محاربة التطرف

#التعايش في الخطاب #الإسلامي

مقومات العيش المشترك في الخطاب الإسلامي

من الأهمية بمكان التعريف بأصول الإسلام التي تؤسس لمبدأ الحوار بين الحضارات في المجالين الديني والإنساني، كاستحقاق شرعي لتدعيم العيش المشترك بين المسلمين وبعضهم، وبين المسلمين وغيرهم.ففي المجال الديني قال تعالى: {قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].ففي هذين النصين يعلن القرآن الكريم بكل وضوح، أن الحوار في المجال الديني جائز شرعا لكشف مقومات المعتقد الصحيح في الدين على أن يكون لكل فريق في نهاية الحوار الحرية في التمسك بمعتقداته دون إضرار أو إكراه، إعمالاً لقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256].وتنفيذاً لمضمون الآيتين في نهاية الحوار { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، أي هذا ما يخصنا.

أما مبدأ الحوار مع الآخر في المجال الإنساني، فقد طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في موطن كان الحق فيه له، فهو المنتصر الأعزّ، وأعداؤه الذين أخرجوه من دياره وآذوه في بدنه، وعذبوا أصحابه، هم الأذلّ، ذلك هو يوم الفتح المبين لمكة – بلد الله الحرام- في شهر رمضان عام 8 هجرية = 630 ميلادية، وبلغة راقية ونظرة حانية حوّل الرسول صلى الله عليه وسلم ذلّهم إلى عزّ، بعد أن وصّى أصحابه وهم على أبواب مكة قائلا: ” لا تقاتلوا إلا من قاتلكم”، ودخل صلى الله عليه وسلم مكة، وانتهى إلى الكعبة فكبّر وكبّر المسلمون معه، وطاف حولها وطاف المسلمون معه، والمشركون فوق الجبال ينظرون متحسبين لما يأمر به صلى الله عليه وسلم فيهم، فوقف على باب الكعبة ونادى بصوت عال ، يدعوهم للحوار: “يا معشر قريش، إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَكَبُّرَهَا بِآبَائِهَا، كُلُّكُمْ لِآدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ”.

فاجتمع الناس لبيعته صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس لهم على جبل الصفا، وبايعوه على السمع والطاعة، لله وللرسول فيما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فبايعهم على ذلك، ثم اجتمع إليه النساء فبايعهن كما بايع الرجال، مما يدل على تحمل المسئولية في الإسلام لا تفرق بين الرجال والنساء، ولما اطمئن صلى الله عليه وسلم إلى تغيّر حال أهل مكة من إسقاط للباطل في نفوسهم، إلى تشرّب للحق عن عقيدة ويقين. أمر بكسر الأصنام وإخراجها من المسجد الحرام. وقرأ قوله تعالى: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } [الإسراء:81].ولم يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم قبل البيعة الجماعية له حتى لا يُحدث فتنة، والناس قريب عهد بعبادة الأصنام، وسلوك الجاهلية، وهذه هي قمة الحكمة في منهج التغيير في الإسلام.

ونخلص من هذه الوقائع الإنسانية، وهذا الحوار البنّاء أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يُعلي مبدأ التسامح في الإسلام، فلم ينتقم ممن اضطهدوه، وأخرجوه من بلده وتآمروا على قتله، بل صفح عنهم، ولم يشهر السيف في وجوههم للتخويف، أو الترويع، بل إنه صلى الله عليه وسلم عنّف سعد بن عبادة وكان يحمل الراية عند دخوله مكة حين قال: ” اليَوْمَ يَوْمُ المَلْحَمَةِ، اليَوْمَ تُسْتَحَلُّ الكَعْبَةُ، اليوم أذل الله قريشا” فرُفع أمره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب ثم قال: ” «كَذَبَ سَعْدٌ، وَلَكِنْ هَذَا يَوْمٌ يُعَظِّمُ اللَّهُ فِيهِ الكَعْبَةَ، وَيَوْمٌ تُكْسَى فِيهِ الكَعْبَةُ»، وأخذ منه الراية ودفعها إلى ابنه قيس، فكانت النتيجة أن تغيّر الحال والمكان، فدخل الناس في دين الله أفواجا وطُهِّرت الكعبة من الأصنام، وباتت العزة لله وللرسول وللمؤمنين، ولعب إعلام النبوة في ذلك دورا عظيما.

مرصد الأزهر

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى