المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران، كيف تعيد تركيز أوروبا على البحر المتوسط؟
كان الدافع وراء عملية الإصلاح الدفاعي الأخيرة في أوروبا هو حرب أوكرانيا لكن محاولة إيران ضرب قبرص خلال مارس 2026 قد تعيد منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط إلى مركز تقييم التهديدات في التكتل. في العام 2025، طرحت المفوضية أربعة مشاريع واسعة النطاق لإعداد القارة للدفاع عن نفسها بحلول عام 2030. في ذلك الوقت، كان التهديد الروسي هو الشغل الشاغل، حيث كرر مفوض الدفاع أندريوس كوبيليوس أن موسكو يمكن أن تهاجم الاتحاد الأوروبي في غضون العقد المقبل.
طرحت المفوضية فكرة إنشاء مراقبة للجانب المتوسطي بعد أن ضغطت عدة دول جنوبية في الاتحاد الأوروبي من أجل اعتراف أكبر بمخاوفها الأمنية في بروكسل. في ظل خطر جرّ الضربات الإيرانية على قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص إلى المواجهة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في شرق المتوسط التابع للاتحاد الأوروبي، تبدو تلك الدعوات إلى مزيد من الأمن في البحر المتوسط ملحة وذات مغزى في آن واحد.
زيادة التنسيق الدفاعي في المنطقة
تعد مشاريع الاتحاد الأوروبي الدفاعية الأربعة مجرد شعارات أكثر منها مبادرات ملموسة. إلا أن الهجمات على قبرص تضفي على هذه الأفكار معنى جديدا، وقد حفزت على زيادة التنسيق الدفاعي في المنطقة. أكدت المفوضية الأوروبية: “إن ما يحدث يظهر الحاجة إلى إعادة النظر في المشاريع الرئيسية التي ننسقها مع الدول الأعضاء”، مؤكدة على ضرورة “المضي قدما” في المشاريع المخطط لها. أرسلت اليونان طائرات مقاتلة وفرقاطات إلى نيقوسيا. وفي الوقت نفسه، قال رئيس الوزراء القبرصي نيكوس خريستودوليدس إنه تحدث مع الرئيس الفرنسي والمستشار الألماني ورئيس الوزراء الإيطالي بشأن الوضع الأمني. وأضافت حكومة قبرص أن فرنسا سترسل فرقاطة واحدة مجهزة بأنظمة مضادة للصواريخ الباليستية وقدرات مضادة للطائرات بدون طيار.
مراقبة الجناح الشرقي
تثار تساؤلات حول ما إذا كان التصعيد في الشرق الأوسط ستجذب الموارد العسكرية التي تشتد الحاجة إليها بعيدا عن الجناح الشرقي لأوروبا. أعرب دبلوماسي أوروبي من إحدى دول شرق الاتحاد الأوروبي عن قلقه من أن التطورات التي أعقبت الضربات الجوية في إيران تستحوذ على الاهتمام السياسي والموارد. وأشار المصدر إلى أن أوكرانيا بحاجة إلى أنظمة دفاع جوي لصد الهجمات الروسية، والتي قد تحتاجها لحماية القواعد الغربية الواقعة ضمن نطاق إيران.
تعهدت مجموعة من ثماني دول، بقيادة مشتركة من بولندا وفنلندا، العام 2025 بتطوير مشروع مراقبة الجناح الشرقي أحد مشاريع المفوضية الأربعة لردع الهجمات المحتملة من جانب روسيا. ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح متى ستتحقق هذه الخطط. وأوضح أحد المصادر المشاركة في المناقشات أنه يمكن نشر القدرات الدفاعية المستخدمة في مشروع واحد في مكان آخر في القارة لتلبية الاحتياجات الوطنية لدولة أخرى.
لم يتم اعتماد أي من مشاريع الدفاع الأربعة واسعة النطاق رسميا من قبل الكتلة بأكملها حتى مارس 2026. تشير خارطة طريق الجاهزية الدفاعية للمفوضية الأوروبية إلى أن مراقبة الجناح الشرقي، على وجه الخصوص، ستشمل قدرات مضادة للطائرات المسيّرة، وقدرات دفاعية، وقدرات بحرية. إلا أن ذلك يعتمد على القدرات التي ترغب دول الاتحاد الأوروبي في تجميعها وتطويرها وشرائها. ناقشت العواصم في يناير 2026 بالفعل القدرات الجديدة التي يمكن تطويرها بشكل مشترك، والتي يمكن استخدامها بعد ذلك في هذه المشاريع واسعة النطاق، بما في ذلك عرض قدرات الدفاع الجوي من قبل فرنسا وإيطاليا وألمانيا.
النتائج
مع تصاعد التهديدات في شرق البحر الأبيض المتوسط بسبب الضربات الإيرانية على قبرص في مارس 2026، يُصبح تعزيز الدفاع الأوروبي ضرورة استراتيجية عاجلة إلى جانب التركيز المستمر على الجناح الشرقي للاتحاد الأوروبي. كانت حرب أوكرانيا الدافع الرئيس وراء الإصلاح الدفاعي الأخير في القارة، لكن التحولات الأخيرة تُبرز الحاجة إلى إعادة تقييم أولويات القدرات الدفاعية ومراقبة التهديدات على المستويين المتوسطي والشرقي.
توضح الأحداث أن مشاريع الاتحاد الأوروبي الدفاعية الأربعة، رغم أهميتها الرمزية، لم تتحول بعد إلى مبادرات ملموسة يمكن الاعتماد عليها في أزمات فعلية. الهجمات على قبرص أعادت الحيوية لمفهوم التنسيق الدفاعي، ودعت دول جنوب الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية إلى تسريع تنفيذ المشاريع وتوحيد الموارد. التدابير الأولية تشمل إرسال طائرات وفرقاطات، وتوفير فرقاطات مجهزة بقدرات مضادة للصواريخ والطائرات بدون طيار، في محاولة لتأمين نقاط حيوية مثل قبرص وضمان حماية الممرات البحرية.
على الجناح الشرقي، يبقى التركيز على الردع أمام التهديد الروسي ضروريا. مشاريع مراقبة الجناح الشرقي التي تقودها ثماني دول بقيادة بولندا وفنلندا تهدف إلى تطوير قدرات مضادة للطائرات المسيّرة والدفاعية والبحرية، مع إمكانية توظيف هذه القدرات بشكل مرن عبر القارة لتلبية الاحتياجات الوطنية. ومع ذلك، لا تزال هذه المشاريع غير معتمدة رسميا، وهو ما يفرض تسريع عملية تجميع القدرات وتطويرها لتجنب فجوات دفاعية محتملة.
من منظور استراتيجي، تبرز أربعة مجالات رئيسية لتعزيز الأمن الأوروبي: أولا، تحسين التنسيق الدفاعي بين الدول الأعضاء لضمان سرعة الاستجابة. ثانيا، تطوير أنظمة مراقبة وإنذار متقدمة لمواجهة تهديدات جوية وبحرية متعددة. ثالثا، توسيع القدرات المشتركة بحيث يمكن إعادة توجيه الموارد عند الحاجة. رابعا، الحفاظ على الإرادة السياسية والموارد لضمان استدامة الاستعداد الدفاعي في أزمات متعددة الجبهات.
إن أوروبا بحاجة إلى مزيج من الاستعداد العملياتي والسياسي لتفادي أي استغلال للأزمات الخارجية، سواء من جانب إيران أو روسيا، وضمان تعزيز الأمن على الجناحين المتوسطي والشرقي بشكل متوازن.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115851
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
