المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الجريمة المنظمة في ألمانيا ـ المخاطر وسبل المواجهة
تسعى ألمانيا إلى مواجهة تنامي أنشطة جماعات الجريمة المنظمة مرتبطة وسط مخاوف من توسع بعض الشبكات، وتعمل الأجهزة الأمنية الألمانية على تعزيز المواجهة الأمنية عبر فرق متخصصة ومداهمات وتحقيقات تستهدف مصادر تمويل الجريمة وشبكاتها.
العشائر الإجرامية السورية
تشكّل الجماعات الإجرامية المنظمة تهديدًا مرتفعًا ومستمرًا، وفقًا لتقرير اتحادي ألماني. وتضم بعض الولايات، ومنها ساكسونيا، “فرقة عمل العشائر” لمواجهة هذه الظاهرة، بعد أن جذبت إحدى المجموعات اهتمامًا متزايدًا مؤخرًا. تركز عمل “فرقة عمل العشائر” في ولاية ساكسونيا شرقي ألمانيا على 4 عائلات سورية، وفقًا لرئيس الوحدة. وفي حين لا تزال قضايا ما يسمى بجرائم العشائر عند مستوى مرتفع ومستقر، ازدادت حدة التهديد بشكل خاص في منطقة لايبزيغ، بحسب كبير مفتشي الشرطة. يحذر المكتب الجنائي لولاية ساكسونيا من تنامي نشاط العشائر الإجرامية العائلية، التي ينحدر معظم أفرادها من سوريا. ووفقًا للسلطات، ينتمي حتى أغسطس من العام 2026 ما بين 700 و1000 شخص في ساكسونيا إلى عشائر سورية، حسبما أفاد متحدث باسم المكتب لمجلة “فوكوس”. وبحسب التقرير، تعرف الشرطة 130 شخصًا على خلفية ارتكاب جرائم.
يقول رايكو ميرتينس، من المكتب الجنائي في ساكسونيا: “تشمل هذه الجرائم أعمال عنف، والاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال، والجرائم الضريبية، والجرائم المرتبطة بتهريب الأشخاص، وجرائم الوثائق والمرور، والمعاملات المالية غير القانونية، إضافة إلى أشكال مختلفة من الاحتيال”. يرأس ميرتينس قسم الجريمة المنظمة في المكتب الجنائي لساكسونيا، وكذلك “فرقة عمل العشائر” التابعة له. ووفقًا للتقرير، صادرت السلطات أسلحة نارية، بينما تضمنت حالات أخرى جرائم احتيال في نظام الضمان الاجتماعي، بما في ذلك ما يتعلق بالمساعدات الأساسية للدخل. تحقق السلطات في أنشطة مزعومة لتهريب الأشخاص. وخلال مداهمة في أبريل من العام 2026، جرى تفتيش 50 شقة ومنشأة تجارية في لايبزيغ والمنطقة المحيطة بها. ويُعتقد أن نحو 50 سوريًا أرسلوا وثائق هويتهم إلى سوريا، حتى يتمكن أشخاص يشبهونهم في المظهر من دخول ألمانيا بهويات مزيفة.
هياكل إجرامية جديدة
يوضح ميرتينس إن العشائر تموّل حياتها بالكامل من خلال أنشطة تجارية غير قانونية. ويرى أنها لا تقبل النظام القضائي الألماني، وتفضل تسوية كل شيء داخل العائلة. وأضاف: “هم يحتقرون دولتنا ونظامنا بأكمله بشكل أساسي. والعزلة داخل هذه التحالفات العائلية هائلة”. وبحسب ميرتينس، ينشئ أفراد هذه العشائر شركات يمكن استخدامها من وراء الكواليس لتنفيذ أعمال إجرامية، “وأحيانًا باستخدام أشخاص يعملون كواجهات”. وفي منطقة لايبزيغ، يتعلق الأمر بشكل رئيسي بأربع عائلات سورية كبيرة، يضم بعضها أكثر من 60 فردًا. وترتبط أفراد العائلات ببعضهم بعضًا أو يعتمدون على بعضهم، إذ يقدمون، على سبيل المثال، الدعم لبعضهم من خلال الإدلاء بإفادات غير كافية أمام السلطات، أو تسجيل المركبات والحسابات المصرفية باسم أفراد آخرين. تابع ميرتينس إن أحد الرجال متزوج من ثلاث نساء على الأقل. ولديه من هؤلاء النساء 32 طفلًا على الأقل، بعضهم أصبح بالغًا بالفعل. إضافة إلى ذلك، نعرف ما لا يقل عن 25 حفيدًا في ساكسونيا. موضحًا أن بعض أفرادها ملتزمون بالقانون ويعيشون حياة هادئة، مثل غالبية السوريين الذين قدموا إلى ألمانيا.
مع ظهور هياكل إجرامية جديدة، يرى خبراء أن صراعات بدأت تنشأ كذلك مع العشائر التي استقرت في ألمانيا منذ فترة أطول. لاحظ عالم السياسة محمود جرابا اتجاهًا متزايدًا للأنشطة الإجرامية لدى ما يسمى بالعشائر الجديدة، ولا سيما داخل الجاليات السورية”. وجاء ذلك في مذكرة مكتوبة قدمها خلال جلسة استماع في برلمان ولاية شمال الراين وستفاليا. وتجلى مدى إمكانية تصاعد هذه الحوادث والتوترات في مدينة إيسن في يونيو 2023. وحذر جرابا صراحة من التعميم بشأن هذه الحوادث. فالغالبية العظمى من السوريين المقيمين في ألمانيا لا علاقة لهم بالبنى الإجرامية. كما لا ينبغي أن تُنسب جرائم أفراد من عائلة كبيرة تلقائيًا إلى العائلة بأكملها. وقد يؤدي هذا الاشتباه الجماعي إلى تعزيز الإقصاء الاجتماعي وجعل الاندماج أكثر صعوبة. كما أن أسباب هذه الصراعات معقدة. ووفقًا لجرابا، فإن التوترات بين العائلات الممتدة التركية والعربية التي استقرت في ألمانيا منذ فترة أطول والمجموعات الأحدث ذات الأصول السورية لا ترجع فقط إلى التنافس الإجرامي. ففي بعض الحالات، تلعب الصراعات السياسية والعرقية في سوريا ولبنان دورًا، ويتم نقلها إلى ألمانيا.
فرقة عمل العشائر
تعمل “فرقة عمل العشائر” في ساكسونيا منذ أكتوبر من العام 2023. وإلى جانب موظفين من المكتب الجنائي في ساكسونيا، تضم الفرقة موظفين من الشرطة الاتحادية، ومكتب الجمارك الرئيسي في دريسدن، وقسم التحقيقات الضريبية في مكتب الضرائب، وشرطة مكافحة الشغب في ساكسونيا، ومكتب التحقيقات الجمركية في دريسدن. وتوجد فرق عمل مماثلة في ولايات اتحادية أخرى، تهدف إلى مواجهة جرائم العشائر. وفي ساكسونيا، يُقال إن السلطات نفذت بالفعل نحو 40 عملية كبيرة ضد جرائم العشائر. وأُلقي القبض على عدد من المشتبه بهم، فيما وُجهت اتهامات إلى بعضهم وصدر بحق آخرين أحكام بالسجن. ويمثل الأشخاص الذين يحملون الجنسية السورية أكبر مجموعة من الأجانب الذين يلفتون الانتباه في هذا السياق، يليهم مهاجرون من أفغانستان والعراق بأعداد أقل بكثير. ولا يصف رايكو ميرتينس، رئيس “فرقة عمل العشائر” في ساكسونيا، ولايته بأنها معقل لنشاط العشائر، لكنه يرى أن التطورات في لايبزيغ تثير القلق.
لا تقتصر فرق مكافحة جرائم العشائر على ساكسونيا، بل توجد كذلك في شمال الراين وستفاليا وبرلين وسكسونيا السفلى. ولا تصنف السلطات الألمانية جرائم العشائر باعتبارها شكلًا مستقلًا من الجريمة المنظمة، التي تُرصد مثلًا في التقرير الاتحادي للوضع الأمني. بل يتعلق الأمر بجرائم ومخالفات إدارية يرتكبها أشخاص ينتمون إلى مجموعات سكانية محددة. وتركز برلين وشمال الراين وستفاليا على عائلات كبيرة معينة من أصول عربية وتركية أو كلاهما. وتشمل هذه العائلات، على وجه الخصوص، أسرًا من أصول مهلّمية كردية ولبنانية وفلسطينية. أما في ساكسونيا، فقد خضعت المجموعات السورية مؤخرًا لمزيد من التدقيق.
وبشكل عام، ووفقًا لـ”ميديَن دينست إنتغراتسيون”، تمثل الجرائم المصنفة تحت عنوان جرائم العشائر ما بين 0.16 و0.59% من جميع الجرائم المسجلة في ولايات برلين وشمال الراين-وستفاليا وسكسونيا السفلى. ولا تُدرج سوى إجراءات محدودة في مجال جرائم العشائر ضمن إحصاءات الجريمة المنظمة. ووفقًا لـ”ميديَن دينست إنتغراتسيون”، سجلت برلين في عام 2024 سبع قضايا مرتبطة بالجريمة المنظمة في مجال جرائم العشائر، مقابل 952 جريمة عامة و127 مخالفة إدارية. وفي شمال الراين-وستفاليا، بلغ عدد قضايا الجريمة المنظمة ست قضايا، مقابل 6707 جرائم عامة و1742 مخالفة إدارية. خلص التقرير الاتحادي عن الجريمة المنظمة لعام 2024، الذي نُشر في فبراير 2026، إلى أن هذا النوع من الجرائم يمثل “إمكانات تهديد مرتفعة بشكل مستمر”. إلا أن الأرقام تشمل أيضًا الجرائم الإلكترونية و”الجريمة كخدمة”، أي الجماعات المنظمة التي تقدم أعمالًا إجرامية للآخرين. ولا يقدم التقرير تقييمًا منفصلًا لجرائم العشائر، كما لا تتطابق بياناته بالكامل مع مجموعة البيانات الخاصة بالولايات الألمانية.
وفي حين لا يزال عدد التحقيقات ضد الجماعات المتورطة في الجريمة المنظمة مرتفعًا، إذ بلغ 647 قضية في عام 2024، انخفض عدد المشتبه بهم قليلًا مقارنة بالعام السابق، سواء بين الألمان أو بين حاملي الجنسيات الأجنبية. ويُظهر توزيع جنسيات المشتبه بهم في الجرائم المنظمة أن معظمهم يحملون الجنسية الألمانية، يليهم مواطنون من تركيا وسوريا وألبانيا وبولندا. وتبلغ حصة الألمان ما يقرب من أربعة أضعاف حصة أي من المجموعات الأخرى. ووفقًا للتقرير الاتحادي عن الوضع الأمني لعام 2024، لا يزال المشتبه بهم من حاملي الجنسيتين الألمانية والتركية يمثلون غالبية المتهمين بارتكاب الجرائم. وللمرة الأولى، شكل المشتبه بهم السوريون ثالث أكبر مجموعة، بنسبة بلغت 4.7%. وكانت نسبتهم 3.8% في عام 2023، وقد رصد المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية اتجاهًا تصاعديًا في السنوات الأخيرة.
خسائر مالية كيرة
تعكس نسبة المشتبه بهم الألمان إلى غير الألمان في جرائم العشائر الصورة العامة للجريمة المنظمة. وقدرت الخسائر المالية الناجمة عن جرائم العشائر في عام 2024 بنحو 15.6 مليون يورو. وبالمقارنة، كانت جماعات الجرائم الإلكترونية مسؤولة عن نحو نصف إجمالي الأضرار المالية. ووفقًا للمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، يُستخدم مصطلح “العشيرة” عندما تتميز “منظمة اجتماعية غير رسمية” بوجود “فهم مشترك للنسب بين أعضائها”. وتتميز هذه المنظمة بهيكل هرمي، وشعور قوي بالانتماء، ومجموعة مشتركة من القواعد والقيم. وقد تتقدم قواعد العشائر وقيمها جزئيًا على النظام القانوني الساري في ألمانيا، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى صراعات تنتهي في نهاية المطاف بارتكاب جرائم ومخالفات. ولذلك، تشير جرائم العشائر إلى السلوك الإجرامي لأفراد ينتمون إلى هذه العشائر.
تعد فرق العمل التابعة للولايات إحدى الإجراءات المتخذة لمواجهة هذه الظاهرة. وتحدث وزير الداخلية في ولاية شمال الراين-وستفاليا، هربرت رويل، عن “سياسة الألف وخزة”. ويهدف، بحسب قوله، إلى تعطيل أنشطة العشائر بشكل منهجي. ويستشهد رويل بأكثر من 1600 عملية تفتيش في مقاهي الشيشة ومحال المراهنات، وتفتيش نحو 4000 عقار، وتقديم أكثر من 2000 بلاغ جنائي. كما فُرضت غرامات في 11 ألف حالة. وقال: “يجب ألا نسمح للعشائر بعد الآن بلحظة واحدة من الهدوء”. يريد رويل توفير آفاق بديلة والاستثمار في الوقاية. ولذلك، يشارك 26 شابًا من أفراد العشائر في ولاية شمال الراين-وستفاليا في برامج مخصصة. ويهدف التركيز على الشباب إلى تشجيع عائلات بأكملها على الابتعاد عن الجريمة. ولا توجد إحصاءات موحدة على مستوى ألمانيا لجرائم العشائر باعتبارها فئة مستقلة. وتصدر تقارير وضع قابلة للمقارنة بشكل خاص في ولايات شمال الراين-وستفاليا وسكسونيا السفلى وبرلين.
ففي عام 2024، سجلت السلطات هناك نحو 6700 و3145 و851 جريمة على التوالي مرتبطة بجرائم العشائر. وفي برلين، انخفض عدد جرائم العشائر بنسبة 20% إلى 851 جريمة في عام 2024 مقارنة بالعام 2023. لكن بسبب مهام أخرى، مثل تأمين المظاهرات، نفذت الشرطة كذلك عددًا أقل بكثير من عمليات التفتيش. فبدلًا من 126 عملية، نفذت الشرطة 74 عملية فقط في عام 2024. وتعلقت هذه العمليات غالبًا بجرائم الإيذاء والسرقة، التي شكلت الجرائم العنيفة منها 20%، إضافة إلى الإهانة والإضرار بالممتلكات وغسل الأموال، التي شكلت 20% أيضًا. كما شكلت المخالفات المرورية 15%، بينما بلغت جرائم الممتلكات والتزوير 13%. ويبلغ إجمالي عدد الأشخاص المصنفين ضمن عائلات جرائم العشائر في برلين 616 شخصًا.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123480
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

