المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
التهديدات السيبرانية ـ الشراكات الأمنية العابرة للحدود ودورها في تعزيز أمن الفضاء الرقمي
أعلنت السلطات الألمانية عن تفكيك اثنتين من أكبر شبكات “botnets” في العالم، وذلك في إطار عملية مشتركة شاركت فيها ثلاث دول. وقد اعتمدت هذه الشبكات على اختراق ملايين الأجهزة اليومية المتصلة بالإنترنت، واستخدامها دون علم أصحابها لتنفيذ هجمات سيبرانية واسعة النطاق تستهدف مواقع وخدمات رقمية مختلفة. وتعد هذه العملية واحدة من أبرز التحركات الدولية في مجال مكافحة الجريمة الإلكترونية خلال العامين 2026، 2025 نظرا لحجم الشبكات التي تم تعطيلها وخطورتها على البنية التحتية الرقمية العالمية. أكد محققون في 20مارس من العام 2025 إنهم عملوا بالتعاون مع شركاء في الولايات المتحدة وكندا من أجل تعطيل البنية التحتية المرتبطة بشبكتي “Aisuru” و “Kimwolf”.
شمل هذا التعاون تنسيقا استخباراتيا وتقنيا مكثفا، إضافة إلى تبادل معلومات حول الأنشطة المشبوهة ومسارات الهجمات الإلكترونية، مما ساهم في تحديد مواقع الخوادم المستخدمة وتعطيلها بشكل متزامن في عدة دول. تتكون ما يعرف بشبكات “botnets” من ملايين الأجهزة المصابة ببرمجيات خبيثة، يتم التحكم فيها عن بعد من قبل القراصنة. وتستخدم هذه الشبكات بشكل أساسي في تنفيذ هجمات حجب الخدمة الموزعة، المعروفة اختصارا بـ DDoS، والتي تهدف إلى إغراق المواقع الإلكترونية أو الخوادم بكميات هائلة من البيانات، ما يؤدي إلى تعطيلها أو إخراجها من الخدمة بالكامل لفترات قد تكون قصيرة أو طويلة بحسب حجم الهجوم وقوة الدفاعات.
ماذا نعرف عن شبكتي “Aisuru” و “Kimwolf”؟
أفاد المكتب المركزي لمكافحة الجرائم السيبرانية في ولاية شمال الراين وستفاليا، إلى جانب المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية في ألمانيا، بأنهما نجحا في تعطيل البنية التحتية التقنية التابعة لهاتين الشبكتين، والتي كانت موزعة في عدة دول حول العالم. وأكد المسؤولون أن حجم هذه الشبكات وقدرتها على تنفيذ هجمات سيبرانية واسعة جعلا منها تهديدا كبيرا للبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، سواء في ألمانيا أو على المستوى الدولي. تمكن المحققون من تحديد هوية مشتبه بهما يعتقد أنهما من القائمين على إدارة هذه الشبكات. وقد تم تنفيذ عمليات تفتيش في كل من ألمانيا وكندا، أسفرت عن ضبط كميات كبيرة من الأدلة، بما في ذلك أجهزة تخزين بيانات، وأصول رقمية مشفرة تقدر قيمتها بعشرات الآلاف.
تشير هذه المضبوطات إلى وجود نشاط إجرامي منظم يعتمد على استغلال التكنولوجيا الحديثة لتحقيق مكاسب مالية، إضافة إلى تقديم خدمات هجومية لأطراف أخرى. يعتقد أن شبكة “Aisuru” اعتمدت بشكل أساسي على أجهزة إنترنت الأشياء المخترقة، مثل أجهزة التوجيه والكاميرات المتصلة بالإنترنت. أما شبكة “Kimwolf”، فقد ركزت بصورة أكبر على استغلال أجهزة Android TV المصابة. ولم يقتصر نشاط “Kimwolf” على تنفيذ الهجمات فحسب، بل كانت كذلك تؤجر خدماتها لقراصنة آخرين، بحيث يتم استخدام هذه الشبكة لإظهار أن حركة الإنترنت تأتي من أجهزة منزلية عادية، ما يصعب عملية التتبع والكشف.
كيف تعمل شبكات “botnets”؟
تعتمد هذه الشبكات على قيام القراصنة باختراق أجهزة متصلة بالإنترنت، مثل أجهزة التلفزيون الذكية، وأجهزة التوجيه، والكاميرات، وغيرها من الأجهزة المنزلية. ويتم ذلك غالبا من خلال استغلال ثغرات أمنية أو كلمات مرور ضعيفة، دون أن يدرك أصحاب هذه الأجهزة أنهم تعرضوا للاختراق. وبعد الإصابة ببرمجيات خبيثة، تتحول هذه الأجهزة إلى ما يشبه “الجنود الرقميين” التي يمكن التحكم فيها عن بعد. وعندما يتم ربط عدد كبير من هذه الأجهزة معا، تتشكل شبكة “botnets” قادرة على تنفيذ أوامر مركزية. ويستطيع القراصنة من خلال هذه الشبكات إرسال كميات ضخمة من البيانات في وقت واحد نحو هدف محدد. وفي حالة هجمات DDoS، تقوم آلاف أو حتى ملايين الأجهزة المصابة بإرسال طلبات متزامنة إلى موقع إلكتروني أو خادم، مما يؤدي إلى إرهاقه وتعطيله.
تكمن خطورة هذه الهجمات في صعوبة التصدي لها، خاصة عندما يكون مصدرها موزعا على عدد هائل من الأجهزة المنتشرة جغرافيا. كما أن استخدام أجهزة حقيقية تعود لمستخدمين عاديين يجعل من الصعب تمييز الهجوم عن حركة المرور الطبيعية، وهو ما يمنح المهاجمين ميزة إضافية. يؤكد الخبراء أن الأجهزة التي تستخدم كلمات مرور ضعيفة وغير أمنة، أو التي لم يتم تحديث برامجها لفترات طويلة، أو التي تحتوي على ثغرات أمنية، تعد الأكثر عرضة للاختراق والانضمام إلى مثل هذه الشبكات. ولذلك، ينصح المستخدمون بضرورة تحديث أجهزتهم بشكل دوري، واستخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل ميزات الحماية المتاحة، لتقليل مخاطر التعرض للهجمات.
تعكس العملية التي قادتها ألمانيا بالتعاون مع شركائها الدوليين في ضوء هذه التطورات، أهمية التنسيق الدولي والأوروبي في مواجهة التهديدات السيبرانية والهجينة المتزايدة خلال العام 2025 و2026. كما تسلط الضوء على الحاجة الملحة لتعزيز الوعي الأمني الإلكتروني لدى المستخدمين، وتطوير أنظمة الحماية، لمواكبة التحديات التي تفرضها التقنيات الحديثة في عالم متصل بشكل متزايد.
النتائج
تعكس عملية تفكيك شبكات “botnets” في إطار التعاون بين ألمانيا والولايات المتحدة وكندا تحولا نوعيا في طبيعة الاستجابة الدولية للتهديدات السيبرانية، حيث لم تعد هذه التهديدات محصورة في نطاق تقني ضيق، بل باتت تمثل تحديا أمنيا واستراتيجيا عابرا للحدود. ومن المرجح أن يتزايد الاعتماد على نماذج الشراكات متعددة الأطراف، خاصة في ظل تعقيد الهجمات وارتباطها بشبكات إجرامية منظمة، بل وأحيانا بجهات شبه رسمية.
تشير المعطيات إلى أن التهديدات السيبرانية ستتجه نحو مزيد من الاحترافية، مع توسع استخدام أجهزة إنترنت الأشياء كمنصات للهجوم، وهو ما يزيد من صعوبة الكشف المبكر والاحتواء. كما أن ظاهرة “تأجير الهجمات” عبر شبكات مثل “Kimwolf” توحي بتحول الجريمة السيبرانية إلى سوق خدمات متكامل، يتيح لجهات متعددة تنفيذ هجمات دون امتلاك خبرات تقنية متقدمة، ما يرفع من مستوى المخاطر عالميا.
من المتوقع أن تعزز الدول استثماراتها في أنظمة الدفاع السيبراني، خاصة تلك المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة، بهدف تحسين قدرات الرصد والاستجابة السريعة. كما أن التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات سيصبحان عنصرين حاسمين في تفكيك الشبكات قبل تنفيذ الهجمات، بدلا من الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوعها.
على المستوى الأوروبي، من المحتمل تدفع هذه التطورات نحو تسريع بناء منظومة أمن سيبراني موحدة، تعزز التكامل بين الدول الأعضاء وتحد من الفجوات الأمنية. أما على مستوى المستخدمين، فستزداد أهمية الوعي الرقمي، خاصة فيما يتعلق بحماية الأجهزة المنزلية، التي باتت تشكل الحلقة الأضعف في منظومة الأمن.
تشير الاتجاهات المستقبلية إلى أن الفضاء الرقمي سيظل ساحة مفتوحة للصراع، ما يتطلب توازنا دقيقا بين التطور التكنولوجي وتعزيز الأطر التنظيمية والتعاونية، لضمان الحد من المخاطر والحفاظ على استقرار البنية التحتية الرقمية العالمية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116464
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
