خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
“الجهاديون” ـ الخطاب المتطرف يُزيد من تصاعد هجمات “الذئاب المنفردة” في أوروبا
أفادت تقارير بأن المخاوف تتزايد بشأن ارتفاع احتمال حدوث هجمات “الذئاب المنفردة” في أوروبا، بعد القلق من أن أحدث مجلة دعائية لتنظيم القاعدة قد تحفز موجة جديدة من الهجمات. حيث واجه شاب سويدي يبلغ من العمر 18 عامًا المحاكمة خلال العام 2025 بتهمة التآمر لتنفيذ عمل إرهابي في ستوكهولم نيابة عن تنظيم داعش، ما دفع المحللين الأمنيين للتعبير عن قلقهم بشأن ارتفاع مستوى التطرف بين الشباب وزيادة عدد الهجمات المنفردة. وقد وُجهت للشاب تهمة التحضير لهجوم إرهابي باستخدام “مواد قابلة للاشتعال والانفجار”، ويزعم المدعون أن التخطيط لذلك تم بين أغسطس 2024 وفبراير 2025.
داعش والقاعدة لديهما القدرة على إلهام الهجمات الإرهابية
يأتي ذلك بعد الهجوم على كنيس في مانشستر في أكتوبر 2025، الذي أسفر عن مقتل اثنين من المصلين، والذي نفذه جهاد الشامي، رجل من أصول سورية، وكان اسمه قد ورد في مجلة Inspire التحريضية الصادرة عن تنظيم القاعدة في جزيرة العرب (AQAP). كتبت المجلة باللغتين الإنجليزية والعربية، وحثت وسائل الإعلام الرسمية للتنظيم، المتمثلة في “الملاحم”، المؤيدين في الغرب على تنفيذ هجمات مشابهة “دفاعًا عن المسلمين”. يعكس ذلك سياسة النشر التي يتبعها التنظيم في تشجيع “الذئاب المنفردة”، مستخدمًا دعم بريطانيا ودول أوروبية أخرى لإسرائيل كذريعة لذلك. على الرغم من أن القاعدة وتنظيم داعش على الهامش منذ ما يقرب من عقد من الزمن، إلا أن لديهما القدرة على إلهام الهجمات الإرهابية.
مجلة Inspire تهدف إلى تقديم نصائح وإرشادات للإرهابيين
يوضح مصدر أمني غربي: “التطرف ليس شيئًا نهائيًا، كما رأينا في ألمانيا “النازية “، حتى بعد 80 عامًا لا تزال الأفكار المتطرفة موجودة”. وأضاف: “حتى لو كان القاعدة وداعش بالنسبة للكثيرين في مرآة الخلفية، فإنهما لا يزالان قادرين على التطرف”. عادةً ما يقترب تنظيم القاعدة من المرشحين المحتملين للهجمات الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو شخصيًا قبل أن يُوثقوا بالمادة “الأكثر تطرفًا مثل مجلة Inspire”، بحسب الدكتور أنطونيو جوستوزي من مركز أبحاث Rusi. يؤكد جوستوزي: “إن مجلة Inspire تهدف أساسًا إلى تقديم نصائح وإرشادات للإرهابيين الطموحين المستقلين، وتسعى أيضًا إلى تحفيزهم. بعبارة أخرى، تستهدف هؤلاء الذين اعتنقوا الفكر المتطرف بالفعل”.
تنظيم القاعدة في “جزيرة العرب” يستغل الأحداث العالمية
أشار دانييل غاروفالو، الذي يراقب التطرف الإسلاموي على الإنترنت، إلى أن تنظيم القاعدة في “جزيرة العرب” يستغل الأحداث العالمية “لتبرير العنف وتوسيع نفوذه”، وأن مجلة Inspire تعكس اتجاهًا لتبرير التطرف الفردي في الغرب. ربط الإرهابيون هذا بالقضية الفلسطينية “كجزء من استراتيجية إعلامية تهدف إلى إثارة التعاطف وجذب مؤيدين جدد”، وفقًا لما كتبه على منصة X. سجلت الهجمات الإرهابية في الغرب ارتفاعًا مقلقًا، حيث قفز عددها بنسبة 62% في عام 2024، ليصل إلى 52 حادثة، مقارنة بـ32 حادثة في العام 2023، وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي. وهذا يجعل السويد وبريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وأستراليا وكندا ضمن أفضل 50 دولة على المؤشر لعام 2025.
أشار المعهد إلى أنه حلل “هذا التهديد المتطور، وكشف الاتجاهات الرئيسية في هجمات الذئاب المنفردة، وصلتها المتزايدة بتطرف الشباب، والتداعيات الأوسع على الأمن والسياسة”. أكد المصدر الأمني الغربي إن أجهزة الاستخبارات الغربية حققت نتائج جيدة في مكافحة حملات التجنيد لصالح داعش، خاصة بين 2014 و2018، إلا أن ذلك يعني أن “الأفراد المندفعين” ما زالوا يبحثون عن أسباب لـ “التطرف الذاتي وارتكاب أعمال إرهابية”. أضاف المصدر أن الفروق الفكرية بين القاعدة وداعش لن تكون مهمة بالنسبة لشاب يبلغ 18 عامًا.
النتائج
يمكن القول أن المشهد الأمني الأوروبي آخذ في التعقيد، حيث يعود خطر الذئاب المنفردة ليحتل صدارة الاهتمام بعد سنوات من تراجع تهديد تنظيمي القاعدة وداعش. حيث لم يعد التهديد الإرهابي مرتبطًا ببنية تنظيمية محكمة، بل بمنظومة دعائية مرنة وعابرة للحدود تعتمد على التحريض الرقمي، واستغلال الأحداث الدولية، وتوجيه رسائل إعلامية مصممة بدقة لاستقطاب الأفراد الأكثر هشاشة نفسيًا واجتماعيًا.
يٌلاحظ أن إعادة تنشيط مجلة Inspire الصادرة عن القاعدة في جزيرة العرب يمثل تحولًا مؤثرًا في الخطاب “الجهادي”، نظرًا لطابعها التحريضي المباشر، واستراتيجيتها الراسخة في تمكين “الذئاب المنفردة”. الخطر لا ينبع فقط من محتواها الإرشادي، بل من قدرتها على مخاطبة جمهور يعاني من عزلة اجتماعية أو إحباطات سياسية، ما يجعلها قناة مناسبة للتأثير في المراهقين والشباب الذين لا يحتاجون سوى إلى “مبرر” لتفعيل قناعاتهم المتطرفة. ويبرز ذلك بقوة في قضية الشاب السويدي الذي استلهم جزءًا من خطته من مواد مشابهة، إضافة إلى حادث كنيس مانشستر الذي رُبط بالمجلة ذاتها.
باتت البيئة الأوروبية الراهنة توفر ظروفًا خصبة للتطرف الفردي، نتيجة تفاعل عدة عوامل، من بينها تصاعد الجدل حول دعم الغرب لإسرائيل، وتنامي الانقسامات المجتمعية، وزيادة الاحتقان السياسي. هذه العناصر تمنح التنظيمات المتطرفة فرصة لإعادة صياغة خطابها وتحويل الأحداث العالمية إلى محركات تعبئة جديدة. تشير الإحصاءات إلى ارتفاع خطير في الهجمات الإرهابية بنسبة 62% خلال عام واحد، وهي زيادة تكشف أن موجة الذئاب المنفردة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل نمط تهديد مستمر ومتطور. كما أن توسع القائمة لتشمل دولًا مثل السويد وبريطانيا وألمانيا يعكس أن الخطر موزع جغرافيًا ولا يتركز في دول بعينها.
يبدو أن أجهزة الاستخبارات الأوروبية ستواجه تحديات أكثر تعقيدًا، إذ يتراجع دور التنظيمات التقليدية لصالح مقولات التطرف الذاتي التي يصعب رصدها أو التنبؤ بها. ستحتاج الحكومات إلى تطوير أدوات تحليل سلوكي أكثر دقة، وتعزيز قدرات التتبع الرقمي، إلى جانب الاستثمار في برامج وقاية نفسية ومجتمعية تستهدف الفئات العمرية الأصغر. كما أن استمرار الصراعات الدولية وتذبذب خطاب الحكومات الأوروبية بشأن الشرق الأوسط قد يوفر بيئة مستمرة يستغلها الجهاديون في تعزيز روايتهم. فالتهديد مستمر، متغير، وعميق الارتباط بالعوامل السياسية العالمية، ما يجعل مواجهته تتطلب تعاونًا استخباراتيًا أوسع، وسياسات اجتماعية أكثر شمولية، وقدرة أكبر على محاصرة الدعاية الرقمية قبل أن تتحول إلى فعل إرهابي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111939
