المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
حرب إيران، هل يمكن أن تمتد إلى الناتو؟
يعزز حلف شمال الأطلسي “الناتو” حالة التأهب والاستعداد العملياتي لأنظمة دفاعه الباليستية ردا على الهجمات الصاروخية الإيرانية على تركيا. وقد أعلن المقر العسكري للحلف في مونس، بلجيكا، هذا القرار في الخامس من مارس 2026. هل يمكن أن تكون الخطوة التالية تدخلا مباشرا من حلف الناتو في حرب؟. تثير هجمات إيران على تركيا وقاعدة بريطانية في قبرص هذا التساؤل. ففي نهاية المطاف، تنص المادة الخامسة من معاهدة الاتحاد الأوروبي على أن أي هجوم مسلح على أي عضو في حلف الناتو يعتبر هجوما على جميع الأعضاء، وبالتالي يفترض أن يقدم الناتو المساعدة. إلا أن الوضع مع إيران معقد. إليكم خمسة أسباب تجعل التدخل المباشر من الناتو أقل احتمالا.
لا توجد عملية تلقائية بموجب المادة 5
لا يلزم تقديم المساعدة إلا إذا طلبها الحليف المهاجم. وحتى الآن، لم تطلب بريطانيا ولا تركيا المساعدة، ولا توجد مؤشرات تذكر على تغير هذا الوضع في المستقبل القريب. والسبب هو أن الهجمات الإيرانية كانت محدودة النطاق حتى الآن، ويعتبر كلا البلدين قدراتهما الدفاعية الحالية كافية. ففي جزيرة قبرص المتوسطية، اصطدمت طائرة مسيرة إيرانية الصنع بحظيرة طائرات في قاعدة أكروتيري الجوية البريطانية، مسببة اضرارا طفيفة فقط. أما الصاروخ الباليستي الذي أطلق من إيران باتجاه تركيا، فقد اعترضه نظام دفاع جوي تابع لحلف الناتو.
عقبة الإجماع
حتى لو غيرت تركيا وبريطانيا رأيهما وطلبتا المساعدة، فليس من المؤكد تماما أن تمنح لهما بموجب المادة 5. والسبب هو أنه، وفق التفسير السائد، لا يسري الالتزام بتقديم المساعدة بموجب المادة 5 إلا إذا لجأ مجلس شمال الأطلسي، بوصفه أعلى هيئة سياسية لصنع القرار في الحلف، إلى المادة 5 بالإجماع. ويبقى من غير المؤكد إمكانية التوصل إلى مثل هذا الإجماع في الصراع الحالي في الشرق الأوسط، لا سيما بعد أن دخل الصراع مرحلته الأكثر حدة مع الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران. وتعتبر دول حليفة مثل إسبانيا وفرنسا العمليات العسكرية التي قامت بها الدولتان انتهاكا للقانون الدولي.
يمكن تقديم الدعم ايضا دون اللجوء إلى المادة 5
إذا ما خلصت دول الناتو، كتركيا، إلى أنها بحاجة فعلا إلى مساعدة في الدفاع ضد الهجمات الإيرانية، فيمكنها مبدئيا طلب الدعم دون اللجوء إلى المادة الخامسة. وقد اتخذت بولندا نهجا مماثلا في سبتمبر عقب انتهاكات المجال الجوي من قبل طائرات مقاتلة روسية وطائرات كاميكازي مسيرة. وأطلق القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا لاحقا عملية “الحارس الشرقي”، حاشدا قدرات إضافية للمراقبة والدفاع الجوي. وقررت ألمانيا حينها نشر طائرات يوروفايتر في قاعدة مالبروك الجوية في بولندا. ويحق للقائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي بدء عمليات من هذا النوع حتى دون قرار رسمي من جميع الحلفاء.
ينطوي تقديم طلب بموجب المادة 5 على مخاطر
سيكون رفض طلب المساعدة بموجب المادة الخامسة من حلف الناتو بسبب الخلافات السياسية بمثابة فشل كارثي للحلف. فقد يثير هذا السيناريو شكوك خصوم مثل روسيا حول وحدة الحلف. علاوة على ذلك، قد يؤدي تدخل الناتو إلى تصعيد الصراع في الشرق الأوسط، ويمنح إيران ذريعة لمهاجمة حلفاء أوروبيين آخرين. كما سيكون من الضار بالحلف تفعيل المادة الخامسة، ثم تقديم دعم عسكري محدود من قبل الدول الأعضاء. وهذا ممكن لأن الدول الأعضاء، حتى بعد تفعيل المادة الخامسة، يمكنها أن تقرر بشكل مستقل التدابير التي تراها ضرورية. فلا يوجد نشر عسكري تلقائي من جميع الدول الأعضاء في الناتو.
اللجوء إلى المادة الرابعة
إذا كان البعد الرمزي هو الشاغل الرئيسي، فبإمكان تركيا والمملكة المتحدة اللجوء إلى المادة الرابعة من معاهدة حلف شمال الأطلسي “الناتو” ردا على الضربة الصاروخية، وهو ما يعد غالبا تمهيدا لتدابير وقائية منسقة. تنص المادة الرابعة على إجراء مشاورات عندما تشعر دولة عضو في الناتو بأنها معرضة لتهديد خارجي. وتحديدا، تنص على ما يلي: “تتشاور الأطراف فيما بينها إذا رأت إحداها أن السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي أو الأمن لأي من الطرفين مهدد”. وقد تم تفعيل هذه المادة تسع مرات منذ تأسيس الحلف عام 1949، وكان آخرها في 23 سبتمبر 2025، بعد أن انتهكت ثلاث طائرات مقاتلة روسية المجال الجوي الإستوني. وتعد هذه المشاورات رمزية في المقام الأول، إذ ترسل إشارة إلى الخصم. ومع ذلك، يمكن أن تفضي إلى حصول الدول المهددة على دعم إضافي من الحلف في مجالي الردع والدفاع.
النتائج
تشير التطورات المرتبطة بالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى احتمال اتساع رقعة التوتر، إلا أن انتقال الصراع إلى أوروبا بشكل مباشر يظل سيناريو محدود الاحتمال في المدى القريب. فالدول الأوروبية تدرك أن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تفتح جبهة استراتيجية جديدة تتجاوز قدراتها السياسية والعسكرية، خصوصا في ظل استمرار حرب أوكرانيا والضغوط الاقتصادية الداخلية في العديد من دول الاتحاد الأوروبي.
من المرجح أن يركز حلف شمال الأطلسي على تعزيز الدفاعات الجوية والصاروخية في الجناح الجنوبي الشرقي للحلف، خاصة في تركيا وشرق البحر المتوسط. وقد يشمل ذلك نشر مزيد من أنظمة الدفاع الصاروخي، وزيادة دوريات المراقبة الجوية والبحرية، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الحلفاء. ويهدف هذا النهج إلى احتواء أي تهديد محتمل دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
أما في المدى المتوسط، فقد يؤدي استمرار الضربات المتبادلة في الشرق الأوسط إلى ارتفاع مخاطر الحوادث العسكرية غير المقصودة، مثل سقوط صواريخ أو طائرات مسيرة في أراضي دول أوروبية أو استهداف قواعد عسكرية غربية في المنطقة. مثل هذه الحوادث قد تدفع دول الناتو إلى تفعيل مشاورات سياسية وأمنية أوسع، وربما اتخاذ إجراءات ردع إضافية، دون الوصول بالضرورة إلى تفعيل المادة الخامسة.
في المقابل، تدرك إيران أن توسيع نطاق الصراع ليشمل أوروبا قد يؤدي إلى توحيد الموقف الغربي ضدها بشكل كامل، وهو ما تحاول طهران تجنبه في ظل الضغوط الاقتصادية والعقوبات الدولية. لذلك من المرجح أن تستمر إيران في اتباع استراتيجية الرد غير المباشر أو المحدود، سواء عبر عمليات سيبرانية أو من خلال حلفاء إقليميين.
يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحا هو بقاء الصراع محصورا جغرافيا في الشرق الأوسط، مع انعكاسات أمنية غير مباشرة على أوروبا، مثل تعزيز الاستعدادات العسكرية وارتفاع مستوى التوتر السياسي. أما تحول الحرب إلى مواجهة واسعة تشمل الأراضي الأوروبية، فسيظل احتمالا قائما لكنه مرتبط بحدوث تصعيد كبير وغير محسوب بين الأطراف المعنية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115877
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
