المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الجهاديون ـ هل ينجح الاتحاد الأوروبي في حسم ملف العائدين من داعش؟
بحسب تقديرات منظمة الحقوق والأمن الدولية، عاد ما يقارب 1000 امرأة وقاصر محتجزين في شمال شرق سوريا إلى الاتحاد الأوروبي حتى 20 فبراير من العام 2026. ومع ذلك، يرى البرلمان الأوروبي أن على الدول الأعضاء “تقديم البالغين إلى العدالة في محاكمات عادلة”. ففي قرار حظي بموافقة أغلبية ساحقة، ندد البرلمان الأوروبي بتدمير دمشق للإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا. ووفقا لمجلس ستراسبورغ، فإن العنف الذي يرتكبه الجيش السوري ضد السكان الأكراد “قد يشكل انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وفي بعض الحالات، جرائم حرب”. وفي فقرة أخرى مهمة، دعا أعضاء البرلمان الأوروبي الدول الأعضاء إلى إعادة جميع مواطنيها الذين انضموا إلى تنظيم داعش، والمقاتلين الأجانب، وعائلاتهم، المحتجزين منذ سنوات في معسكرات اعتقال يديرها الأكراد.
تم اعتماد القرار، الذي صاغته خمس جماعات سياسية، تتراوح بين المحافظين في اللجنة الأوروبية للإصلاح والإصلاح واليسار الراديكالي، بأغلبية 363 صوتا مقابل 71 صوتا معارضا وامتناع 81 عضوا عن التصويت. ولم تتم الموافقة على أي من التعديلات المقترحة على النص. وبالإضافة إلى الجماعتين السياديتين، وهما “الوطنيون من أجل أوروبا” و”أوروبا للأمم ذات السيادة”، عارضت أو امتنعت معظم جماعات اللجنة الأوروبية للإصلاح والإصلاح واليسار عن التصويت، بما في ذلك وفد “إخوة إيطاليا”.
بعد الاتفاق الذي بموجبه استسلم المقاتلون الأكراد من قوات سوريا الديمقراطية فعليا لحصار جيش دمشق، أكد أعضاء البرلمان الأوروبي أن “الإعدامات خارج نطاق القضاء، والاختفاء القسري، والاعتقالات التعسفية، والتهجير القسري، والهجمات على البنية التحتية المدنية قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وفي بعض الحالات، إلى جرائم حرب”. ويصر القرار على أن تضمن حكومة أحمد الشرع الانتقالية “الاعتراف الكامل، والمساواة في الحقوق، والمشاركة السياسية للمجتمع الكردي”، مع الحفاظ على “وحدة أراضي سوريا”. أشار البرلمان الأوروبي إلى “الدور الحاسم للقوات الكردية، بما في ذلك المقاتلات، في الحرب ضد داعش”، مشيدا “بالتعاون الممتاز مع التحالف الدولي في حرب الاتحاد الأوروبي ضد الإرهاب الذي يرتكبه داعش والتهديد الذي يشكله على أوروبا ومواطنيها وعواصمها”.
تبقى القضية الأكثر تعقيدا من وجهة نظر أوروبية هي قضية أكثر من 40 ألف أسير من تنظيم داعش، بمن فيهم المقاتلون وعائلاتهم. بعد هزيمة داعش، فوض المجتمع الدولي مسؤولية إدارة مخيمي الهول والروج إلى القوات الكردية. والآن، ينبغي نقل هذا العبء إلى الجيش النظامي في دمشق. سيتم نقل بعض الأسرى إلى العراق. لكن في فبراير 2026، وسط فوضى الاشتباكات بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية، يعتقد أن آلاف الأسرى قد فروا.
من بين الأربعين ألفا، يوجد عدة آلاف من المواطنين الأوروبيين الذين انضموا إلى تنظيم داعش في سوريا قبل عشر سنوات. ودعا أعضاء البرلمان الأوروبي الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء إلى “اتخاذ تدابير ملموسة لضمان إدارة طويلة الأمد لمعتقلي تنظيم داعش ومعسكراتهم”، ولكن قبل كل شيء إلى “إعادة جميع مواطنيهم، وخاصة الأطفال، من معسكري الهول والروج، وتقديم البالغين إلى العدالة في محاكمات عادلة”. كانت هذه النقطة من بين أكثر النقاط إثارة للجدل، حيث قدمت جماعات اليمين تعديلات لإزالتها من النص. دعت لجنة الإصلاحيين والإصلاحيين الأوروبيين إلى إعادة تأكيد “حق الدول الأعضاء في رفض إعادة المقاتلين الجهاديين إلى بلدانهم الأصلية وسحب جنسيتهم”، بينما جادلت حزب الشعب من أجل أوروبا بأنه “ينبغي محاكمة المقاتلين الأجانب في البلد الذي ألقي القبض عليهم فيه أو في البلد الذي ارتكبوا فيه الجرائم”. ومع ذلك، وافقت أغلبية مجلس العموم على الفقرة الواردة في النص الأصلي.
بحسب بيانات منظمة الحقوق والأمن الدولية البريطانية غير الحكومية، المحدثة في سبتمبر 2025، أعادت 11 دولة عضوا ما يقارب ألف مواطن محتجزين في مخيمات شمال شرق سوريا. أكثر من نصفهم، أي 600 مواطن، فرنسيون. أعادت باريس 541 قاصرا و59 امرأة إلى فرنسا. أعادت ألمانيا 108 مواطنين، 80 قاصرا و27 امرأة، وهولندا 46 قاصرا و20 امرأة، وبلجيكا 32 قاصرا و13 امرأة، والسويد 27 قاصرا و10 نساء، وفنلندا 18 قاصرا و5 نساء، والدنمارك 18 قاصرا و5 نساء، وإسبانيا 13 قاصرا وامرأتين، والنمسا 5 قاصرين وامرأتين، وإيطاليا 4 قاصرين وامرأة واحدة.
النتائج
يعكس قرار البرلمان الأوروبي بشأن معتقلي تنظيم داعش في شمال شرق سوريا تحولا واضحا نحو مقاربة أكثر حسما تقوم على مبدأ الجمع بين العدالة والأمن، بدلا من ترك الملف معلقا في منطقة رمادية قانونيا وسياسيا. فالدعوة الصريحة إلى إعادة المواطنين الأوروبيين، وخاصة الأطفال، وتقديم البالغين إلى محاكمات عادلة، تشير إلى إدراك متزايد بأن استمرار احتجاز آلاف الأشخاص في بيئة هشة أمنيا لا يمثل حلا مستداما، بل يحمل مخاطر تراكمية على المدى المتوسط والبعيد.
من الناحية السياسية، يكشف التصويت بأغلبية كبيرة عن وجود كتلة وازنة داخل البرلمان الأوروبي ترى أن إدارة الملف خارج الإطار القضائي الأوروبي يضعف مصداقية الاتحاد في الدفاع عن سيادة القانون. ومع ذلك، فإن حجم الاعتراضات، خصوصا من أطراف يمينية تدعو إلى سحب الجنسية أو محاكمة المقاتلين في أماكن اعتقالهم، يعكس استمرار الانقسام الداخلي بشأن كيفية الموازنة بين الاعتبارات الأمنية والالتزامات القانونية.
أمنيا، يمثل فرار آلاف الأسرى المحتمل في ظل الفوضى الميدانية عاملا ضاغطا يدفع نحو تسريع الحسم. فكلما طال أمد الفراغ الإداري في المخيمات، زادت احتمالات إعادة تشكل شبكات متطرفة أو انتقال عناصر مدربة إلى ساحات توتر أخرى. وعليه، فإن إعادة مواطنين خاضعين للرقابة القضائية داخل دولهم قد تكون خيارا أكثر أمنا من تركهم في بيئة غير مستقرة.
قانونيا، يواجه الاتحاد الأوروبي اختبارا يتعلق بمدى قدرته على توحيد المعايير بين الدول الأعضاء. الأرقام تظهر تفاوتا واضحا في سياسات الاستعادة، حيث تحملت بعض الدول، مثل فرنسا وألمانيا، العبء الأكبر. وفي حال غياب آلية أوروبية منسقة، سيظل الملف عرضة للتسييس الداخلي في كل دولة، ما قد يؤدي إلى مقاربات متباينة تضعف الجهد الجماعي.
مستقبليا، من المرجح أن يتجه الاتحاد نحو صيغة مزدوجة تقوم على تعزيز الدعم اللوجستي والقضائي للدول التي تستعيد مواطنيها، بالتوازي مع الضغط من أجل إدارة أكثر استقرارا للمخيمات في سوريا خلال المرحلة الانتقالية. غير أن نجاح هذه المقاربة سيبقى رهينا بتطورات الوضع الأمني في شمال شرق سوريا، وبقدرة الحكومات الأوروبية على احتواء التداعيات السياسية الداخلية لملف شديد الحساسية يرتبط مباشرة بمخاوف الرأي العام من الإرهاب والهجرة والأمن القومي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115330
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
