خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الجهاديون ـ كيف تغيرت خريطة نشاط داعش عالميًا؟
لم تعد هجمات تنظيم داعش متركزة في سوريا والعراق كما كانت خلال ذروة تمدده الإقليمي. فالمعطيات الحديثة تشير إلى تحوّل جغرافي واضح في طبيعة ونطاق النشاط الذي يعلن التنظيم مسؤوليته عنه أو يُنسب إليه بوصفه هجمات “مستلهمة” من فكره وأيديولوجيته. وبينما لا يزال داعش حاضرًا في معاقله التقليدية في الشرق الأوسط، فإن مركز الثقل العملياتي للتنظيم بات، على نحو متزايد، خارج هذين البلدين، في إطار استراتيجية تكيفية تعكس تراجع قدرته على السيطرة الميدانية مقابل توسع نفوذه غير المباشر عالميًا.
تصاعد ملحوظ في عدد العمليات الإرهابية
تكشف الهجمات الإرهابية خلال العام 2025 المتعلقة بادعاءات داعش بتنفيذ هجمات عن هذا التحول بوضوح. ففي الفترة ما بين عامي 2019 و2020، كانت الغالبية من العمليات التي تبناها التنظيم تتركز في سوريا والعراق، حيث كان لا يزال يحتفظ بجيوب نفوذ وخلايا نشطة قادرة على شن هجمات متكررة. أما خلال عامي 2023 و2024، فقد انخفضت نسبة الهجمات المنسوبة إلى هذين البلدين إلى أقل من الثلث، في مقابل تصاعد ملحوظ في عدد العمليات التي سُجلت في مناطق أخرى من العالم. وعلى الرغم من أن العدد الإجمالي للهجمات التي يعلنها التنظيم قد تراجع بشكل كبير مقارنة بالسنوات السابقة، وهو ما يعكس تآكل قدراته الإقليمية، فإن هذا التراجع لا يعني اختفاء التنظيم أو انتهاء خطره.
داعش، نموذج شبكي لا مركزي
يُظهر الواقع الميداني أن داعش انتقل من النموذج “المركزي” التي تسيطر على أراضٍ، إلى نموذج شبكي لا مركزي يعتمد على الخلايا الصغيرة، والفروع الإقليمية، والأفراد المتأثرين بدعايته. وقد تجسد هذا التحول في سلسلة من الأحداث الأخيرة التي وقعت خلال فترة زمنية قصيرة وفي مناطق جغرافية متباعدة. ففي غضون خمسة أيام فقط، سُجلت هجمات مرتبطة بداعش في سياقات مختلفة تمامًا، ما يؤكد الطابع العالمي للتهديد الذي بات يمثله التنظيم. في سوريا، تعرض أفراد من القوات الأمريكية لهجوم وصفته القيادة المركزية الأمريكية بأنه كمين نفذه مسلح واحد مرتبط بتنظيم داعش.
يُعد هذا الهجوم الأول من نوعه منذ سقوط النظام السوري السابق، ما أضفى عليه دلالة خاصة. وأشار مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية إلى أن التقييمات الأولية ترجح مسؤولية داعش عن العملية، في مؤشر على أن التنظيم لا يزال قادرًا على استغلال الفراغات الأمنية وتنفيذ هجمات نوعية، وإن كانت محدودة النطاق. وبعد هذا الحادث، شهدت مدينة سيدني الأسترالية هجومًا استهدف تجمعًا يهوديًا على شاطئ بوندي، نفذه مسلحان وُصفا بأنهما مستلهمان من فكر داعش، ما أبرز امتداد تأثير التنظيم إلى مجتمعات بعيدة جغرافيًا عن مناطق الصراع التقليدية.
داعش لم يعد بالقوة نفسها في سوريا والعراق
في سوريا والعراق، يظل داعش تهديدًا أمنيًا قائمًا، لكنه لم يعد بالقوة نفسها التي كان عليها في السابق. فالتنظيم فقد سيطرته على الأراضي بشكل كامل، وتراجعت قدراته العملياتية إلى حد كبير نتيجة الضربات العسكرية المستمرة، والتنسيق الأمني بين القوات المحلية والدولية. وفي سوريا تحديدًا، انخفض عدد الهجمات المنسوبة إلى داعش بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات التي أعقبت هزيمته الإقليمية المباشرة. ومع ذلك، لا تزال مستويات التهديد مرتفعة نسبيًا، لا سيما في ظل المتغيرات السياسية الأخيرة. فقد أدى انضمام سوريا إلى التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحة داعش إلى إثارة غضب جماعات متطرفة وأنصار التنظيم ما يعزز احتمالات عودة النشاط المتطرف في بعض المناطق الهشة أمنيًا. أما في العراق، فلا يزال داعش حاضرًا، لكن نشاطه يقتصر في الغالب على خلايا صغيرة تعمل في مناطق نائية أو متنازع عليها، وتنفذ هجمات متفرقة لا ترقى إلى مستوى الحملات المنظمة التي كان يشنها في السابق. ويعكس هذا الواقع نجاحًا نسبيًا للقوات العراقية في احتواء التنظيم، لكنه في الوقت نفسه يبرز صعوبة القضاء عليه نهائيًا في ظل العوامل البنيوية التي ما زالت توفر بيئة مواتية لعمله.
داعش يتمدد في الفضاء الرقمي
شهدت مناطق أخرى من العالم تصاعدًا ملحوظًا في نشاط داعش، وعلى رأسها إفريقيا جنوب الصحراء. فقد تحولت هذه المنطقة خلال السنوات الأخيرة إلى المركز الرئيسي للهجمات التي يعلن التنظيم مسؤوليته عنها. وتبرز دول مثل النيجر ومالي وجمهورية الكونغو الديمقراطية بوصفها ساحات رئيسية لنشاط فروع داعش، التي تعمل في بيئات أمنية شديدة الهشاشة. وتستغل هذه الجماعات النزاعات المحلية، وضعف مؤسسات الدولة، وغياب السيطرة الفعالة على الحدود، لتوسيع نفوذها وتنفيذ هجمات دامية تستهدف المدنيين والقوات الأمنية على حد سواء.
ولا يقتصر تمدد داعش على النشاط الميداني فقط، بل يمتد بقوة إلى الفضاء الرقمي. فعلى الرغم من الضغوط التي يتعرض لها على الأرض، حافظ التنظيم على حضور نشط عبر الإنترنت، مستخدمًا الدعاية الرقمية والمنصات المشفرة لتجنيد عناصر جديدة، ونشر أيديولوجيته، وتحفيز أنصاره على تنفيذ هجمات فردية. وفي دول مثل الفلبين، يواصل داعش استغلال الفضاء الإلكتروني لإلهام متعاطفين محليين، حتى في المناطق التي لا يمتلك فيها وجودًا ميدانيًا قويًا. ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في ضوء المعلومات التي تفيد بأن المشتبه بهما في هجوم شاطئ بوندي سافرا إلى الفلبين قبل شهر واحد فقط من تنفيذ الهجوم، ما يسلط الضوء على الروابط العابرة للحدود التي ينسجها التنظيم.
النتائج
تشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن داعش لم يختفِ، بل أعاد تشكيل نفسه. فقد تراجع بوصفه كيانًا مسيطرًا على أراضٍ في سوريا والعراق، لكنه في المقابل نجح في التكيف مع الواقع الجديد عبر اللامركزية، وتفويض العمليات لفروع إقليمية، والاعتماد على “الذئاب المنفردة” والهجمات المستلهمة أيديولوجيًا. وتبدو استراتيجيته الحالية أقل ارتباطًا بفكرة إقامة دولة، وأكثر تركيزًا على إدامة حالة من التهديد المستمر، وإظهار القدرة على الضرب في أي مكان، وفي أي وقت.
تكشف البيانات والوقائع أن التحدي الذي يمثله داعش اليوم هو تحدٍّ عالمي متعدد الأبعاد، لا يقتصر على ساحات القتال التقليدية في الشرق الأوسط. فالتنظيم، رغم ضعفه النسبي، لا يزال قادرًا على استغلال الأزمات السياسية والأمنية، واستخدام أدوات حديثة، رقمية وعابرة للحدود، لفرض حضوره على الأجندة الأمنية الدولية. وهذا الواقع يفرض على الدول والمجتمعات إعادة تقييم مقاربات مكافحة الإرهاب، والانتقال من التركيز على هزيمة التنظيم عسكريًا فقط، إلى معالجة جذوره الفكرية، وشبكاته العابرة للأقاليم، وقدرته المستمرة على التكيّف والبقاء.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112877
