ملف
سخة الملف PDF ـ ملف الحرب الهجينة، حرب أوكرانيا نموذجاً، الأسباب، الأدوات والأبعاد
المقدمة
يتكون الملف من 3 دراسات موسعة ، ويتناول الملف أبعاد الحرب الهجينة في أوكرانيا، الأدوات المستخدمة فيها، الانعكاسات الأوروبية، والدوافع الأيديولوجية والسياسية وراء استمرار الصراع.
يمنح رؤية شاملة لفهم الحرب الهجينة كظاهرة متعددة الأبعاد. يدمج البعد التقني (الذكاء الاصطناعي والسيبراني) مع البعد السياسي والأيديولوجي. يقدم قراءة نقدية لمواقف أوروبا واستراتيجيتها المستقبلية
تُعتبر الحرب الروسية الأوكرانية واحدة من أكثر النزاعات المعاصرة تعقيدا وتشعبا، ليس فقط لطبيعتها العسكرية، بل لأنها تمثل مختبرا ميدانيا لمفاهيم جديدة في إدارة الصراعات تُعرف بـ”الحرب الهجينة”. هذا النمط من الحروب الذي يمزج بين الأدوات العسكرية والتكنولوجية والإعلامية والسيبرانية، جعل من أوكرانيا ساحة اختبار عالمية لأحدث أساليب الصراع في القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل القوة الصلبة بالقوة الناعمة، والخداع المعلوماتي بالذكاء الاصطناعي، والدعاية بالهجمات السيبرانية، في معركة تتجاوز حدود الجغرافيا إلى الفضاءات الرقمية والرمزية.
لقد كشفت الحرب الأوكرانية عن انتقال الصراعات الدولية من الشكل التقليدي القائم على الجيوش والميدان، إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على دمج الأدوات المدنية والعسكرية، واستخدام التكنولوجيا كوسيلة رئيسية في إدارة العمليات، من تحليل البيانات إلى توجيه الطائرات المسيّرة، مرورًا بتضليل الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي. هذه الظاهرة لم تغيّر فقط قواعد الاشتباك العسكري، بل أعادت تعريف مفاهيم الأمن القومي والدفاع والسيادة في زمن الثورة الرقمية.
وجدت أوروبا نفسها أمام تحدٍ مزدوج: مواجهة روسيا عسكريًا عبر دعم أوكرانيا، ومجابهة تداعيات الحرب الهجينة داخليا عبر حماية بنيتها التحتية، ومجتمعاتها من التضليل وحرب المعلومات. ومع تطور الصراع، انتقل الخطاب الأوروبي من الحديث عن دعم أوكرانيا إلى الاستعداد لاقتصاد وسياسة الحرب، بما يشمل إعادة تسليح الجيوش، وتعبئة الرأي العام، وتبرير الإنفاق العسكري الضخم. ومع ذلك، يظل التساؤل قائما: هل تستعد أوروبا فعلاً لمواجهة روسية موسعة؟ أم أنها تُقاد تدريجيا إلى حرب طويلة المدى دون أفق سياسي واضح؟
من ناحية أخرى، لا يمكن فصل الصراع الحالي عن جذوره الأيديولوجية والهوياتية. فالموقف الأوروبي من روسيا لا ينبع فقط من اعتبارات أمنية، بل يتداخل فيه البعد التاريخي والنفسي؛ عقدة الخوف من روسيا كقوة أوراسية، والحنين إلى زمن “الهوية الأوروبية” المتماسكة في مواجهة الآخر الشرقي.
هذه الرؤية جعلت من موسكو خصمًا رمزيا بقدر ما هي خصم استراتيجي، ومن أوكرانيا خط التماس بين عالمين متنافرين: أوروبا الليبرالية من جهة، وروسيا الاستبدادية من جهة أخرى. وبين هذين العالمين، يلعب الرئيس الأوكراني زيلينسكي دورا بالغ الحساسية، إذ يجيد توظيف الخطاب الأخلاقي والعاطفي لدفع أوروبا نحو مزيد من الالتزام في الحرب، ما يثير تساؤلات حول حدود استقلال القرار الأوروبي، وحول ما إذا كانت كييف تُوظف الدعم الغربي كأداة لاستمرار الصراع بدلاً من إنهائه.
يناقش هذا الملف، عبر ثلاث دراسات موسعة، جوهر الحرب الهجينة في أوكرانيا من زوايا متعددة.
تتناول الدراسة الأولى الأدوات والأساليب الجديدة في الحرب، من الذكاء الاصطناعي إلى التضليل الإعلامي والحرب السيبرانية.
وتحلل الدراسة الثانية استعدادات أوروبا لحرب طويلة الأمد مع روسيا، ومسار تحولها إلى اقتصاد وسياسة الحرب.
أما الدراسة الثالثة فتركز على البعد الأيديولوجي والهوياتي للصراع، محللةً علاقة أوروبا المعقدة بروسيا، ودور أوكرانيا في صياغة هذا التوتر المستدام.
من خلال هذا التقسيم، يسعى الملف إلى تقديم قراءة شاملة تدمج بين التحليل التقني والعسكري والسياسي والفكري، لرصد كيف غيّرت الحرب الأوكرانية شكل الحروب المعاصرة، وكيف أعادت رسم حدود الأمن الأوروبي، في عالمٍ يتجه نحو مزيد من الاضطراب والتشابك بين الحرب والمعلومة، وبين القوة الصلبة والناعمة، وبين الواقع والافتراض.
1 ـ الناتو وروسيا ـ الحرب الهجينة وأدواتها في حرب أوكرانيا
تمثل الحرب الهجينة (Hybrid Warfare) أحد أكثر المفاهيم تطورًا في العقيدة العسكرية الحديثة، إذ تعكس التحول من أنماط الحروب التقليدية التي كانت تقوم على المواجهة العسكرية المباشرة بين الجيوش، إلى أنماط أكثر تعقيدًا تمزج بين الأدوات العسكرية وغير العسكرية، النظامية وغير النظامية، لتحقيق أهداف استراتيجية دون إعلان حرب رسمية. وفقًا للتعريفات الأكاديمية والعسكرية، تتضمن الحرب الهجينة مزيجًا من العمليات السيبرانية، والهجمات الدعائية، والضغط الاقتصادي، والتهديدات النووية، واستخدام الوكلاء المحليين والميليشيات، بهدف إرباك الخصم واستنزافه سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا. وقد بدأ هذا المفهوم يترسخ في داخل الناتو بعد عام 2014 عقب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، حين أشار الأمين العام للحلف آنذاك إلى أن “التهديدات لم تعد تأتي فقط من الدبابات، بل من المعلومات المضللة والهجمات الإلكترونية.
ما تاريخ الحروب غير التقليدية؟
تمتد جذور الحروب غير التقليدية تاريخيًا، إلى الحرب الباردة، عندما استخدمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أدوات الحرب النفسية والدعاية والعمليات السرية في صراعهما. غير أن روسيا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي أعادت بلورة هذا النهج في عقيدتها العسكرية الحديثة، كما تجسد في “عقيدة جيراسيموف” التي تمزج بين الوسائل العسكرية والسياسية والإعلامية لإضعاف العدو من الداخل. أصبحت أوكرانيا منذ عام 2014 ميدان الاختبار الأبرز لهذا النمط من الحروب، إذ انخرطت موسكو في حرب شاملة متعددة الأبعاد ضد كييف، جمعت بين العمليات الميدانية والضربات السيبرانية والدعاية السياسية وحرب المعلومات.
كيف أصبحت حرب روسيا وأوكرانيا نموذجًا؟
تُعد حرب أوكرانيا النموذج الأوضح للحرب الهجينة، لأنها كشفت أن موازين القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بعدد الدبابات أو الصواريخ، بل بقدرة الأطراف على التحكم في الفضاء المعلوماتي والتكنولوجي والسيبراني، وعلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي والتضليل الإعلامي كسلاحٍ موازٍ للبندقية. حذّرت رئيسة وزراء الدنمارك في الأول من أكتوبر 2025 من أن أوروبا تواجه تهديدًا بحرب هجينة تشنّها روسيا، وأنه يتعين عليها إعادة تسليح نفسها والاستعداد لاحتمال اندلاع صراع شامل. أكدت ميته فريدريكسن: “إن القارة الأوروبية تواجه خطرًا غير مسبوق في أعقاب سلسلة الهجمات بالطائرات المسيّرة الروسية التي اخترقت أجواء حلف الناتو خلال العام “2025، وهو ما حذّر منه خبراء باعتباره تكتيكًا لاختبار دفاعات الحلف. وأضافت فريدريكسن: “آمل أن يدرك الجميع الآن أننا نعيش حربًا هجينة؛ فاليوم تكون في بولندا، وغدًا في الدنمارك، وربما في ستكون في مكان آخر حيث نرى أعمال تخريب أو طائرات مسيّرة تحلّق في الأجواء”. الدفاع والأمن في ألمانيا، مفاهيم جديدة بعد حرب أوكرانيا. ملف
كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة؟
تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أحد أبرز أدوات الحرب الحديثة، وأصبح يشكّل سلاحًا استراتيجيًا في الصراع بين الناتو وروسيا في حرب أوكرانيا. فمع تصاعد العمليات العسكرية، لعبت تقنيات تحليل البيانات والصور الملتقطة بالأقمار الصناعية دورًا جوهريًا في تحديد مواقع القوات الروسية وتقييم تحركاتها الميدانية بدقة غير مسبوقة. اعتمدت وحدات الناتو على خوارزميات تعلم الآلة لتفسير ملايين الصور الملتقطة، وهو ما مكّن أوكرانيا من توجيه ضربات دقيقة، خاصة في المناطق الحدودية والشرقية.
جرى تطوير أنظمة مسيّرات قتالية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد الأهداف والتعامل معها ذاتيًا دون تدخل بشري مباشر، وهو ما جعل سلاح الطائرات بدون طيار عاملًا حاسمًا في ميزان القوة الميداني. وبرزت شركات خاصة مثل “Palantir” الأمريكية و”Clearview AI” في توفير منصات تحليل بيانات ضخمة استخدمت لدعم القوات الأوكرانية في التعرف على الأفراد والمعدات الروسية من خلال تقنيات التعرف على الوجه وتحليل الحركة.
اعتمدت موسكو أيضًا على الذكاء الاصطناعي في تطوير مسيّرات هجومية واستخدام خوارزميات متقدمة لتنسيق نيران المدفعية واستهداف البنى التحتية الحيوية. لكن الاستخدام الأخطر تمثل في توظيف الذكاء الاصطناعي في الدعاية الحربية وتحليل اتجاهات الرأي العام، حيث استخدمت روسيا روبوتات رقمية (Bots) ومنصات تواصل مدعومة بخوارزميات تعلم آلي للتأثير على النقاشات العامة في الغرب وأوروبا الشرقية، وإعادة توجيه السرديات لصالحها. وهكذا أصبحت الحرب في أوكرانيا نموذجًا لاستخدام الذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي مزدوج، يجمع بين الدور القتالي والمعلوماتي والدعائي في آنٍ واحد.
ما أدوات التضليل الإعلامي وحرب السرديات؟
منذ الأيام الأولى للحرب، اشتعلت “حرب السرديات” بين موسكو وكييف، مدعومة بآلة إعلامية ضخمة في الجانبين. ركز الإعلام الأوكراني والغربي على تأطير الصراع ضمن معادلة “الديمقراطية مقابل الاستبداد”، مقدّمًا أوكرانيا كجدار الدفاع الأخير عن النظام الليبرالي الغربي في مواجهة روسيا. في المقابل، صاغت موسكو رواية معاكسة تعتبر أن تدخلها العسكري دفاعي، يهدف إلى “تحرير الروس الناطقين بالروسية” من “نظام فاشي” في كييف تدعمه قوى غربية معادية. هذه الحرب الخطابية تحوّلت إلى أداة تعبئة نفسية هائلة، تجاوزت حدود الجغرافيا، لتصل إلى الرأي العام العالمي عبر شبكات التواصل والمنصات الرقمية.
أصبحت المنصات مثل X (تويتر سابقًا) وتيليغرام وتيك توك ساحات مواجهة مفتوحة. اعتمد الجانب الأوكراني على إنتاج محتوى بصري مؤثر يعزز صورة المقاومة الشعبية، فيما استخدمت روسيا مقاطع مفبركة وتقارير مزيفة لإضعاف الثقة في الإعلام الغربي. وقد أظهرت دراسات الاتحاد الأوروبي أن أكثر من (60%) من المحتوى المضلل حول الحرب نُشر عبر حسابات روسية أو موالية لها، في إطار عمليات منظمة لتشويه الحقائق وتوجيه الإدراك الجمعي. تؤكد هذه الحرب الإعلامية أن الصراع لم يعد يدور فقط على الأرض، بل في العقول. وأصبح التحكم في السردية وتوجيهها أحد أخطر أسلحة القرن الحادي والعشرين، إذ يمكن لخبر مزيف أو فيديو معدّل أن يغيّر موازين الدعم الشعبي والسياسي للحرب أكثر من قذيفة مدفعية. الدفاع ـ إلى أي مدى يمكن أن يسهم التعاون البحري بين ألمانيا وكندا في ردع روسيا؟
الحرب السيبرانية وحرب المعلومات
تُعد الحرب السيبرانية الركيزة الأولي في بنية الحرب الهجينة الروسية، حيث استخدمت موسكو منذ بدء حرب أوكرانيا قدراتها السيبرانية المتقدمة لضرب شبكات الاتصالات والطاقة والمياه والبنوك في أوكرانيا. فقد سجلت وكالة الأمن السيبراني الأوروبية أكثر من 250 هجومًا سيبرانيًا روسيًا خلال عام 2022 وحده، استهدفت البنية التحتية الحيوية الأوكرانية ومؤسسات الناتو. في المقابل، أنشأت كييف ما عُرف بـ”جيش تكنولوجيا المعلومات الأوكراني” (IT Army of Ukraine)، وهو تحالف من المتطوعين والهاكرز المدعومين من القطاع الخاص الغربي، نفذ آلاف الهجمات ضد المواقع الروسية الحكومية والإعلامية والمصرفية. هذه الحرب السيبرانية المتبادلة دفعت حلف الناتو إلى إعادة تعريف مفهوم الأمن الجماعي ليشمل الردع السيبراني كجزء من الاستراتيجية الدفاعية للحلف، إذ أعلن في قمة مدريد 2022 أن “الهجوم السيبراني على أي دولة عضو يمكن اعتباره هجومًا جماعيًا بموجب المادة الخامسة من معاهدة واشنطن”.
استثمر الناتو بكثافة في بناء مراكز للابتكار الدفاعي السيبراني في كل من تالين وبروكسل، ورفع من ميزانية الحماية الرقمية للدول الأعضاء، مع التركيز على حماية سلاسل الإمداد والاتصالات الفضائية، في ظل مخاوف من استخدام موسكو قدراتها في الحرب الإلكترونية لإحداث شلل اقتصادي في أوروبا. وهكذا أصبحت “حرب المعلومات” أحد الميادين الأكثر حساسية، حيث تتقاطع فيها الجغرافيا الرقمية مع الأمن القومي، وتتحول البيانات إلى سلاح استراتيجي يعادل في تأثيره التفوق العسكري التقليدي. الناتو وروسيا ـ أين يقف الرأي العام الأوروبي من حلف شمال الأطلسي؟
2 ـ الناتو وروسيا ـ أوروبا في مواجهة الحرب الهجينة، بين الاستعداد والترويج لاقتصاد الحرب
تدخل أوروبا مرحلة جديدة من التحديات الأمنية المعقدة مع تصاعد مظاهر الحرب الهجينة الروسية، التي لم تعد تقتصر على ساحة أوكرانيا، بل امتدت إلى عمق القارة، مهددةً استقرارها الداخلي ومصداقية منظومتها الدفاعية. تتجلى الحرب الهجينة في مزيجٍ من العمليات السيبرانية، والتخريب المادي، والتضليل الإعلامي، واستغلال الأزمات الاقتصادية والطاقة والهجرة، ما جعل المواجهة تتجاوز الطابع العسكري إلى صراع شامل على النفوذ والتماسك السياسي والمجتمعي. وفي مواجهة هذا الواقع، بدأت أوروبا تتبنى نهجًا مزدوجًا يجمع بين تعزيز الجاهزية الدفاعية التقليدية والتحول نحو “اقتصاد الحرب”، عبر تعبئة صناعتها الدفاعية، وزيادة الإنفاق العسكري، وتطوير مشروعات دفاعية مشتركة تعيد تشكيل هوية الاتحاد الأوروبي كفاعل أمني مستقل لا يكتفي بالاعتماد على المظلة الأطلسية.
الأمن الأوروبي في عصر الحرب الهجينة
تشهد الدول الأوروبية ارتفاعًا ملحوظًا في أنشطة الحرب الهجينة الروسية الموثقة في جميع أنحاء أوروبا. في سبتمبر وأكتوبر 2025، أبلغت عدة دول عن تعطل متعمد للحركة الجوية في الاتحاد الأوروبي، يُعزى معظمه إلى عملاء روس. وتستمر هذه الظاهرة في التسارع، حيث أبلغت (12) دولة عضوًا عن توغلات غامضة بطائرات مُسيّرة. على سبيل المثال، أعلنت بلجيكا في 29 أكتوبر 2025 عن رصد طائرات مُسيّرة تُحلق بالقرب من منشآت عسكرية. وقد أظهرت تقارير أنه تم رصد (44) حادثة في عام 2024، بينما سُجلت (13) حادثة فقط في عام 2023. وبالمجمل، يُشتبه في تورط روسيا فيما لا يقل عن (56) عملًا تخريبيا أو عملية تأثير أو عنف مستهدف في جميع أنحاء أوروبا منذ عام 2022، فيما تركزت الأنشطة على دول البلطيق وفنلندا وألمانيا والنرويج وبولندا والمملكة المتحدة، وذلك بسبب دعمها القوي لأوكرانيا.
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في 9 أكتوبر 2025: “إن على أوروبا أن تواجه حقيقة الحرب الهجينة التي تُشن ضدها، حيث أخبرت المشرعين في الاتحاد الأوروبي أن سلسلة الحوادث لم تكن مضايقات عشوائية، بل كانت جزءا من حملة منسقة لزعزعة استقرار الكتلة وإضعافها”. أشارت باربرا غالو، رئيسة قسم التهديدات الهجينة في دائرة العمل الخارجي الأوروبية، في سبتمبر 2025، إلى أن: “قائمة الأنشطة الخبيثة الروسية طويلة، مؤكدة أنه تم عسكرة كل شيء، من الغذاء إلى الطاقة إلى الهجرة، بالإضافة إلى الهجمات الإلكترونية، والتلاعب بالمعلومات، والتدخل في الانتخابات، وأعمال التخريب، وتعطيل الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والقائمة تطول”. ملف الدفاع والأمن في ألمانيا، مفاهيم جديدة بعد حرب أوكرانيا
تعزيز الجاهزية الدفاعية لأوروبا
تشعر الدول الأوروبية بتهديد أمني حقيقي، فمن جهة تختبر روسيا دفاعات أوروبا المادية وتماسكها السياسي بعمليات تخريبية متزايدة الجرأة في “المنطقة الرمادية”، بينما تواصل حربها على أوكرانيا. في غضون ذلك، أوضحت الولايات المتحدة أن الأوروبيين سيحتاجون إلى الدفاع عن أنفسهم بدعم أقل بكثير من واشنطن في المستقبل. استجابةً لذلك، ترتفع ميزانيات الدفاع بشكل حاد في أجزاء كبيرة من أوروبا. ووفقًا لأحدث الأرقام الصادرة عن وكالة الدفاع الأوروبية (EDA)، سيصل الإنفاق الدفاعي على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى (2.1%) في عام 2025، مسجلًا ارتفاعًا من (1.6%) في عام 2023. وقد تجاوزت العديد من الدول الأوروبية هذا المستوى بالفعل، حيث من المقرر أن تنفق بولندا (4.48%) العام 2025. علاوة على ذلك، تعهد جميع أعضاء الناتو – باستثناء إسبانيا – بزيادة الإنفاق العام على الدفاع والأمن إلى (5%) بحلول عام 2035.
يبرز أحدث إجراءين ملموسين لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية:
ـ المبادرة الأولى “إعادة تسليح الاتحاد الأوروبي”، المعروفة باسم “جاهزية 2030″، وتدعمها فون دير لاين، وتهدف إلى تأمين (930) مليار دولار من الاستثمارات العامة والخاصة لقطاع الدفاع في جميع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. تقترح خارطة الطريق أن يركز تمويل الاتحاد الأوروبي على أربع “مشروعات رئيسية أوروبية للتأهب” أوسع نطاقًا: مبادرة دفاعية للطائرات بدون طيار، مراقبة الجناح الشرقي، تركز على تعزيز الحدود البرية، درع دفاع جوي وصاروخي، ودرع فضائي. وبعيدًا عن المكون المالي، تقدم المبادرة إصلاحات بيروقراطية تهدف إلى تبسيط المشتريات الدفاعية في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، ومنح الدول الأعضاء مرونة مالية أكبر، مما يسمح لها بتجاوز بعض قيود العجز في الميزانية إذا كان ذلك يعني زيادة الاستثمار في قواتها المسلحة. ومع ذلك، اعتبرت بعض البلدان، بما في ذلك إسبانيا وإيطاليا، مصطلح “إعادة تسليح الاتحاد الأوروبي” استفزازيًا للغاية، ولهذا السبب يُشار إلى المبادرة غالبًا باسم “الاستعداد لعام 2030”.
ـ المبادرة الرئيسية الثانية هي مبادرة العمل الأمني لأوروبا (SAFE)، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في استراتيجية الجاهزية 2030. تُقدّم المبادرة (150) مليار يورو كقروض وتمويل خاص لتعزيز صناعة الأسلحة الأوروبية. ومع ذلك، ستستغرق زيادات الإنفاق وقتًا حتى تؤدي إلى قدرات ملموسة. في الوقت الحالي، لا تزال الجيوش الأوروبية تواجه فجوات كبيرة في العديد من المجالات، من الدفاع الجوي والضربات بعيدة المدى إلى جمع المعلومات الاستخباراتية وقدرات القيادة والسيطرة، بالإضافة إلى نقص الأفراد. الدفاع ـ الطائرات بدون طيار، هل تنجح أوروبا في تحقيق مظلة دفاعية موحدة؟
مبادرة مراقبة الجناح الشرقي، “جدار الطائرات المسيرة“
ناقشت دول الاتحاد الأوروبي في أكتوبر 2025 إنشاء مشاريع دفاعية رائدة، مثل مبادرة “مراقبة الجناح الشرقي”، التي تقترح إنشاء شبكة جدار للطائرات المسيرة لحماية المجال الجوي من انتهاكات الطائرات المسيرة. يحظى الاقتراح بدعم خاص من دول البلطيق وشرق أوروبا، ويهدف إلى الردع وتأمين حاجز دفاعي، فضلا عن كونه وسيلة لتجميع الموارد لتعزيز الدفاع الجماعي في أوروبا. المبادرة الأوروبية للدفاع عن الطائرات المسيرة هي الاسم الرسمي لـ”جدار الطائرات المسيرة” المقترح، وهو منظومة متعددة الطبقات ومتطورة تقنيا من قدرات مكافحة الطائرات المسيرة. من المتوقع أن تدخل الخطة حيز التنفيذ في العام 2027، وتدعو إلى نهج شامل، بالاستفادة من أجهزة الاستشعار والرادارات وأجهزة الكشف الصوتي لتتبع أنظمة الطائرات المسيرة. وسيعتمد التحييد بعد ذلك على مجموعة من العناصر، من الرشاشات والليزر إلى الصواريخ الصغيرة والطائرات الاعتراضية المسيرة.
أثار هذا المفهوم الطموح انتقادات فورية لكونه غير واقعي ومكلفا، ويخاطر بالتركيز في غير محله على طيف التهديد الجوي الأقل خطورة، بدلًا من التهديد الصاروخي من المستوى الأعلى، فيما يبدو أن وزير الدفاع الألماني يُبدي رفضه القاطع للفكرة. تندرج مبادرة الدفاع عن الطائرات المسيرة ضمن برنامج مراقبة الجناح الشرقي الأوسع، وهو شبكة دفاع متكاملة تغطي منطقتي بحر البلطيق والبحر الأسود. تجمع هذه الخطة بين الدفاع الجوي وأنظمة الدفاع البري والأمن البحري لتعزيز القدرة على الصمود في وجه مجموعة من التهديدات التقليدية والسيبرانية والهجينة والبحرية التي تستخدمها روسيا وبيلاروسيا والتصدي لها. من المقرر أن يبدأ التنفيذ في عام 2026، على أن يتم الوصول إلى كامل وظائفها بحلول ال عام 2028. الناتو وروسيا ـ الحرب الهجينة وأدواتها في حرب أوكرانيا
عودة “خطة الردع” في البلطيق وبولندا
كان مفهوم الردع في أوروبا تقليديا، يعتمد على فكرة: “إذا هاجمنا، فإننا سنردّ”. لكن بعد حرب أوكرانيا في العام 2022، أصبح هناك تحوّل نحو مفهوم جديد: الاستعداد للدفاع من اللحظة الأولى، ومنع العدو من تحقيق مفاجأة أو اختراق سريع، خصوصا على الجناح الشرقي للناتو. اعتمد الناتو موقف “الردع بالإنكار”، المتجسد في المنطق الاستراتيجي “الصدّ لا الطرد”. تؤكد هذه الاستراتيجية على ضرورة ردع العدوان بشكل استباقي من خلال تكثيف الوجود العسكري للحلف في المنطقة، والتأكيد على أن أي هجوم سيُقابل برد سريع وقوي، بدلا من الرد على الهجوم بعد فوات الأوان لإحباطه. من المقرر أن تنفق ليتوانيا (380) مليون يورو على منطقة دفاع عسكرية على طول حدودها مع بيلاروسيا وروسيا. ويعكس هذا النهج الاستباقي مشروع “الدرع الشرقي” البولندي الطموح، المعروف باسم “خط توسك”، والذي يتضمن استثمارا بقيمة (2.4) مليار يورو لتعزيز حدود بولندا الشرقية. تهدف هذه الدفاعات إلى ردع التهديدات المحتملة بقوة بحلول عام 2028، حيث تنتقد الحكومة البولندية الليبرالية الجديدة الإدارة المحافظة السابقة لعدم كفاية الأسوار الحدودية.
تنص استراتيجية لاتفيا الأمنية الجديدة على أن تحمي القوات المسلحة أراضي البلاد ومدنييها “من أول سنتيمتر 2025”. وقد وافق وزير الدفاع اللاتفي أندريس سبرودس على خطة عسكرية لمنع التنقل بقيمة (303) مليون يورو على الحدود اللاتفية الروسية، على أن تُنفَّذ خلال (5) سنوات. وتشمل التفاصيل السرية للخطة تحويل الطرق الحدودية مع روسيا إلى حواجز دبابات، وإنشاء مصائد دبابات من خنادق الصرف. كما تشمل إجراءات التحصين السريع تخزين المتفجرات والعوائق على الحدود لنشرها بسرعة، والتحضير لتعطيل طرق النقل الرئيسية لإعاقة تقدم العدو. سيمتد الحاجز العسكري على طول الحدود الشرقية للاتفيا على مساحة (20) كيلومترًا، وقد خُصص له (25) مليون يورو للعام 2025 وحده. وقد أُبرمت بالفعل عقود توريد تشمل مواد محلية ومستوردة. بالنسبة لإستونيا، من المقرر أن تمتد منطقة الدفاع بعمق يصل إلى (40) كيلومترًا من الحدود الشرقية، وتغطي حوالي (100) كيلومتر.
ستمتد المنطقة على كامل الحدود البرية مع روسيا، من نارفا- جيسو إلى بحيرة بيبوس، ومن بحيرة بيهكفا إلى الحدود اللاتفية. تتضمن استراتيجية إستونيا للدفاع عن الحدود تدابير مُعقدة تشمل نقاط دعم دفاعية، بما في ذلك ما يصل إلى (600) ملجأ للمشاة، ومناطق تخزين لعناصر التحصين مثل أنياب التنين والأسلاك الشائكة، التي تُنشر في نقاط الدعم في حالة التهديدات العسكرية. وقد نسّقت دول البلطيق الثلاث وبولندا تصميماتها الدفاعية الحدودية. يجري تصميم (600) مخبأ مشاة إستوني، المخطط له على الحدود الشرقية، بناءً على متطلبات وحدات المشاة. وسيلي ذلك اختبارها في ظروف متعددة الأضلاع لضمان خصائص الحماية وسهولة استخدامها.
التحول نحو اقتصاد الحرب
أدى الصراع النشط إلى تحويل الإنفاق من الاستدامة في زمن السلم إلى الاستعداد للحرب. فقد زاد الإنفاق الدفاعي الحقيقي لأوروبا من عام 2014 إلى عام 2024 بنسبة (3.9%) سنويًا بالقيمة الحقيقية، وحققت مخزونات الدفاع الأوروبية أرقامًا قياسية مرارًا وتكرارًا في عام 2025. دفع نقص الذخيرة الاتحاد الأوروبي إلى زيادة شركات تصنيع مثل راينميتال من قدرتها الإنتاجية للمتفجرات بنسبة (60%). يبلغ حجم سوق الدفاع في أوروبا (133.54) مليار دولار أمريكي في عام 2025، ومن المتوقع أن يصل إلى (184.24) مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره (5.51%). إن موافقة ألمانيا في مارس 2025 على حزمة دفاع وبنية تحتية بقيمة تريليون يورو (1.18) تريليون دولار أمريكي تجعلها رابع أكبر منفق عسكري في العالم.
يدعم تخصيص بولندا البالغ (4.7%) من الناتج المحلي الإجمالي أسرع نمو في المنطقة. يركز التحديث على العمليات متعددة المجالات، مع استمرار هيمنة الأنظمة البرية، ولكن المنصات غير المأهولة والأصول الفضائية تتوسع بشكل أسرع. يتعزز الإنتاج المحلي مع سعي أوروبا إلى الاستقلال الاستراتيجي وسلاسل توريد أكثر مرونة. وتتسارع وتيرة التوحيد من خلال الصفقات الرئيسية مثل شراكة الدبابات بين ليوناردو وراينميتال، وهو ما يشير إلى التحول نحو برامج أكبر حجمًا وعابرة للحدود. وبينما تتصدر بعض الدول مثل بولندا أو ألمانيا في الزيادة، تشهد دول جنوب أوروبا نموًا أبطأ، مما قد يُولّد فجوات أمنية وصناعية داخل القارة. وفي تصريح نقدي، أشار مصرف إيطاليا المركزي في يناير 2025 إلى أن الإنفاق العسكري “لا يُساعد النمو طويل الأجل”، محذرًا من أن التركيز على التصنيع الحربي قد يُثقل الاقتصادات الاجتماعية.
يرى خبير التصنيفات الائتمانية فيديريكو سالازار، في مارس 2025: “أن أوروبا من الممكن أن تنفق نحو (500) مليار يورو على الدفاع خلال الأربع إلى الخمس سنوات المقبلة، مع تحذير من أن الدول تحتاج إلى تدابير موازنة للحؤول دون ارتفاع عجز الميزانية إلى نحو (6%) في الأمد المتوسط، مع ارتفاع تكاليف ليس فقط الدفاع، ولكن أيضًا المناخ ومدفوعات الفائدة. تشير هذه المعطيات إلى بروز استراتيجي لتحويل الصناعات الدفاعية نحو محرك اقتصادي مركزي في أوروبا: توظيف آلاف الوظائف الجديدة في القطاع، تنمية القدرات الصناعية، وتوجيه الاستثمارات الخاصة والعامة نحو ما يُسمّى “منظومة اقتصاد الحرب”، أو ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الجاهزية”. وبينما يرى بعض الخبراء أن هذه التحوّلات تحمل فرصًا كبيرة للنمو الاقتصادي وإعادة التصنيع، فإنهم يُحذّرون من أن التوازن المالي والاجتماعي يبقى هشًا إن لم تُرافقه إصلاحات هيكلية.
3 ـ الناتو وروسيا ـ أبعاد الهوية والأيديولوجيا في الصراع الأوروبي الروسي
كشفت حرب أوكرانيا منذ بدايتها في 24 فبراير لعام 2022، حجم الصراع بين أوروبا وروسيا الممتد منذ نهاية الحرب الباردة، ويرتبط هذا الصراع بأبعاد سياسية وأيديولوجية وتاريخية، ما يجعل تجاوز تبعات حرب أوكرانيا على العلاقات الروسية الأوروبية أمرًا صعبًا للغاية، خاصة أن الحرب الهجينة التي تعتمد على التجسس والهجمات الإلكترونية والعقوبات، باتت أداة فاعلة في التوترات الحالية بين الطرفين، الأمر الذي يطرح عدة تساؤلات وسيناريوهات متعددة حول مسار المشهد بين طرفي الصراع، في ظل انفصال روسيا تمامًا عن جيرانها في القارة الأوروبية.
حرب أوكرانيا، صراع على الأرض أم حرب هوية؟
تبنى الرأي العام الأوروبي موقفًا رافضًا للتقارب مع روسيا حتى قبل حرب أوكرانيا، وفي حين كانت تحشد روسيا قواتها على الحدود مع أوكرانيا في يناير 2022، أظهر استطلاع رأي في (7) دول أوروبية تشكل نحو ثلثي سكان الاتحاد الأوروبي أن التحركات الروسية تمثل تهديدًا لأوكرانيا والأمن الأوروبي. وارتفعت المخاوف لدى فنلندا وبولندا ورومانيا من احتمالية الهجوم على أوكرانيا، بينما تخوفت فرنسا وألمانيا ورومانيا وإيطاليا من قطع إمدادات الطاقة الروسية. اختلاف التوقعات بين الأوروبيين لم ينعكس على مواقفهم بشأن مواجهة التهديد الروسي، بل أبدت أغلب الدول الأوروبية استعدادها لتحمل عبء اللاجئين الأوكرانيين، والركود الاقتصادي، وارتفاع أسعار الطاقة، والهجمات الإلكترونية جراء التوتر مع روسيا.
أدركت دول شرق أوروبا تدريجيًا أهمية التحالفات الدولية لأمنها نظرًا للاعتبارات التاريخية ومخاوفها من توسع حرب أوكرانيا. وتغيرت النظرة إلى روسيا بعد إشادة الإعلام الروسي بهذا التحرك العسكري لاستعادة روسيا دورها التاريخي. كشف استطلاع رأي في يونيو 2023 تضاعف عدد الأوروبيين الذين يرون روسيا كعدو أو منافس منذ 2021، وأيدت أغلبية كبيرة زيادة القدرات الدفاعية. وأشار استطلاع الرأي الذي أجراه المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية إلى أن نحو (64%) من المشاركين في الاستطلاع من (11) دولة بالاتحاد يرون روسيا كمنافس، بينما يرى (55%) روسيا خصمًا.
تستند نظرة أوروبا إلى روسيا كخصم إلى سياساتها الخارجية وتدخلها العسكري في أوكرانيا ومعارضتها للتحالفات مثل الاتحاد الأوروبي أو حلف الناتو، واللجوء إلى أدوات الحرب الهجينة، مثل التدخل في الانتخابات والهجمات الإلكترونية والحملات المضللة، لذا تشكلت صورة في أوروبا عن روسيا باعتبارها تهديدًا للديمقراطية. ومع ضم شبه جزيرة القرم في 2014 وضم الأقاليم الأوكرانية الأربعة في 2022، تعززت صورة روسيا كقوة توسعية تتجاهل المعايير الدولية، في ظل توسع ترسانتها النووية والقدرات العسكرية والنفوذ في أفريقيا والقطب الشمالي وأمريكا اللاتينية.
يرى مدير السياسة الخارجية في مركز الإصلاح الأوروبي بلندن “إيان بوند” أن انتهاء حرب أوكرانيا لا يعني انهيار روسيا أو تفككها، بل ستظل روسيا تشغل المساحة الجغرافية نفسها مع احتمالية ضم بعض أجزاء من أوكرانيا. ويشير “إيان بوند” إلى أن ألمانيا الدولة الأوروبية التي كانت تجمعها علاقة قوية مع روسيا، مثلت لها الحرب صدمة جوهرية استراتيجية، موضحًا أن التاريخ والخبرة لدى الروس هيأتهم للتصرف بشكل مختلف عن مواطني الديمقراطيات الغربية. أثبتت روسيا على مدار (3) أعوام استعدادها لتنفيذ هجمات تخريبية على أراضي حلف الناتو، بمراقبة البنية التحتية الحيوية البحرية في أوروبا، ومحاولة التأثير على الرأي العام عبر أحزاب اليمين المتطرف.
يؤكد “إيان بوند”: “إن بعد توقف الحرب يجب على أوروبا مواصلة الاستثمار في دفاعاتها، وبناء القدرات العسكرية والمدنية اللازمة لمراقبة الأنشطة العدائية المحتملة، لاسيما أن شركات أوروبية ركزت على موسكو كمستودع لتقنيات عسكرية، واستغلت روسيا اعتماد أوروبا عليها في مصادر الطاقة”. لكن الضوابط الغربية التي فُرضت على تصدير الأسلحة ذات الاستخدام المزدوج، وفرض العقوبات على روسيا للحد من قدرتها على تصنيع أسلحة متطورة، والتراجع عن شراء الطاقة الروسية، باتت وسائل أوروبا لمواجهة الحرب الهجينة من روسيا، والحفاظ على الهوية الأوروبية من تدخلات روسيا. الناتو وروسيا ـ كيف يقرأ الحلف سلسلة التوغلات الجوية في الجناح الشرقي؟
إرث الحرب الباردة والاتحاد السوفيتي
يرتبط قلق أوروبا من عودة روسيا كقوة أوراسية مع انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية 1991، وتعزيز موسكو من قدراتها العسكرية وتحالفاتها الإقليمية، وتوسيع نفوذها عبر أمن المعلومات والطاقة. حتى حملت أوروبا روسيا الاضطرابات التي شهدتها جورجيا في 2008، ودعم الحركات الانفصالية في شبه جزيرة القرم في 2014، ما مهد لعملية ضمها وشن الحرب على أوكرانيا. حذر أحد أبرز منتقدي الكرملين “ميخائيل خودوركوفسكي”، في السابع من نوفمبر 2025، أوروبا من مواجهة طويلة الأمد مع روسيا بصرف النظر عن ميعاد انتهاء حرب أوكرانيا، متوقعًا عودة نوع من الحرب الباردة لنحو (10) سنوات. وأكد “ميخائيل خودوركوفسكي”: “أن الرادع الوحيد لروسيا إدراكها أن الغرب يمثل تهديدًا عسكريًا، مشككًا في فعالية الضربات الأوكرانية ضد مصافي النفط الروسية”.
تضمن خطاب الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في 2025 تحذيرًا من النفوذ الروسي على أوروبا، بالتزامن مع خطة أوروبا لإعادة التسليح. ويأتي الخطاب الحربي الأوروبي رغم تأكيد الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” عدم وجود رغبة لمهاجمة أوروبا. لكن يرتبط الأمر بالجذور التاريخية لروسيا، فهي تعد قوة أوروبية في آسيا، وتعد قوة آسيوية على أعتاب أوروبا، وعلى مستوى الأيديولوجية تمثل للشرق قوة غربية، بينما ينظر الغرب لها كدولة ذات توجه شرقي خطير. يرى عالم السياسة النرويجي “جلين ديسن” أن الانقسام الأيديولوجي بين أوروبا الغربية وروسيا يعود لقرون ممتدة، بين الديمقراطية والقيود السياسية، والصناعة مقابل الزراعة، والمجتمع المنفتح مقابل المجتمع المغلق، مشيرًا إلى أن روسيا فضلت الاحتفاظ بهذه الصورة لدى أوروبا حتى تصبح مصدر تهديد، ما يتطلب من أوروبا اتباع استراتيجية “الردع والاحتواء والتحول” تجاه روسيا وإجبارها على التغيير في النقاط الخلافية معها.
باتت أوكرانيا ساحة لتصفية الحسابات التاريخية بين روسيا وأوروبا، وتمثل لدى الطرفين رمزًا للسيادة والانتماء. وصف الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” في يوليو 2021 الروس والأوكرانيين بـ”الورثة المشتركين”، مشككًا في شرعية الدولة الأوكرانية على اعتبار أن هناك أجزاء من أراضيها كانت روسية تاريخيًا. ربط الكرملين حرب أوكرانيا بأهداف نزع النازية والسلاح، ما يحول الصراع إلى صراع تاريخي أخلاقي بدلًا من صراع جيوسياسي واقتصادي. نرى في شروط روسيا في قمة ألاسكا التي عُقدت في 15 أغسطس 2025 تمسكها بتنازل أوكرانيا عن منطقتي “دونيتسك ولوغانسك” بالكامل، لتجميد خطوط المواجهة في مناطق الجنوب مثل “خيرسون وزابوريجيا”، نظرًا لإصرار موسكو على الاستحواذ على إقليم “دونباس”، لما يمثله من أهمية استراتيجية للجانب الروسي، ويسهل عملية السيطرة على باقي أراضي أوكرانيا. لدفاع ـ إلى أي مدى يمكن أن يسهم التعاون البحري بين ألمانيا وكندا في ردع روسيا؟
“زيلينسكي” وديناميات جر أوروبا نحو الحرب
اعتمد الرئيس الأوكراني “فولوديمير زيلينسكي” على خطاب عاطفي لإقناع أوروبا بأنها جزء من الحرب وليست أوكرانيا فقط، وفي 24 يونيو 2022 تغير موقف أوروبا جراء ضغوط “زيلينسكي”، وأكد الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون”: “كنا سنرتكب خطأ سياسيًا لو لم نتواصل مع أوكرانيا”، متابعًا: “استمرار دعم الأوكرانيين في الدفاع عن استقلالهم”. في 17 أكتوبر 2024 جدد زيلينسكي طلبه مع قادة أوروبا للالتحاق بالناتو كخطوة وقائية، مقدمًا خطة النصر التي تؤكد على قرض مجموعة السبع الذي تم إقراره بنحو (45) مليار يورو، ويخصص منها الاتحاد الأوروبي (35) مليار يورو، بالاعتماد على الأرباح الإضافية الناتجة عن الأصول الروسية المجمدة في الغرب.
أوضح زيلينسكي في مؤتمر ميونيخ للأمن في 15 فبراير 2025: “إنه حان الوقت لإنشاء القوات المسلحة الأوروبية، داعيًا للتوافق حول سياسة خارجية ودفاعية مشتركة للقارة”. وفُتح الحديث مجددًا في 4 نوفمبر 2025 عن أن انضمام بلاده للاتحاد الأوروبي أحد الضمانات الأمنية، معززًا طلبه بأن الوحدة والقوة عنصران لنجاح المشروع الأوروبي. وجاء رد مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي “كايا كالاس”: “أن حصول بعض الدول على عضوية الاتحاد بحلول 2030 هدف واقعي، بعد أن أشار التقرير السنوي المتعلق بتوسيع الاتحاد إلى تحقيق دول من بينهم أوكرانيا تقدمًا كبيرًا نحو العضوية”.
يتعلق استمرار الدعم لأوكرانيا بالرغبة في استمرار الحرب واستنزاف قدرات روسيا من جانب، وإظهار قدرات حلفاء أوكرانيا لمواجهة أي خطر من جانب آخر. ومكنت المساعدات المالية الخارجية من الاتحاد الأوروبي أوكرانيا من استكمال المعارك، وتمويل المعدات العسكرية ودفع رواتب الجنود. ودعمت مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي الموازنة الأوكرانية، بتجنب اللجوء إلى طباعة نقود تقوض الاستقرار المالي خلال الحرب. وتستهدف المساعدات إعادة بناء البنية التحتية ودعم القطاع الخاص.
أكد الاتحاد الأوروبي في 30 سبتمبر 2025 أن دعمه مستمر وثابت لاستقلال أوكرانيا، بتقديم (164.8) مليار يورو كمساعدات لها. ويتنوع الدعم بين مالي وسياسي واقتصادي وإنساني، إضافة للدعم العسكري والدبلوماسي المعزز لموقف أوكرانيا دوليًا. وبلغ الدعم العسكري (59.6) مليار يورو، ويعيش نحو (4) ملايين أوكراني بدول التكتل الأوروبي تحت الحماية المؤقتة. وتقدم البعثة الاستشارية المدنية للاتحاد الأوروبي “EUAM” المشورة والدعم لإصلاحات قطاع الأمن المدني وعودة قوات إنفاذ القانون للأراضي، ودعم التحقيق في الجرائم الدولية وملاحقة مرتكبيها بما يتوافق مع مسار انضمام كييف للاتحاد. وبعد تعرض “زيلينسكي” لضغوط من نظيره الأمريكي “دونالد ترامب”، سارعت الحكومات الأوروبية في 21 أكتوبر 2025 للتوصل إلى اتفاق بشأن استخدام الأصول الروسية المجمدة، لتقديم قرض بقيمة (140) مليار يورو لأوكرانيا.
هل أصبحت كييف أداة لسياسات واشنطن داخل أوروبا؟
يقول مدير برنامج نادي فالداي “أندريه سوشينتسوف”: “إن الولايات المتحدة تستخدم الحرب الهجينة ضد روسيا، وتعتمد على أوكرانيا كأداة مناسبة لهذه الحرب باعتبارها دولة شاسعة لديها جيش كبير وقريبة جغرافيًا من روسيا، لذا زودتها في بداية الحرب بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية، وأرسلت لها مستشارين عسكريين، وعند نفاد الموارد وانتهاء دورها سيتم التخلي عنها”. موضحًا: “أن كييف لا تدرك أن مصالحها تختلف عن مصالح واشنطن، فالأولى لا تمتلك القدرة على إنهاء النزاع، بينما الثانية ترى في حالة النصر تفوقًا لسياساتها، وفي حالة الهزيمة ستترك هذا الملف، ما يعني أن عدم التوصل لحل جذري لتسوية الصراع يجعل أوكرانيا جيبًا عسكريًا غير مستقر بأوروبا الشرقية”.
تعد مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه أوكرانيا متقلبة، وفي 23 سبتمبر 2025 أكد “ترامب”: “إنه يعتقد أن أوكرانيا في وضع يسمح لها باستعادة كل الأراضي، ما يعد تناقضًا لموقفه الذي تبناه منذ بداية 2025 بالضغط على كييف للتنازل عن أراضيها لموسكو لإنهاء الحرب”. جاء التصريح بعد قمة ألاسكا وانتهاء المباحثات دون تقدم، ويربط خبراء بين تغير موقف ترامب وضعف الاقتصاد الروسي، وعلق الكرملين قائلًا: “تسببت الضربات على البنية التحتية لمصافي النفط الروسية في نقص محتمل للغاز، ولكن رغبة بوتين في تحقيق النصر لا تزال قائمة”.
سيناريوهان: التعايش مع روسيا أم المواجهة المفتوحة؟
يشمل “السيناريو الأول”، احتواء أوروبا للتصعيد الروسي بالرهان على العقوبات الاقتصادية واعتماد حزمة العقوبات الـ (19) في 23 أكتوبر 2025، وفرضها على قطاعي التمويل والطاقة. وتسعى أوروبا إلى قطع إمدادات الغاز الروسي بحلول يناير 2027، وفرض عقوبات على (117) سفينة تنتمي إلى “أسطول الظل”، ما يضعف آلة الحرب الروسية بالتوازي مع الدعم العسكري لأوكرانيا. وساهم تأجيل قمة “بودابست” في منح أوروبا فرصة لتعزيز موقفها في المفاوضات، واستخدام أدوات سياسية واقتصادية للضغط على روسيا بشأن شروط التفاوض، بالتزامن مع عرض بريطانيا وفرنسا إرسال قواتهما وطائراتهما كضمانة أمنية لأوكرانيا.
يتضمن “السيناريو الثاني”، فتح جبهة صراع ممتدة مع روسيا، حيث رفعت دول أوروبية استعداداتها لاحتمال مواجهة مفتوحة، بتجهيز الدعم العسكري لأوكرانيا تعويضًا للدعم الأمريكي، وتعزيز قدرات الجناح الشرقي للناتو، عقب تكرار حوادث اختراق المجال الجوي لبولندا ورومانيا والدنمارك ومطارات ألمانيا، وتحذيرات استخباراتية من اقتراب المواجهة المباشرة مع موسكو. في قمة “كوبنهاغن” في أكتوبر 2025 ركزت الدول على تكثيف الدعم العسكري لكييف، ما يجعل هذه القمة نقطة تحول لرسم استراتيجية دفاعية جديدة لتعزيز الموقف الأوروبي أمام التهديدات الروسية المحتملة. الاتحاد الأوروبي ـ ما تداعيات حرب أوكرانيا على سياسة “التوسّع والانضمام”؟
تقييم وقراءة مستقبلية
– تؤكد تجربة أوكرانيا أن الحرب الهجينة لم تعد مجرد مفهوم نظري، بل واقع استراتيجي يعيد رسم معايير الصراع في القرن الحادي والعشرين. وأصبحت الحرب متعددة الطبقات، حيث يمكن لعملية سيبرانية أو حملة تضليل رقمية أن تكون بنفس تأثير قصف ميداني.
– غيّرت الحرب الهجينة مفهوم “القوة”، فلم تعد الجيوش وحدها تمثل الردع، بل أصبحت الشركات التكنولوجية، وشبكات التواصل، ووسائل الإعلام أدوات رئيسية في المعركة. كما أدت إلى بروز فاعلين جدد غير حكوميين قراصنة، مؤثرون رقميون، شركات أمن خاصة، ومنصات ذكاء اصطناعي تعمل لصالح أطراف النزاع.
– من المتوقع أن يتعزز الاتجاه نحو دمج قدرات الاستخبارات العسكرية مع قدرات تحليل البيانات، لتحديد نقاط الضعف المجتمعية للخصوم واستغلالها في عمليات نفسية واقتصادية. كذلك سيزداد الاعتماد على الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الشركات الأمنية والتكنولوجية، التي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أدوات الحرب الحديثة.
– من المرجح أن تنشأ مدارس عقيدة عسكرية جديدة داخل الناتو وروسيا تركز على دراسة التداخل بين الأمن المادي والسيبراني والمجتمعي. وستواجه المؤسسات الدولية تحديًا قانونيًا غير مسبوق في تحديد مفهوم “العدوان” في ظل هذا الشكل من الحروب، ما سيؤدي إلى إعادة صياغة القوانين الدولية الخاصة باستخدام القوة، لتواكب الواقع الجديد الذي لم يعد فيه الخط الفاصل بين الحرب والسلام واضحًا.
– أصبح الذكاء الاصطناعي حجر الزاوية في مفهوم الردع المستقبلي، ويمثل تحوّلًا نوعيًا في العقيدة العسكرية للناتو وروسيا على حد سواء. يتوقع أن تتطور أنظمة القتال الذاتية لتصبح قادرة على اتخاذ قرارات هجومية ودفاعية دون تدخل بشري، ما يثير جدلًا حول “القتل الآلي” ومبدأ المساءلة القانونية في النزاعات.
– من المحتمل أن تصبح البيانات الضخمة (Big Data) المورد الأهم للأمن القومي، إذ تحدد دقتها وتحديثها لحظة النصر أو الهزيمة. كذلك يتزايد الخطر المزدوج لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الدعاية والحرب النفسية، حيث يمكن توليد محتوى زائف واقعي باستخدام تقنيات “Deepfake”، ما يجعل من الصعب التمييز بين الحقيقة والمصطنع. في المحصلة، يمثل الذكاء الاصطناعي سلاح المستقبل الذي سيحدد شكل الجيوش والحروب لعقود قادمة.
– يبدو أن أوكرانيا ستكون النموذج الأهم الذي ستستخلص منه القوى الكبرى دروسها في الحروب المقبلة، حيث لم يعد الانتصار العسكري مرتبطًا فقط بتدمير العدو، بل بقدرته على التحكم في تدفق المعلومات، وخلق واقعٍ افتراضي يمنح شرعية سياسية ومعنوية للعمليات العسكرية. وبذلك يمكن القول إن الحرب الهجينة أعادت تعريف الاشتباك العسكري العالمي، إذ لم تعد الحرب تُخاض فقط بالسلاح، بل بالعقل، وبالبيانات، وبالسيطرة على الإدراك الإنساني ذاته.
– تشهد أوروبا تحولًا استراتيجيًا جذريًا من مرحلة “رد الفعل” إلى مرحلة “الاستباق والدفاع الوقائي”، مدفوعة بوعي متزايد بأن روسيا لا تخوض حربًا تقليدية فحسب، بل حربًا هجينة متعددة الطبقات تستهدف البنى التحتية الحيوية والتماسك الاجتماعي الأوروبي.
– ترتبط الاستعدادات الأوروبية لمواجهة الحرب الهجينة من روسيا بمسارين متوازيين: الأول عسكري تقني يتمثل في إعادة بناء قدرات الردع والجاهزية من خلال مبادرات مثل “الاستعداد لعام 2030″ و”مبادرة SAFE” ومشروع “مراقبة الجناح الشرقي”، التي تؤسس لشبكات دفاع متكاملة تستخدم التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة. يعد المسار الثاني اقتصادي صناعي في إعادة توجيه الموارد المالية نحو الصناعات الدفاعية وتبني منطق “اقتصاد الحرب”، ما ينعكس في أرقام قياسية للإنفاق العسكري وتوسع غير مسبوق في الإنتاج المحلي للأسلحة والذخائر.
– من المرجح أن يشهد العقد القادم ترسيخ مفهوم الدفاع الأوروبي المشترك كأحد ركائز الاتحاد، مدفوعًا بتنامي التهديدات الروسية والضغوط الأميركية للانسحاب التدريجي من القيادة الأمنية للقارة. ستتحول مبادرات مثل “الدرع الشرقي” و”جدار الطائرات المسيرة” إلى رموز مادية لحقبة جديدة من “التحصين الأوروبي””ضد الحروب الهجينة.
– من المتوقع أن يعزز تسارع وتيرة الاستثمار الدفاعي من مكانة الشركات الأوروبية الكبرى مثل راينميتال وليوناردو، ممهّدًا لظهور مجمع صناعي عسكري أوروبي متكامل يتنافس عالميًا ويقلّص الفجوة التكنولوجية مع الولايات المتحدة والصين. بالمقابل، يحمل هذا التحول في طياته أيضًا مخاطر بنيوية، أبرزها ارتفاع مستويات المديونية، وتزايد عسكرة السياسات الاقتصادية، واحتمال دخول أوروبا في سباق تسلح مستدام قد يرهق اقتصاداتها في ظل تباطؤ النمو. يبدو أن أوروبا تتجه نحو توازن جديد بين الأمن والاقتصاد، حيث ستصبح القدرة على “تمويل الحرب ومنعها في الوقت نفسه” هي المعيار الحقيقي لقوتها الاستراتيجية في العقود المقبلة.
– أصبحت أدوات الحرب الهجينة بين روسيا وأوروبا جزءًا من التوترات الحالية لضغط كل طرف على الآخر في شروط التفاوض، واستنزاف القدرات في المعارك المستمرة بين موسكو وكييف. وباتت أوروبا بمفردها متصدرة المشهد أمام روسيا، ما يعني أن أي مواجهة مباشرة محتملة ستطول أوروبا وليست الولايات المتحدة، نظرًا للعامل الجغرافي ولاختلاف نظرة أوروبا عن الولايات المتحدة تجاه حرب أوكرانيا، حيث ترى أوروبا أن الصراع الراهن نقطة مفصلية، وتداعياته سترسم شكل توازنات القوة من جديد، خاصة أن الاعتبارات التاريخية والعلاقات التي جمعت قديمًا بين موسكو وكييف تعد عنصرًا مؤثرًا في المواقف التي تتبناها أوروبا وروسيا.
– تشير تصريحات المسؤولين والتقارير الاستخباراتية بأوروبا إلى تأهب بالقارة بشكل غير مسبوق لصراع طويل الأمد ومواجهة عسكرية محتملة مع روسيا، ما يعني أن الفترة المقبلة سيبذل الاتحاد الأوروبي مع بريطانيا جهدًا كبيرًا لوضع ضمانات أمنية مناسبة لأوكرانيا وباقي أوروبا، وتسريع خطط إعادة التسليح والصناعات الدفاعية المشتركة، الأمر الذي قد يزيد الضغوط على دول أوروبا لإنهاء أي خلافات حول هذه النقاط، ولتحقيق التوازن بين بنود الميزانيات الوطنية لدول الاتحاد الأوروبي.
– كانت دول أوروبا الغربية وتحديدًا فرنسا وألمانيا كانت تربطها علاقات مع روسيا وتنحاز لفكرة التقارب الأوروبي الروسي، لكن حرب أوكرانيا والتصعيد الروسي ضد دول البلطيق وفي البحرين الأسود والبلطيق دفعها إلى تبني موقف دول شرق أوروبا، التي ترتكز على أن روسيا خصم، وأن نهاية حرب أوكرانيا لا تعني نهاية التوترات معها، في ضوء العقوبات الأوروبية على قطاعات الطاقة والتمويل، وتزايد الهجمات الإلكترونية الروسية واستهداف نقاط حيوية في أوروبا.
– تعد مخاوف روسيا من انضمام أوكرانيا لحلف الناتو ذات بُعد تاريخي قوي، بانضمام دول البلطيق الثلاث “لاتفيا وإستونيا وليتوانيا” إضافة إلى رومانيا وبلغاريا وسلوفاكيا وسلوفينيا للناتو بعد تفكيك الاتحاد السوفيتي، الأمر الذي تعتبره روسيا تهديدًا لأمنها القومي، ما يعني أن العوامل الجيوسياسية والاقتصادية مؤثرة في حرب أوكرانيا.
– من المتوقع أن لن تتجاوز أوروبا عقدة روسيا التاريخية على المدى البعيد، وتعد تبعات التوترات على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية هي النقطة المؤثرة التي ستحدد آليات والمدى الزمني لتخطي هذه العقدة. من المحتمل أن أي فرص محتملة للتفاوض بين روسيا وأوكرانيا ستشهد مزيدًا من التحديات، خاصة أن أوروبا باتت تمتلك أدوات ضغط ضد روسيا لا تقل أهمية عن أوراق الضغط لدى روسيا.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=111656
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
Putin’s hybrid war against Europe continues to escalate
https://bit.ly/49E4xmc
Russia maintains network for hybrid warfare in Europe
https://bit.ly/47xMNHT
Cyber Warfare in Russo-Ukrainian War
https://bit.ly/4nMNgLc
Russia now has a strategy for a permanent state of hybrid war
https://bit.ly/3JNxCkF
**
EU faces surge in hybrid threats
https://2u.pw/U8A6Q1
The EU’s Defence Readiness 2030 Roadmap: Ambition and constraints
https://2u.pw/EgKxFz
New EU Defensive Initiatives Vital in Era of Hybrid Warfare
https://2u.pw/lBRxtm
Fortifying the Baltic Sea – NATO’s defence and deterrence strategy for hybrid threats
https://2u.pw/WUGjxW
EUROPEAN DEFENSE MARKET SIZE & SHARE ANALYSIS – GROWTH TRENDS & FORECASTS (2025 – 2030)
https://2u.pw/EbySsi
**
Principles for Europe’s relations with Russia after the war
https://shorturl.at/JvY1g
Views of Russia and Putin
https://shorturl.at/5UwrH
Putin’s archrival warns Europe: Brace for Cold War II whatever happens in Ukraine
https://shorturl.at/sc4NF
Trump has again changed his mind on Ukraine. But for how long?
https://shorturl.at/xWzSd
