المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الجهاديون ـ هل تستطيع البرامج الحكومية الأوروبية احتواء العائدين من داعش؟
تثير عودة النساء والأطفال المرتبطين بتنظيم داعش إلى أوروبا نقاشًا واسعًا داخل القارة، وذلك حول قدرات السلطات الأوروبية على إعادة دمجهم في المجتمعات. يبرز في هذا السياق انقسامات حول العوامل التي تحدد نجاح أو فشل برامج إعادة التأهيل والإدماج، ودور المجتمعات الأوروبية في احتواء العائدين من تنظيم داعش أو رفضهم. فيالوقت الذي تقدم فيه تجارب دول أخرى نموذج مختلف يمكن أن تساعد الحكومات الأوروبية في التعامل مع هذا الملف المعقد.
العائدون من تنظيم داعش من مناطق الصراعات
بعد عودة 4 نساء و9 أطفال مرتبطين بتنظيم داعش خلا مايو 2026 إلى أستراليا من سوريا، أشارت الشرطة الفيدرالية الأسترالية إلى أنه سيتم إحالة بعضهم إلى برامج إعادة الإدماج المجتمعي ومكافحة التطرف العنيف. أستراليا لا تبدأ من الصفر. فقد سبق أن عادت 31 امرأة وطفلاً أستراليًا من سوريا، جميعهم باستثناء 6 منهم بمساعدة حكومية. ولم يُسجّل على أي منهم أي تورط في أعمال إرهابية منذ عودتهم. إذن، السؤال الملح ليس ما إذا كانت أستراليا تمتلك القدرة المؤسسية لدعم هذه العودة، بل ما الذي يجعل إعادة الإدماج تنجح أو تفشل. وهنا يمكن لأستراليا أن تستفيد من دروس عشرات الدول الأخرى التي أعادت النساء والأطفال المرتبطين بتنظيم داعش.
الاستثمار في برامج إعادة تأهيل العائدين تحقق نتائج أفضل
تم إجراء بحثًا حول عمليات إعادة التوطين هذه في 69 دولة، وشمل ذلك مقابلات مع عائدين من تنظيم داعش، وممارسين، وصناع سياسات. وقد توصل البحث إلى نمط ثابت: الدول التي تستثمر في برامج إعادة تأهيل مصممة جيدًا تستطيع تحقيق نتائج أفضل على المدى الطويل لكل من المجتمعات والعائدين.
أولًا: معظم برامج إعادة التأهيل على مستوى أوروبا والعالم مصممة للرجال. فهي تتجاهل تجارب النساء وتعزز الصور النمطية حول افتقار النساء إلى القدرة على اتخاذ القرارات أو افتراض تعرضهن للظلم. على سبيل المثال، في المملكة المتحدة ونيجيريا وكازاخستان وكوسوفو وأجزاء من جنوب شرق آسيا، تُقدّم هذه البرامج تدريبًا مهنيًا للنساء استنادًا إلى أدوار نمطية، مثل دروس الخياطة. لا تُعدّ هذه الخيارات إشكالية في حد ذاتها، لكن تطبيق النموذج نفسه عالميًا يعكس افتراضات بدلًا من استجابة مُخصصة للاقتصاد المحلي والاحتياجات الفردية.
ثانيًا: غالبًا ما تواجه النساء “وصمة مزدوجة”. يتم معاقبتهن لارتباطهن بجماعة متطرفة عنيفة، ولمخالفتهن للمعايير التقليدية من خلال الانضمام إلى تلك الجماعة. تواجه النساء والأطفال من الأقليات العرقية والدينية أكبر قدر من الوصم. لقد تأثر الفهم العام للعائدين من تنظيم داعش، لا سيما في الدول ذات الأغلبية غير المسلمة، برهاب الإسلاموفوبيا. فعلى سبيل المثال، قد يؤدي العودة إلى مجتمع يمارس التمييز ضد المرأة إلى تقويض الشعور بالانتماء الذي تتطلبه عملية إعادة الاندماج. هذا الأمر مهم لأن الطريقة التي تتحدث بها الدولة عن مواطنيها العائدين تؤثر بشكل مباشر على مدى نجاحهم في إيجاد مكان لهم في المجتمع مرة أخرى.
انتقادات للنهج الأوروبي في التعامل مع العائدين
وقد واجهت عدة دول، مثل فرنسا والمملكة المتحدة، انتقادات بسبب نهجها المتشدد تجاه عمليات إعادة المواطنين إلى أوطانهم. إحدى الدول التي قامت بعمل أفضل وحظيت باهتمام أقل بكثير هي كوسوفو. عندما أعادت كوسوفو أكثر من 100 من مواطنيها من سوريا عام 2019، أصبحت أول دولة في العالم تُنشئ إدارة حكومية مُخصصة لإعادة تأهيل مواطنيها العائدين. وقد صرّح وزير العدل بأن الحكومة لن تتوقف حتى عودة جميع المواطنين إلى ديارهم. يُقدّم هذا القسم التابع لوزارة الداخلية الدعم الطبي والنفسي، والاستشارات، والإسكان، والخدمات الاجتماعية، والتدريب المهني، والاستشارات القانونية المجانية للعائدين. كما يضمّ قيادات دينية نسائية من المجلس الإسلامي في كوسوفو، واللاتي يضطلعن بدور محوري في العمل مع النساء ومجتمعاتهن.
ما يميز تجربة كوسوفو هو العمل المتعمد للحد من الوصمة التي يواجهها العائدون. كانت الرواية الرسمية للحكومة أن كوسوفو تتحمل مسؤولية رعاية مواطنيها وأن إعادة الإدماج هي أفضل نهج لتحقيق الأمن العام. وقبل عودة المواطنين الكوسوفيين، انخرطت منظمات المجتمع المدني والسلطات بشكل مكثف مع المجتمعات المحلية لمعالجة مخاوف الناس وطمأنتهم بأن السلامة هي الأولوية. كما شارك الزعماء الدينيون والمجتمعيون في التصدي للوصم الاجتماعي بشكل مباشر. لم يكن نهج كوسوفو خاليًا من التحديات. فبعض الخطابات التي صاغت وضع النساء العائدات، على سبيل المثال، بدت وكأنها تقلل من شأن مسؤوليتهن.
ماذا يعني هذا بالنسبة لأوروبا واستراليا؟
الوضع في أستراليا مختلف، حيث وُجهت اتهامات لـ3 من النساء الـ4 اللواتي عدن في مايو 2026 بارتكاب جرائم خطيرة ضد الإنسانية، بما في ذلك ادعاء استعباد امرأة إيزيدية. ومع ذلك، يبقى الدرس الأساسي قائمًا، خاصة بالنسبة للأطفال الذين قد يكونون الآن منفصلين عن أمهاتهم. إنّ اتباع نهج شامل يتضمن إشراك المجتمع مع مراعاة البُعد الجنساني يُسهّل عملية إعادة الإدماج الناجحة. أما الاعتماد فقط على التضييق الأمني وتهميش العائدين فيزيد الأمر صعوبة. ومن هذا المنطلق، نستنتج درسين للدول الأوروبية الاستفادة منه.
أولًا: البرامج المصممة للرجال لا تنجح بالضرورة مع النساء. برنامج إعادة التأهيل في بعض الأماكن نموذج قوي بقيادة المجتمع – يديره مجلس أئمة، بالتعاون مع السلطات. حيث تشير تجربة كوسوفو إلى أن إشراك القيادات الدينية النسائية إلى جانب منظمات مثل مجلس أئمة فيكتوريا قد يكون فعالًا بشكل خاص للنساء العائدات. إذ يمكنهن تقديم إرشادات للنساء تستند إلى تجارب مشتركة، وتوفير تعاليم دينية تراعي الفوارق بين الجنسين.
ثانيًا: تحقق البرامج نتائج أفضل عندما يتم إشراك المجتمعات الأوروبية بنفس القدر من الاهتمام الذي يتم به إشراك العائدين أنفسهم، وعندما يتم معالجة “وصمة العار” بشكل مباشر. حيث يجب إيلاء اهتمام خاص لكيفية تعامل المجتمعات مع الفتيات والفتيان العائدين من المعسكرات. هؤلاء الأطفال مواطنون أوروبيون لم يكن لهم خيار في قرارات آبائهم، وقضوا سنوات تكوينهم في معسكرات الاحتجاز. فالرعاية للصدمات النفسية ضرورية لإعادة دمجهم بنجاح.
ستكون استجابة أوروبا لإعادة دمج هؤلاء النساء والأطفال بمثابة اختبار حقيقي للتماسك الاجتماعي. وقد تؤدي هذه العودة إلى تصاعد الإسلاموفوبيا. إن التقاعس عن مواجهة ذلك يُنذر بتفاقم التهميش الذي قد يستغله كل من المتطرفين الإسلاميين واليمينيين المتطرفين. كما أنّ إنجاح هذه العملية لا يقتصر على النساء والأطفال الذين عادوا فحسب، بل يشمل كذلك الأوروبيين الذين ما زالوا في المخيمات السورية. تمتلك الحكومات الأوروبية الموارد والقدرات اللازمة لإعادتهم إلى ديارهم ومنح الأطفال والنساء فرصة للتعافي لا يمكنهم الحصول عليها في مخيمات الاحتجاز في سوريا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=118849
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
