الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الجهاديون ـ قراءة استشرافية لاستراتيجيات تنظيم داعش في الفضاء الرقمي

يناير 12, 2026

خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الجهاديون ـ قراءة استشرافية لاستراتيجيات تنظيم داعش في الفضاء الرقمي

رغم خسارة تنظيم داعش لخلافته المعلنة ذاتيًا في العراق وسوريا قبل أكثر من نصف عقد، فإنه لا يزال قوة مؤثرة في المشهد الأيديولوجي العالمي. ففي العدد 526 من نشرته “النبأ” بعنوان “فخر سيدني”، يناقش التنظيم استخدام المنصات الرقمية في عمليات الاستقطاب والتعبئة والتحريض على الهجمات، مستشهدًا بهجوم شاطئ بوندي في سيدني بأستراليا بوصفه نموذجًا مثاليًا. ولا تزال العمليات الرقمية لداعش في عام 2025 ركيزة أساسية في أسلوب عمله، ومن المحتمل أن تظل الاستراتيجية، أو يتم تطويرها خلال العام 2026 مدعومة بأدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد الحتوى المتطرف والإرهابي. إذ تُمكّنه من الحفاظ على نفوذ عالمي وتحقيق أهدافه العملياتية، خصوصًا عبر استهداف الفئات الشابة الأكثر حضورًا على الإنترنت والأكثر عرضة للاستقطاب.

الجهاديون في الفضاء الرقمي

تعكس الأنشطة الجهادية المعاصرة، من هجوم شاطئ بوندي إلى مخططات متفرقة في أوروبا وأمريكا الشمالية ومناطق أخرى، استمرار الاعتماد على الفضاء الرقمي خلال العام 2026 وقدرته على دفع الأفراد نحو العنف دون تواصل مباشر مع التنظيم. من المتوقع أن تعمل البنية الرقمية للتنظيم عبر ثلاث طبقات متداخلة. أولًا، نشر المواد الأيديولوجية مثل مقاطع الفيديو والنشرات والملصقات والخطب، المصممة لتطبيع العنف وتقديمه باعتباره فعلًا مشروعًا وضرورة اجتماعية. ثانيًا، استخدام المساحات الرقمية لتوفير الدعم المعنوي والتعزيز النفسي للمتعاطفين، غالبًا من خلال تفاعلات بين الأقران بدلًا من مجندين رسميين. ثالثًا، وهو الأهم، الترويج لنموذج عمل لا يتطلب توجيهًا مباشرًا أو موارد كبيرة أو ارتباطًا تنظيميًا فعليًا. يعكس هذا التحول حسابًا استراتيجيًا، فالهجمات الفردية أو ذاتية التفعيل أصعب في الاكتشاف وأقل تكلفة وأكثر قدرة على الصمود أمام ضرب القيادات. ويمنح الإنترنت داعش القدرة على الحفاظ على نفوذه حتى مع تراجع بنيته الميدانية.

الدعاية الرقمية، ما بعد الرسائل التقليدية

اتسمت استراتيجية داعش الرقمية منذ البداية بتعدد الأدوات، فبدأت برسائل بصرية عالية الإنتاج، ثم تطورت إلى منظومة مرنة ومتعددة اللغات تصل إلى جماهير عبر قارات مختلفة. ففي ذروته عام 2015 امتلك التنظيم نحو 46 ألف حساب على تويتر ينشر دعاية مصممة خصيصًا بعدة لغات، ورغم تراجع هذا الرقم، فمن المحتمل أن يحتفظ داعش على حضور منتظم على منصات مثل “إكس وتلغرام وتيك توك وفيسبوك وإنستغرام ويوتيوب”. تكمن أهمية هذا الحضور المستمر في نقطتين رئيسيتين. أولًا، يتيح استمرارية السرديات الأساسية، مثل تصوير القتال بوصفه واجبًا دينيًا، وتقديم التدخلات الغربية كتهديد وجودي، ثم إعادة صياغتها في مواد محلية ثقافيًا ولغويًا. ثانيًا، يتيح الإنترنت انتشار هذه الرسائل بصورة موازية، حيث يصبح المستخدمون أنفسهم أدوات لنشر الدعاية عبر إعادة المشاركة والنقاش وتداول المحتوى.

مستقبل التجنيد في الفضاء الرقمي

بعكس شبكات التجنيد الهرمية في العقود السابقة، بات متوقعًا أن تعطي استراتيجية داعش خلال العام 2026 أولوية لبناء الشبكات والتعبئة عبر القنوات الرقمية، ما يمنح التنظيم القدرة على الحفاظ بما يسمى “الخلافة السيبرانية”. وقد تمكن هذه البيئات الرقمية من نشر الدعاية وبناء روابط شخصية بين المتعاطفين حول العالم. أشار تقرير يوروبول لعام 2023 إلى أن غالبية الدعاية الجهادية باتت تنتشر عبر المنصات المشفرة ووسائل التواصل الاجتماعي، مع بروز “تلغرام وروكيت تشات وديسكورد” كنقاط نشاط رئيسية. ارتبط هذا التحول بزيادة الهجمات “المستوحاة من داعش” أو ما يسمى بالذئاب المنفردة، حيث ينفذ أفراد جرى استقطابهم رقميًا أعمال إرهابية بشكل مستقل. تشمل أمثلة ذلك هجوم فيينا 2020، وطعن سوبرماركت أوكلاند 2021، وهجوم كونغسبرغ بالنرويج عام 2021. وحتى هجوم شاطئ بوندي كان عملًا إرهابيًا مستلهمًا من داعش. وتؤكد هذه الحوادث أن الاستقطاب الرقمي بات يترجم إلى عنف فعلي رغم غياب السيطرة التنظيمية المباشرة.

قياس النفوذ، من يصل إليهم التنظيم رقميًا؟

يصعب تحديد عدد الأفراد المتأثرين بأيديولوجية داعش بسبب غياب بيانات موحدة بين المناطق واللغات والمنصات الرقمية، ما يعقّد جهود الكشف والوقاية. لكن الانتقال من الاستهلاك السلبي للمحتوى إلى التفاعل النشط في المنتديات المتطرفة أو التخطيط العملياتي يبرز حجم الحضور الرقمي للتنظيم. لم يعد القرب الجغرافي أو اللقاءات المباشرة ضروري كما في مراحل سابقة. فالمنظومات الرقمية تتيح لأفراد في أوروبا وجنوب آسيا وغرب آسيا التفاعل مع سرديات التنظيم بشكل مستقل، غالبًا عبر منصات متعددة قبل الانتقال إلى مساحات مشفرة. وغالبًا ما يكون المنجذبون إلى هذه الدوائر من الشباب المتمكنين رقميًا، الذين يواجهون تحديات الهوية والانتماء في مجتمعاتهم. ويبدأ حضورهم بالفضول، ثم يتطور مع التعرض المتكرر لسرديات مؤثرة تعد بعالم مثالي بديل.

سيستغل التنظيم هشاشة بعض الأفراد داخل مجتمعات متنوعة. ورغم أن خوارزميات التواصل الاجتماعي ليست سببًا مباشرًا، فإنها ستخلق غرف صدى تعزز وتطبع الأفكار المتطرفة، ما يزيد احتمالات الانتقال من الاستهلاك السلبي إلى التبني النشط. على المدى القريب ستواصل منصات مثل “النبأ” و”أعماق” وشبكات مؤيدة شبه رسمية تأطير الفوارق الاجتماعية والأحداث العالمية والإشارة الانتقائية للهجمات وتعزيز السرديات الأيديولوجية. لن يتطلب هذا النظام إنتاج محتوى جديد باستمرار، إذ سيكفي إعادة تدوير المواد المؤرشفة للحفاظ على سهولة الوصول الأيديولوجي.

تبني الهجمات و إعلان المسؤولية

توضح الهجمات المرتبطة بداعش، مثل هجوم شاطئ بوندي، تحديًا مستمرًا يتمثل في التمييز بين التوجيه التنظيمي الفعلي وبين إعلان المسؤولية عبر الإنترنت. فالتنظيم وشبكاته يعلنون تبني الهجمات عبر قنوات مشفرة ومنتديات غير رسمية، ثم تُنشر هذه البيانات عالميًا عبر شبكات الرسائل، ما يخلق انطباعًا بعملية منسقة حتى في غياب روابط مؤكدة. حتى عام 2024، أعلنت منصات إعلامية تابعة للتنظيم وشبكات مؤيدة له تبني نحو 400 حادثة عنف عالميًا، وفي بعض الحالات ظهرت بيانات التبني قبل التحقق الرسمي، ثم جرى سحبها. بات متوقعًا أن تصبح بيانات التبني الرقمية أداة إشارات دعائية أكثر من كونها دليلًا تشغيليًا. ومن ثم يجب التعامل معها كعمليات معلوماتية لا كإثبات مباشر للتورط التنظيمي.

يترتب على ذلك انعكاسان في السياسات العامة. فمن جهة، تتعقد عملية تقييم التهديد وإسناد المسؤولية، ويصعب التمييز بين الهجمات المستوحاة والهجمات الموجهة مركزيًا. ومن جهة أخرى، تضخم هذه البيانات صورة النفوذ التنظيمي. لذا يتطلب تحليل مكافحة الإرهاب تمييزًا دقيقًا بين الادعاءات الدعائية والتورط العملياتي المثبت، مع تجنب إدماج الادعاءات غير المؤكدة في الخطاب العام.

اعتبارات سياسية واستراتيجية

تتطلب الاستجابة الفعالة للتطرف الرقمي تعاونًا بين صناع القرار والمجتمع المدني. ويحتاج صناع السياسات إلى تجاوز نهج الحذف الآلي للمحتوى نحو مقاربة أكثر دقة، تدمج التحليل السياقي واللغوي لرصد تطور السرديات المتطرفة وأنماط الانتقال بين المنصات. وينبغي أن يستند ذلك إلى أبحاث متعددة التخصصات تدرس كيفية تضخيم الخوارزميات للمحتوى وكيف تتكيف الدعاية مع البيئات الرقمية الجديدة وكيف ينتقل الأفراد عبر مسارات الاستقطاب. وتساعد هذه النتائج في صياغة سياسات متوازنة تحمي حرية التعبير وتعزز دقة التدخل. ومن الضروري تطوير تقييمات تهديد تميز بين التعاطف الأيديولوجي السلبي والنوايا العملياتية الفعلية، لضمان توجيه الموارد نحو المخاطر الحقيقية. وفي الوقت نفسه، ينبغي تعزيز البرامج الوقائية وإعادة التأهيل لمعالجة الاستقطاب في مراحله المبكرة. يؤدي المجتمع المدني دورًا محوريًا في بناء مناعة مجتمعية عبر تعزيز الثقافة الرقمية والانخراط المحلي وصناعة سرديات مضادة ذات مصداقية ثقافية. وتمكين الأصوات المجتمعية من مواجهة الرسائل المتطرفة بحساسية وواقعية يعزز التماسك الاجتماعي ويقوض جاذبية الأيديولوجيات العنيفة من جذورها.

يتكيف داعش وشبكاته مع واقع ما بعد فقدان السيطرة الميدانية، حيث يبقى الإنترنت محور استراتيجيته الأساسية. وقد جعل العصر الرقمي الوصول إلى السرديات المتطرفة أسرع وأرخص وأكثر تخصيصًا، ما خفّض عتبة الانخراط. وانتقلت عمليات التجنيد من هياكل هرمية إلى شبكات تأثير وإلهام. ويتطلب فهم هذا التحول تحليلًا دقيقًا وإدراكًا إنسانيًا للعوامل النفسية والاجتماعية التي تغذي الاستقطاب الرقمي.

لا يقتصر التحدي أمام الحكومات والمجتمع المدني وشركات التكنولوجيا على حذف المحتوى، بل يتعداه إلى تفكيك الجاذبية الأيديولوجية التي تستقطب الأفراد نحو التطرف العنيف. ويتطلب ذلك مزيجًا من الإجراءات الأمنية الصارمة والاستثمار المستدام في بناء المناعة المجتمعية والبحث العلمي والمبادرات المحلية، لمواجهة تهديد تطور بعيدًا عن ساحات المعارك التقليدية.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=113471

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...