الحرب الروسية الأوكرانية، قراءة عسكرية في الأبعاد التعبوية والعملياتية والاستراتيجية. بقلم اللواء الركن عماد علـو

مارس 16, 2022 | أمن دولي, دراسات, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
الدكتور اللواء الركن عماد علو

الدكتور اللواء الركن عماد علو

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا  و هولندا

إعداد: اللواء الركن المتقاعد  الدكتور عماد علـو، باحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية

الحرب الروسية الأوكرانية ، قراءة عسكرية في الابعاد التعبوية والعملياتية والاستراتيجية

المقدمة

شنت روسيا الاتحادية عملية عسكرية واسعة النطاق في الأراضي الأوكرانية بتاريخ 24 شباط 2022، لتعلن أن نظام الامن والاستقرار في اوروبا الذي كان سائدا” منذ الحرب العالمية الثاني (1939-1945)، لم يعد موجوداً، وأن هذا الأمر سيبقى مجهولاً على المدى القريب والبعيد، خصوصاً وأن هذه العملية العسكرية الروسية واسعة النطاق في أوكرانيا امتد تأثيرها بسرعة إلى أبعد من أمن وسيادة أوكرانيا نفسها، فهي شكلت نقطة انعطاف كبيرة في ميزان القوى العالمي، إذ ستحدد نتيجة الحرب علاقات القوة على المستوى الاستراتيجي الدولي لعقود عدة مقبلة، كما أنها أدت الى انعكاسات ضخمة على الاقتصاد العالمي، والسؤال المطروح هو عن الأبعاد التعبوية والعملياتية والاستراتيجية لهذه الحرب؟

المعركة في المستوى التعبوي

في المستوى التعبوي قامت القوات الروسية بتدمير وحدات القيادة والسيطرة الخاصة بالجيش الأوكراني، بالضربات الجوية والصاروخية والهجمات إلكترونية، إلا أنه من الصعب على الروس تدمير كل هياكل القيادة والسيطرة الأوكرانية. والملاحظ أن المعارك البرية تركزت حول السيطرة على الأراضي، بأسلوب الاختراق العميق وتخطي المدن والاكتفاء بتطويقها وتجنب الانخراط بقتالات المدن، والهدف من ذلك حرمان القيادات العسكرية الأوكرانية من المناورة بالقطعات العسكرية في الجغرافية الأوكرانية لمواجهة التفوق التكنولوجي بالأسلحة والمعدات والتجهيزات للقوات الروسية المهاجمة، التي تسعى للوصول الى سيناريو استسلام الجيش الأوكراني دون قتال أو احتكاك كبير بين القوات  ملف أزمة أوكرانيا و تداعياتها على الأمن الدولي .

الحرب في أوكرانيا في المستوى العملياتي

بات واضحاً اليوم بعد وصول القوات الروسية إلى مشارف العاصمة الأوكرانية كييف، وحجم القوات الروسية المشاركة في هذه العملية، إن هدف العملية لم يكن لفرض الاعتراف باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك، وأن الحرب الروسية على أوكرانيا ذات أهداف قصيرة المدى على المستوى العملياتي، كذلك لها أهداف بعيدة المدى، على المستوى الاستراتيجي.

ولفهم تأثير الحرب في أوكرانيا على المستوى العملياتي، فمن الواضح أن العمليات العسكرية بين القوات الروسية والقوات الأوكرانية اتسمت باستخدام أسلحة القتال التقليدية، ولم تذهب إلى استخدم الأسلحة الفوق تقليدية أو الاستراتيجية أو النووية على الرغم من تلويح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، برفع درجة استعداد القوات النووية الروسية في حالة تدخل حلف الناتو في الحرب. كما أن حجم العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا مقارنة مع القدرة الكاملة للقوات المسلحة الروسية. فبالنظر إلى القوات البرية الكثيفة التي دفع بها الجيش الروسي في أوكرانيا، والتي تتراوح بين (150-180) ألف جندي وتعد الأكبر حجماً من جميع التدخلات العسكرية الروسية السابقة في أفغانستان والشيشان وجورجيا، فإن هذه القوات تمثل أقل بقليل من ثلث إجمالي القوات الروسية البرية العاملة من دون احتساب قوات الاحتياط. وهذا يؤشر أن الخطة العسكرية الروسية لهذه العملية قد تحسبت لصراع محتمل مع “الناتو”، قد يندلع في اتجاهات أو ساحات قتال أخرى مثل منطقة القوقاز التي تحدت فيها جورجيا وتركيا نفوذ روسيا في الماضي، أو في مناطق آسيا الوسطى مثل كازاخستان، أو في شرق روسيا مثل جزر الكوريل التي استولت عليها روسيا حينما أعلنت الحرب على اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية  المقاتلون الأجانب في أوكرانيا ـ التداعيات المحتملة على الأمن الأوروبي  .

إن الملاحظ لخريطة محاور تقدم الأرتال الروسية وانتشارها شرق نهر الدنيبر تؤشر نجاح  الهجوم الروسي في اختراق حدود أوكرانيا المشتركة بأكملها. وإن لم يتمكن من التقدم بعمق في أوكرانيا في كثير من الأماكن، نتيجة الجهد الدفاعي الأوكراني القوي ضد الهجوم الروسي حتى الآن ، إلا أن هذا دليل على عدم قدرة أوكرانيا على الاحتفاظ بقدرة عسكرية دفاعية نشطة على الضفاف الشرقية لنهر دنيبر، مع تقدم القوات الروسية بشكل أعمق في أوكرانيا، مما دفع الجيش الأوكراني لتخلي عن أجزاء مهمة من المواقع الدفاعية واستبدلها بمواقع دفاعية جديدة لوقف تقدم القوات الروسية، التي تراهن من الناحية العملياتية على استنزاف الجهد الدفاعي الاوكراني بمرور الوقت وهوما سيمثل ضغطاً مستمراً على المدافعين الأوكرانيين الذين يحاولون درء خطر الانهيار التدريجي المحتمل للخطوط الدفاعية.

وقد يؤدي هذا إلى انسحابات إضافية إلى خطوط دفاعية أخرى إلى الوراء توفرها الجغرافيا الطبيعية لأوكرانيا مثل نهر الدنيبر، ما سيحقق الهدف العملياتي الكبير للمعركة الحاسمة على الضفاف الشرقية لنهر دنيبر التي ستشكل الحصيلة الجيوسياسية الكاملة لهذا الصراع بتقسيم أوكرانيا الى قسمين شرق الدنيبر وقسم آخر الى الغرب من نهر الدنيبر.

كل ذلك تؤشره الإنجازات العسكرية الروسية على المستوى العملياتي مثل تثبيت استقلال الانفصاليين، في جمهوريتي دونيتسك ولوهانسك، وكذلك تحقيق اتصال جغرافي بين الأراضي الروسية وشبه جزيرة القرم، على طول البحر الأسود وسواحل بحر آزوف، والتقدم نحو تحقيق اتصال بري من شبه جزيرة القرم عبر أوديسا إلى ترانسنيستريا (إقليم ذا أغلبية روسية في جمهورية مولدوفا) شرق أوكرانيا، وهو هدف كبير للعملية الروسية.

الحرب في أوكرانيا في بُعدها الاستراتيجي

لا شك أن البُعد الاستراتيجي للحرب الروسية الأوكرانية يكمن في المتغير الجيوسياسي الذي سينجم عن النتائج التي ستنتهي اليها العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. وقبل ذلك سيدفع الغرب ولاسيما حلف الناتو والولايات المتحدة الامريكية إلى إعادة النظر في تقييم القدرات العسكرية والاقتصادية الروسية، التي تستهدف من وراء عملياتها في أوكرانيا النيل من المصلحة الجوهرية للولايات المتحدة و”الناتو” في ضمان احتفاظ أوكرانيا بوجود عسكري قوي شرق نهر دنيبر، في وقت يسعى فيه الغرب لتحقيق توازن بين التأثير على مسار هذه المعركة وتجنب التصعيد الخطير بعدها  الأسلحة البيولوجية في النزاعات والحروب ـ أزمة أوكرانيا أنموذج .

وقد انعكس ذلك بوضوح في تردد “الناتو” والولايات المتحدة في المشاركة المباشرة في الصراع داخل أوكرانيا. فقد رفض الحلف فرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا، لأن من شأن أي مشاركة عسكرية مباشرة في أوكرانيا المخاطرة بانتشار الصراع العسكري، بما في ذلك امتداده إلى صراع نووي محتمل، بخاصة بعد قرار روسيا وضع قواتها النووية في حالة تأهب قصوى. الأمر الذي كان إشارة واضحة إلى الغرب بأن روسيا مستعدة لمزيد من التصعيد، إذا ما كانت الولايات المتحدة أو حلفاؤها في “الناتو” سيشاركون بشكل مباشر في أوكرانيا.

البعد الاستراتيجي الآخر للحرب الروسية الأوكرانية تمثل بالضربة القوية التي تلقاها الاقتصاد العالمي، تمثلت بشكل سريع وواضح في تفاقم أزمة الطاقة، وتوسع أزمة الغذاء وانهيار سلاسل الإمداد، ودخول العالم في موجة جديدة من التضخم. في وقت عبرت مؤسسات دولية وخبراء من تداعيات الأزمة على الاقتصاديات العالمية، حيث سيكون للصراع الجاري “تأثير جسيم” على الأسواق المالية العالمية، التي لم تتخط بعد التداعيات السلبية التي خلفتها جائحة كورونا.

المؤشرات الاقتصادية العالمية

إن تغير العديد من المؤشرات الاقتصادية العالمية دفع الأسواق العالمية إلى حالة متشككة وقلقة بشأن المستقبل، خصوصاً إذا ما طال أمد الحرب. إن العواقب الاقتصادية للحرب ستكون كبيرة بالنسبة لروسيا وأوكرانيا، ولكنها ستكون مختلفة لكل منطقة في العالم، حيث سيؤدي ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء إلى زيادة التضخم في البلدان الناشئة بنسبة كبيرة وفي بعض البلدان التي تصارع حاليا مع التضخم، لا سيما في أوروبا الوسطى وأميركا اللاتينية، حيث تحاول البنوك المركزية محاربة التضخم عن طريق رفع أسعار الفائدة.

وفي البعد الاستراتيجي فان روسيا إذا ما نجحت في تحقيق أهدافها في أوكرانيا ستستمر في توجيه التهديدات السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى عمق أوروبا وخارجها. وسيصل الأمر، بمرور الوقت، إلى استهلاك قدر أكبر من الموارد الغربية أكثر مما قد يتطلبه أي مستوى من الدعم لأوكرانيا في هذه اللحظة. ويبدو أن الاتحاد الأوروبي غير قادراً على اتخاذ موقف موحد حيال ما يجري، فالحل الأمثل لحل القضية هو التوسط الفرنسي الألماني، برغم وجود صعوبات في إقناع السلطات الأوكرانية كي تغير وجهة نظرها.

لقد أشار قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشن عملية عسكرية واسعة النطاق في أوكرانيا الى أن روسيا لن تتخلى عن أوكرانيا بموقعها الجيوسياسي والاقتصادي فأوكرانيا هي البلد الشقيق لروسيا وبدون أوكرانيا فلا قدرة لروسيا في منافسة الاقتصاد الأوروبي وكذلك اقتصاد كل من الصين والولايات المتحدة الامريكية. وعليه، فإن الهدف الاستراتيجي لروسيا في الحرب الروسية الأوكرانية هو حجز موقع متقدم في مستقبل الاقتصاد العالمي بما يؤمن لروسيا الاحتفاظ بموقعها كقوة عظمى فاعلة ومؤثرة في الامن والاستقرار العالمي. ويبقى السؤال المهم، إلى أي مدى سيستمر الغرب والولايات المتحدة بقبول التعاطي مع الحلم أو الهدف الاستراتيجي الروسي في أوكرانيا؟

رابط مختصرhttps://www.europarabct.com/?p=80656

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...