المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI، وحدة الدراسات والتقارير”29″
التطرف والإرهاب نتيجة الصراعات والحروب وانعكاساتها على الأمن الدولي
تُشكل الحروب والنزاعات المسلحة المعاصرة محركات رئيسية لإعادة هندسة المشهد الجيوسياسي العالمي، متجاوزةً تداعياتها الميدانية المباشرة لتخلق بيئات هشّة ومناخات مُحفزة لإنتاج وتغذية التطرف والإرهاب العابر للحدود. وفي ظل تحول صراعات القوى واسترتيجيات الحروب الهجينة، لم تعد التهديدات الأمنية حبيسة بؤر التوتر التقليدية، بل تتمدد عبر ممرات النزوح، والأزمات الاقتصادية، والاستقطاب المجتمعي، لتلقي بظلالها على الأمن والاستقرار الدوليين.
الحروب كبيئة مولدة للتطرف
تشير خبيرتا معهد بروكينغز، “فاندا فلباب-براون” و”تشارلوت ووكر-جونسون”، إلى أن المشهد المستقبلي للتهديدات العابرة للحدود يشهد تحولات جذرية ستعيد هندسة طبيعة الصراعات، حيث تعمد التنظيمات المسلحة وشبكات الجريمة إلى توظيف تقنيات متقدمة كالطائرات المسيرة ومنظومات الذكاء الاصطناعي. وعليه فإن هذه التطورات قد تؤدي إلى تراجع الارتباط التقليدي بين نفوذ تلك الجماعات والسيطرة على الأرض، لصالح مصادر تمويل رقمية مستحدثة كالجرائم السيبرانية والعملات المشفرة.
كما تسهم أدوات التصنيع الحديثة والطباعة ثلاثية الأبعاد في تقويض الاعتماد على شبكات التهريب التقليدية، بينما تتحول الأساليب الهجومية نحو التخريب الرقمي للبنية التحتية عن بعد. ونتيجة لذلك، تتخلص هذه التنظيمات من عبء الجيوش البشرية الكثيفة، لتغدو “البيانات” والتحكم بالبنية التحتية الرقمية ميدان الصراع الحقيقي الذي يتجلى في الأبعاد الهيكلية الآتية:
ـ انهيار الدولة والمؤسسات: حذّر المشاركون في فعاليات مؤتمر ميونيخ للأمن المنعقد في الفترة من 13 إلى 15 فبراير 2026 من دخول النظام الدولي “عصر سياسات الهدم” وتصدع الشراكات التقليدية؛ حيث لفت المستشار الألماني ميرتس إلى أن صراع القوى الكبرى يتسم بالسرعة والقسوة، ويعتمد على استغلال تبعيات الآخرين وقت الحاجة. ويتطابق هذا الواقع الاستراتيجي مع أزمة انهيار الدول ومؤسساتها، إذ تتسع الفراغات الأمنية والسياسية وسط عجز الهياكل الرسمية عن الصمود أمام الأزمات المترابطة، مما يخلق بيئة رخوة تتغلغل فيها التنظيمات وتتراجع فيها كفاءة العقد الاجتماعي وحوكمة الأسواق.
ـ الفراغ الأمني: برز “الفراغ الأمني” كقضية استراتيجية مركزية في تقييمات عام 2026، نتيجة لتآكل السلطة المركزية وعجز الهياكل التقليدية عن ضبط التهديدات المتصاعدة. وفي هذا الصدد، تشير تقديرات مجموعة الأزمات الدولية إلى أن: “تراجع كفاءة إدارة النزاعات متعددة الأطراف وتفشي الجماعات المسلحة في الفراغات السلطوية يستمران في تغذية عدم الاستقرار الإقليمي، متجاوزين قدرة أطر حفظ السلام”. ويؤدي هذا التراجع المؤسسي إلى غياب سيادة القانون، مما يسمح للجهات الفاعلة من غير الدول بتعزيز نفوذها وملء الشواغر التي تركتها مؤسسات الدولة المتهالكة، الأمر الذي يضعف العقد الاجتماعي ويزيد من تعقيد التدخلات الدولية الرامية لاستعادة الاستقرار.
ـ النزوح والتهجير: تمثل أزمة النزوح والتهجير القسري أبرز التداعيات الهيكلية لتصدع البنى الأمنية واتساع رقعة الفراغات السلطوية؛ إذ تشير نقاشات وتقارير تشاتام هاوس Chatham House لعام 2026 إلى أن: “اتساع نطاق الأزمات الإقليمية واستمرار حالة عدم الاستقرار يفجران موجات تهجير واسعة النطاق تضغط بشدة على البنى التحتية والدول المضيفة، مما يحول التحديات الإنسانية إلى أزمات استراتيجية مستدامة تعيق جهود السلام والاستقرار في مناطق النزاع”. ويمثل هذا التدفق البشري الضغط الديموغرافي الأبرز الذي يختبر قدرة المنظومة الدولية على الاستجابة الفاعلة للتغيرات الأمنية المتسارعة. مكافحة الإرهاب والتطرف في أوروبا: المفهوم، الاستراتيجيات، والتحديات الأمنية
ـ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية: تشكل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية انعكاساً مباشراً لتصدع البنى المؤسسية، إذ تفيد تحليلات مؤسسة بروكينغز Brookings Institution لعام 2026 بأن: “التجزئة الجيوسياسية واضطرابات الأسواق العالمية تدفعان نحو تآكل حاد في مستويات الدخل، مما يخلق بيئات اجتماعية هشة تفتقر إلى مقومات الاستقرار والنمو”. ولا يقتصر أثر هذا التراجع على الجانب المعيشي فحسب، بل يمتد ليصبح وقوداً محفزاً لانتشار التطرف والإرهاب؛ فمع تلاشي الفرص الاقتصادية وتدهور الخدمات الأساسية، تجد الجماعات المتطرفة في صفوف الشباب المهمشين بيئة خصبة للاستقطاب والتحريض. وهكذا، تتحول الأزمات الاقتصادية من مجرد تحديات مالية إلى محركات أمنية خطيرة تمنح التنظيمات الإرهابية فرصة لملء الفراغ، مستغلةً حالة السخط الشعبي لتعزيز نفوذها وتفكيك الروابط الوطنية.
ـ التجنيد والتطرف: تسعى الجماعات المتطرفة باستمرار إلى استغلال الفجوات الاجتماعية والسياسية لتحقيق أهدافها الاستقطابية؛ إذ إن تراكم الأزمات وغياب العدالة الاجتماعية يخلقان بيئة خصبة تتيح للتنظيمات المتطرفة استغلال مشاعر الإحباط والسخط لدى الفئات المهمشة لدفعها نحو مسار التجنيد والتبعية. ومع التطور التكنولوجي المتسارع، باتت هذه التنظيمات توظف تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات تحليل البيانات لإنتاج دعاية موجهة، وتوليد محتوى مضلل يتكيف مع اهتمامات كل فئة مستهدفة لتأجيج الأزمات وتسريع وتيرة التأثير الرقمي. ويتحول هذا التوظيف الممنهج للأزمات المجتمعية والأدوات التقنية الحديثة إلى أداة فاعلة لتوسيع شبكات العنف والتطرف، مما يضاعف من حجم التهديدات الأمنية ويعيق جهود تحقيق الاستقرار. الذكاء الاصطناعي ـ كيف تحولت الجماعات المتطرفة إلى شبكات رقمية عابرة للحدود؟
من ساحة الحرب إلى البيئة الدولية
تتجاوز ارتدادات النزاعات المسلحة حدودها الجغرافية الضيقة لتلقي بظلالها الثقيلة على الأمن الإقليمي والدولي؛ إذ تشير أحدث التقارير الصادرة في 16 يناير 2026 إلى أن: “تداعيات الحروب المعاصرة لا توتّر محيطها المباشر فحسب، بل تعيد تشكيل البيئة الدولية عبر تصدير الفوضى وكسر الحواجز الأمنية بين الدول”. ويمثل هذا التداخل العابر للحدود تحولاً خطيراً يحيل النزاعات المحلية إلى أزمات عالمية تختبر صلابة المنظومة الأمنية الدولية وتفرض تحديات استراتيجية جديدة تتجاوز قدرة الدول منفردة على احتواائها.
ـ انتقال الأفراد والأفكار والخبرات القتالية: لا تقتصر تداعيات النزاعات على الخسائر الميدانية المباشرة، بل تمتد لتشكل ممرات عابرة للحدود تنقل المقاتلين والأفكار الراديكالية؛ إذ يشير تقرير صادر في السادس من مايو 2026 إلى أن: “تصدع الجبهات الداخلية وانفراط عقد الأمن الإقليمي يسهلان حركة الأفراد والخبرات القتالية نحو بيئات جديدة، مما ينقل عدوى العنف والفكر المتطرف إلى دول ومناطق لم تكن طرفاً مباشراً في النزاع الأصلي”. ويتجلى هذا الواقع بوضوح في العمليات الأمنية الأخيرة بسوريا، والتي أسفرت عن توقيف مقاتلين أجانب وعناصر وافدة عابرة للحدود، مما يمثل تحدياً أمنياً خطيراً يغذي خلايا كامنة ويخلق شبكات ارتباط معقدة بين بؤر التوتر المختلفة، معيداً إنتاج الأزمات بصيغ أكثر شمولاً وخطورة.
ـ شبكات التجنيد والتمويل: تعتمد التنظيمات المتطرفة والجماعات المسلحة على آليات مرنة لتوسيع نفوذها واستدامة عملياتها؛ إذ يشير تقرير أعده الكاتب شتيفان شتاينباخ في الرابع من مارس 2025 إلى أن: “شبكات التطرف والإرهاب طوّرت أساليبها لتستغل الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي في استقطاب العناصر الجديدة وتأمين مصادر تمويل خفية”. ويوضح التقرير أن هذا التحول الاستراتيجي نحو التجنيد الافتراضي يتيح لهذه التنظيمات تجاوز القيود الأمنية التقليدية، مما يسهل عليها الوصول إلى الفئات الهشة، وتعبئة الموارد المالية، وإدارة شبكاتها المعقدة بمعزل عن الرقابة المباشرة.
ـ التأثير الرقمي للحروب: لم تعد ساحات القتال مقتصرة على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل فضاءات شبكية واسعة تستخدم فيها التكنولوجيا كأداة توجيه وتعبئة؛ إذ يشير تقرير صادر في 14 يونيو 2026 إلى أن: “التأثير الرقمي للحروب بات يلعب دوراً محورياً في صناعة الرأي العام، وتوجيه مسار الصراعات، وتسريع وتيرة الاستقطاب العابر للحدود”. ويوضح التقرير أن استغلال المنصات الرقمية لترويج الدعاية وتنسيق العمليات يعقّد الجهود الأمنية ويجعل مواجهة هذه الشبكات تتطلب أدوات استباقية تتجاوز العمل العسكري التقليدي.
ـ احتمالات عودة المقاتلين أو ظهور أجيال جديدة من المتطرفين: أخذت التهديدات الأمنية أشكالاً متجددة مع تفكك البنى الميدانية للجماعات المسلحة؛ إذ أشار تقرير صدر في17إبريل 2026 إلى أن: “المقاتلين الأجانب المعتقلين في شمال شرق سوريا مثلوا هاجساً أمنياً رئيسياً، سيما مع تزايد مخاوف عودة نشاط التنظيمات المتطرفة وفرار بعض المعتقلين من المخيمات مثل مخيم الهول”. ووضح التقرير أن عمليات نقل آلاف المعتقلين المرتبطين بتنظيم داعش -والتي شملت عناصر من حملة الجنسيات الأوروبية كالألمان والفرنسيين- من السجون السورية إلى المرافق العراقية وضعت دول الاتحاد الأوروبي أمام تحديات قانونية وأمنية معقدة، تمثلت في التعامل مع تطبيق عقوبة الإعدام وتفادي تجدد الأجيال القتالية العابرة للحدود.

أوكرانيا كنموذج
وفرّ النزاع في أوكرانيا مرجعاً عملياً لاختبار تكتيكات الحرب المعاصرة وأساليب الاستنزاف الميداني؛ إذ أشار تقرير صادر في 24 يوليو 2026 إلى أن: “مراحل الحرب الحاسمة فرضت تبني تقنيات غير مسبوقة في العمليات العسكرية والضربات الموجهة”. وفي هذا السياق، يرى الخبير صامويل شاراب أن الدور الأوروبي لا يجب أن يقتصر على الدعم العسكري، بل استدعى تهيئة المسارات الدبلوماسية لدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات وصياغة ترتيبات تمنع تفاقم الصراع. وقد تجاوزت هذه التجربة الأطر العسكرية الضيقة لتشكل اختباراً لكفاءة المنظومة الأمنية الأوروبية برمتها، ممهدة الطريق نحو وقائع استراتيجية فرضت على العواصم الأوروبية التعامل مع تداعيات أمنية بالغة التعقيد تمتد إلى خارج حدود القارة.
التداعيات الأمنية للحرب على أوروبا: أحدثت الأزمة الأوكرانية هزة استراتيجية عميقة وتحولات هيكلية أعادت هندسة عقيدة الأمن والدفاع الأوروبي؛ فقد بيّن تقرير لمؤسسة راند في 22 مايو 2025 أن الحرب دفعت القادة لإعادة تقييم أدوات إدارة الطوارئ ومواجهة التهديدات المستقبلية. وفرضت هذه البيئة ضغوطاً لمضاعفة ميزانيات الدفاع وحماية البنى التحتية الحساسة. وتداخلت هذه التحولات مع احتمالات عودة المقاتلين وظهور أجيال جديدة من المتطرفين؛ إذ استغلت التنظيمات الإرهابية حالة الانكشاف الأمني وثغرات الحدود الناشئة عن الحرب، مما أجبر الأجهزة الأمنية على مواجهة مزدوجة تجمع بين احتواء صراعات القوى الكبرى وكبح جماح شبكات الإرهاب العابر للحدود.
النموذج الأمريكي ـ الإيراني
أفرزت الأزمات الميدانية المتلاحقة تحولات عميقة في طبيعة الاشتباك الإقليمي؛ فقد بيّن تقرير صدر في الثالث من مارس 2026 أن: “الصراعات الإقليمية لعبت دوراً محورياً في تنشيط أنماط العنف غير المباشر، حيث اعتمدت الأطراف المتصارعة على استراتيجيات الحرب بالوكالة لتجنب المواجهة المباشرة”. وقد أدت هذه الاستراتيجيات المدمّرة إلى إطالة أمد الحروب وتفكيك سيادة الدول، مما وفر بيئة خصبة ومثالية لتكاثر التنظيمات الإرهابية، وتسهيل اندماج شبكات التطرف المسلح في الصراعات المحلية والإقليمية. الأمن الدولي في الرؤية الأوروبية: كيف تنظر دول أوروبا إلى تهديدات إيران؟
تعكس مؤشرات الصراع الأمريكي الإيراني تصاعد الهجمات الإرهابية عالمياً نتيجة لجوء طهران إلى شبكات الوكلاء للرد على استهداف مصالحها، عبر عمليات مركزية وأعمال لامركزية ينفذها أفراد متعاطفون تستهدف السفارات والمصالح الغربية والإسرائيلية. كما تسعى تنظيمات كالقاعدة وداعش لاستغلال حالة الفوضى الجيوسياسية للعودة إلى المشهد الأمني. وقد رصدت الأجهزة الأمنية مؤشرات مبكرة لتلك التهديدات بتفكيك خلايا تخريب وتأمين منشآت حيوية، مما دفع وكالات الاستخبارات في أمريكا وأوروبا لرفع مستوى التأهب الأمني وشدد الرقابة حول البعثات الدبلوماسية والمؤسسات الحساسة، وسط توقعات ببقاء مستوى التهديد مرتفعاً طوال فترة الأزمة وما بعدها.
أكد الخبير الأمني كايل وانكينز، في تقرير له نشر بتاريخ 22 أغسطس 2026، أن إيران تعتمد على شبكة وكلاء مرنة لبسط نفوذها الخارجي مع تفادي الانزلاق نحو صراع عسكري مباشر. ويرى وانكينز أن طهران تمنح الأولوية المطلقة للفعالية العملياتية والولاء على حساب التوافق الأيديولوجي الصارم. كما يوضح أنه على الرغم من الضغوط الميدانية، إلا أن شبكة التهديد الإيرانية تتكيف بمرونة مفرطة عبر اللامركزية. ويشير التحليل إلى توسع نشاط هؤلاء الوكلاء بشكل ملحوظ داخل الساحة الأوروبية، حيث يفيد بأن الاعتماد المتزايد على المجندين المحليين والشبكات الإجرامية يخلق تهديدات أمنية بالغة التعقيد. وتخلص القراءة إلى أن هذا التقارب المستجد بين الإرهاب والجريمة المنظمة يفرض تحديات جوهرية تعطل كفاءة جهود مكافحة الإرهاب التقليدية.
أفادت التقارير الاستراتيجية الصادرة في منتصف أغسطس 2026 بأن تصاعد الهجمات الميدانية التي تستهدف البنية التحتية لقطاع الطاقة في المنطقة قد ضاعف من المخاطر التي تواجهها شرايين التجارة العالمية. وأشارت التحليلات إلى أن استمرار التهديدات الموجهة ضد منشآت التكرير والممرات البحرية الحيوية فرض ضغوطاً واسعة على الأسواق الدولية، مما دفع الدول الكبرى والشركات الغربية إلى تبني مسارات بديلة وإجراءات طارئة لتأمين إمدادات الوقود وحماية خطوط الملاحة من التداعيات المستمرة للأزمة.
تتجسد خطورة الأزمة الراهنة في السودان في الترابط الوثيق بين أزمات الهجرة الجماعية وحركة النزوح القسري، والتي أدت إلى تفريغ واسع للمناطق الحيوية ومضاعفة أعباء دول الطوق الإقليمي بحسب التقرير الصادر في التاسع من يناير 2026. وتوثق التقارير الدولية أن هذه الموجات البشرية الضخمة خلقت فراغاً أمنياً وبيئة حدودية سارعت شبكات التطرف لاستغلالها والانخراط فيها. ومع استمرار تدهور الظروف المعيشية وغياب مقومات الاستقرار، تجد التنظيمات الإرهابية مناخاً مناسباً لتغذية عمليات الاستقطاب والتجنيد مستغلة الفئات المتضررة في مخيمات اللجوء وطرق الهجرة غير النظامية، مما يربط بين تفاقم الأزمات الإنسانية وصعود التهديدات الأمنية العابرة للحدود. ويشير التقرير إلى أن غياب التمويل الكافي لخطط الاستجابة الإنسانية يضاعف من سرعة تحول الكتلة البشرية المتضررة إلى ورقة ضغط أمنية، مما يجعل الحصار المفروض على مسارات الإغاثة عاملاً مساعداً في تغذية دوامة العنف وإطالة أمد المخاطر الإقليمية والدولية المرتبطة بهذه الأزمة.
يُشخص تقرير مجموعة الأزمات الدولية الصادر بتاريخ 13 أغسطس 2026 “النموذج اليمني” كأحد أخطر مهددات الأمن الإقليمي والملاحة، لاستخدام باب المندب كأوراق ضغط استراتيجية. وتشير التحليلات إلى أن استمرار استهداف خطوط الشحن أدخل المنطقة في تصعيد يضاعف أعباء التجارة العالمية وتهديدات الإقليم، مما يفرض ضغوطاً دولية لإيجاد مقاربات تحول دون تحول الممرات لساحات مواجهة. كما تشير التقديرات إلى أن الانكشاف الأمني بالبيئات الساحلية يهدد بخلق فراغات تنشط فيها شبكات التطرف والإرهاب للاستفادة من تعقيدات المشهد البحري في التهريب وربط الجبهات، مما يجعل التحديات مرتبطة بكبح هذه المخاطر على امتداد الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية وخليج عدن.
أوروبا كمساحة لتلقي التداعيات
تمثل القارة الأوروبية الميدان الأبرز لتلقي ارتدادات الأزمات المتسارعة في مناطق الجوار الإقليمي والشرق الأوسط، حيث تنتقل تداعيات الاضطرابات الأمنية والنزاعات المسلحة بسرعة عابرة للحدود لتصيب الاستقرار الداخلي للقارة. فاستمرار الصراعات وأزمات النزوح الإنساني، جنباً إلى جنب مع تصاعد التهديدات الجسيمة في الممرات البحرية الاستراتيجية كمضيق باب المندب وخليج عدن، لم يعد محصوراً في إطاره الجغرافي الضيق؛ بل يفرض ضغوطاً هيكلية ومباشرة على المنظومة الأمنية والاجتماعية والاقتصادية الأوروبية.
وفي ظل هذا الترابط المعقد بين أزمات الجوار المشتعلة والعمق الاستراتيجي الأوروبي، تجد العواصم الأوروبية نفسها في مواجهة حتمية مع سلسلة من الارتدادات المباشرة التي تختبر قدرة مؤسسات الاتحاد على احتواء الأزمات الخارجية. وتتجلى هذه التداعيات في تصاعد التهديدات الأمنية المتمثلة في شبكات التططرف والهجرة، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الحادة المرتبطة بسلاسل الإمداد وأمن الطاقة، فضلاً عن الانقسامات المجتمعية الداخلية التي تعيد تشكيل المشهد السياسي والقارّي بأكمله.
ـ الإرهاب والتطرف: تشير التقارير الاستراتيجية الصادرة عن معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي لعام 2026 إلى أن البيئة الأمنية للقارة تواجه ضغوطاً متصاعدة وهجمات هجينة تستهدف البنية التحتية واستقرار الدول الأعضاء. ومع تراجع مظلة الردع التقليدي واتساع رقعة الفراغات الأمنية في مناطق الجوار الإقليمي، تجد العواصم الأوروبية نفسها عرضة لمخاطر هيكلية عابرة للحدود. ويحذر مراقبون من أن تراجع الاستقرار في الجوار الإفريقي والشرق أوسطي يفتح باباً واسعاً أمام شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود؛ حيث تعمد التنظيمات المتطرفة إلى إعادة تموضعها واستغلال هشاشة الحدود والاضطرابات الميدانية لتأمين مصادر تمويل جديدة وتسهيل حركة العناصر المقاتلة. وتؤكد هذه القراءات أن الارتباط الوثيق بين الحروب الهجينة التي تقودها قوى معادية وتنامي شبكات التطرف يفرض على الأجهزة الأمنية الأوروبية تحديات مزدوجة لصد الاختراق الرقمي والبشري، وحماية الج الجبهة الداخلية من التهديدات المتشابكة.
ـ الهجرة واللجوء والأمن الحدودي: تكشف بيانات المنظمة الدولية للهجرة لعام 2026 أن اتساع نطاق النزاعات المسلحة في الشرق الأوسط – وتحديداً التداعيات الميدانية في لبنان وسوريا وتأثيرات الأوضاع في إيران وباكستان وأفغانستان – أدى إلى موجات نزوح واسعة تجاوزت المليون نازح داخلياً في لبنان، بالإضافة إلى عشرات آلاف العابرين للحدود نحو سوريا ودول الجوار. وتفرض هذه الأزمات الإنسانية المتسارعة ضغوطاً هيكلية ولوجستية بالغة التعقيد على البنى التحتية المحلية ومجتمعات الاستضافة. وفي سياق تداعيات هذه الحروب المستمرة، تحذر التقارير الأمنية من أن استمرار حالة الهشاشة وانفلات المسارات الحدودية يوفر بيئات خلفية وثغرات خطيرة تستغلها شبكات الجريمة المنظمة والتنظيمات المتطرفة لتسهيل تمرير عناصر عابرة للحدود، مما يربط أزمة اللجوء والنزوح بشكل وثيق بتصاعد مخاطر التطرف والإرهاب داخل القارة.
ـ الاستقطاب المجتمعي: تتسبب التداعيات المستمرة للنزاعات والضغوط الاقتصادية وأزمات الهجرة في تصاعد حاد لحالة الاستقطاب المجتمعي والسياسي داخل الدول الأوروبية، حيث تبرز أمثلة واضحة في تآكل تماسك النسيج الاجتماعي وانقسام الشارع في دول محورية مثل المجر وبريطانيا وألمانيا وفرنسا والدنمارك وإيطاليا بين تيارات تدعو للتشدد وأخرى تتمسك بقيم الوسطية. وتشير تحليلات معهد بروكنجز الصادرة في يونيو 2026 إلى أن هذا الانقسام المتنامي يعيد تشكيل المشهد الحزبي ويختبر بحدة تماسك القارة؛ وفي ظل هذا المناخ المشحون، تحذر الدوائر الأمنية من أن تفكك التضامن المجتمعي يمنح شبكات التطرف والإرهاب بيئة خصبة ومثالية لتسريع عمليات التجنيد الرقمي وتشكيل خلايا نائمة بين الفئات المهمشة، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف المناعة المجتمعية للقارة، ويسهل على التنظيمات المتطرفة اختراق جبهتها الداخلية وتهديد أمنها القومي.
ـ أمن الطاقة: تلقي الصدمات المتلاحقة لأسواق الطاقة بظلال ثقيلة على الاستقرار الاقتصادي والمعيشي في عمق القارة الأوروبية، لا سيما مع اندلاع أزمات الإمداد المرتبطة بالتوترات العسكرية والعمليات المرتبطة بالملف الإيراني. وتسلط صحيفة The Guardian لعام 2026 الضوء على تداعيات هذه الصدمات داخل أوروبا، حيث تواجه الحكومات موجات غير مسبوقة من التضخم وارتفاع فواتير الكهرباء التي تثقل كاهل الأسر والمصانع على حد سواء. تشير التقارير الأمنية إلى أن حالة الإنهاك المعيشي واتساع فجوة عدم المساواة تخلقان بيئة حاضنة ومناخاً مشحوناً، تستغله شبكات التطرف والإرهاب لنشر خطاباتها التخريبية وتجنيد الفئات الأكثر تضرراً، مما يجعل أمن الطاقة حلقة وصل مباشرة تتغذى منها مخاطر زعزعة الاستقرار الداخلي.
ـ تهديدات البنية التحتية والمصالح الأوروبية خارج الحدود: تُوجّه التقارير الاستراتيجية الصادرة عن معهد الدراسات الأمنية التابع للاتحاد الأوروبي لعام 2026 تحذيرات بالغة الأهمية من تصاعد المخاطر المباشرة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والمصالح الحساسة لأوروبا، سواء عبر التخريب المتعمد لشبكات الاتصالات وخطوط الطاقة تحت البحر، أو من خلال التعرض للممرات المائية واللوجستية خارج الحدود. وتشير التحليلات إلى أن هذه العمليات الهجينة العابرة للحدود تهدف إلى شل المرافق الحيوية وتعطيل سلاسل الإمداد وإرباك الأسواق الأوروبية دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة. وتؤكد الدوائر الأمنية أن استمرار هشاشة البنى التحتية وتكشف خطوط الإمداد الاستراتيجية يوفر ثغرات واسعة ومثالية تستغلها شبكات التطرف والتنظيمات الإرهابية لتنفيذ ضربات سيبرانية أو مادية تكاملية مع التهديدات الجيوسياسية، مما يجعل حماية المنشآت الحيوية خط الدفاع الأول لضمان استقرار القارة وأمنها القومي.
تقييم وقراءة مستقبلية
– من المحتمل أن تصبح تداعيات الحروب الخارجية والصراعات الإقليمية الممتدة المصدر الأبرز والمتصاعد للتهديدات الأمنية الداخلية في عمق القارة الأوروبية، متجاوزة حدود الأزمات العابرة لتشكل ضغطاً هيكلياً مستداماً على استقرارها.
– يُعتقد استناداً إلى المعطيات الاستراتيجية أن هذا المسار التصاعدي سيبلغ ذروته في حال تزامنت الأزمات الجيوسياسية -بدءاً من اضطرابات أسواق الطاقة وصولاً إلى موجات النزوح القسري- مع تنامي أنشطة التططرف الرقمي واستغلال الفضاء السيبراني للتجنيد الافتراضي.
– تشير التقديرات إلى أن حالة الاستقطاب المجتمعي الحاد وتصدع النسيج الاجتماعي وانقسام الشارع الأوروبي ستلعب دوراً رئيسياً في إضعاف المناعة المجتمعية للقارة، مما يسهل على الشبكات الإجرامية والتنظيمات المتطرفة اختراق جبهتها الداخلية.
– يُرجح أن يتفاقم هذا الخطر مع تراجع الثقة بالمؤسسات وعجز الهياكل الحكومية والتقليدية عن تقديم استجابات سريعة وفعالة تحصن الفئات الهشة ضد خطابات الكراهية والتحريض المستمرة.
– يستوجب هذا الواقع الاستراتيجي مقاربة أمنية وسياسية شاملة تتجاوز الإجراءات الحدودية والعسكرية التقليدية، لتردم الفجوات الاقتصادية والمجتمعية وتستبق الاختراقات البشرية والرقمية بما يضمن حماية الأمن القومي الأوروبي على المدى الطويل.
– تفيد القراءات الاستشرافية بأن ارتدادات الصراعات الإقليمية ستتجاوز نطاق الأزمات المؤقتة لتتحول إلى ضغوط هيكلية طويلة الأجل، حيث ستمس الاستقرار الداخلي وتفرض أعباءً بالغة على منظومات الأمن القومي للدول المستضيفة والبعيدة عن مسار المواجهات المباشرة.
– تشير التقديرات الاستراتيجية إلى بلوغ المخاطر الجيوسياسية أوجها عند نقطة التلاقي بين صدمات أسواق الطاقة وموجات النزوح القسري، بالتوازي مع تسارع التجنيد الشبكي وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وخوارزميات تحليل البيانات لتوجيه الرأي العام وبث التضليل.
– تتجه السيناريوهات الجيوسياسية المرجحة نحو اتساع الانقسامات السياسية وانحسار التماسك المجتمعي، مما سيمنح التنظيمات المتشددة فرصة نمطية لنشرخطاب الكراهية واستقطاب الفئات الأكثر تضرراً من تداعيات التراجع الاقتصادي.
– تستشرف الدراسات الأمنية عمق التعاون اللوجستي المتبادل بين شبكات الجريمة المنظمة والعناصر المتطرفة، مما سيزيد من تعقيد مهمات التقصي الاستخباري نتيجة تداخل الجرائم الجنائية مع الأنشطة الإرهابية الموجهة وتوافق المصالح المادية بينهما.
– يُرتقب على المدى المتوسط توظيف ملفات النزوح القسري واللجوء كأوراق ضغط ومناورة سياسية من قبل أطراف النزاع، لإرباك المنظومات الحدودية والأجهزة الأمنية في البلدان المستقبلة وتسهيل حركة وتسلل العناصر المسلحة.
– تذهب التحليلات المتقدمة إلى ترجيح توجيه الهجمات الهجينة والضربات غير المباشرة نحو البنى التحتية الحيوية، مثل خطوط نقل الطاقة وكوابل الاتصالات البحرية وشبكات البيانات، بغرض إحداث شلل حيوي في المرافق الأساسية بأقل كلفة عسكرية ممكنة.
– من المرجح جيوسياسياً تكرار أنماط تعويق حركة الملاحة والتجارة العالمية في المعابر والمضايق الحيوية كباب المندب، لفرض تكاليف اقتصادية باهظة وخلق بيئات شاطئية غير منضبطة تُستغل في عمليات التهريب وترتيب الجبهات الإقليمية.
– تُنبئ التقييمات الأمنية بتصاعد الاعتماد على الأنظمة الذاتية والتكتيكات المسيرة منخفضة التكلفة، إلى جانب التوسع في منصات التمويل المشفر والعملات الرقمية، لتنفيذ العمليات وإدارتها بعيداً عن أعين الرصد الاستخباري والمؤسسات المصرفية الرسمية.
– تعزز احتمال فرض الواقعية الاستراتيجية لحتمية الانتقال من أطر الاستجابة الحدودية الضيقة إلى مقاربة شمولية خماسية الركائز تدمج الأبعاد الأمنية، والسياسية، والاقتصادية، والسيبرانية، والمجتمعية لردم الفجوات التنموية وتحصين البيئات الهشة على المدى البعيد.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123302
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
هوامش
How technology is transforming crime and terrorism
Munich Security Conference opens with a focus on destruction
Seven Peace and Security Priorities for Africa in 2026
London conference 2026
Foresight Africa at the 2026 Spring Meetings: Strategies for success in a changing world
Materielle Missstände sind Nährboden für Extremismus
Von der Leyen announces new EU security strategy for 2026
Syrian forces detain Uzbek fighters in security sweep
The Digital Battlefield: How Terrorists Use the Internet and Online Networks for Recruitment and Radicalization
Europe wants @you: Armies go digital to recruit young soldiers
EU fears new resurgence of Islamic State terrorism
Europe Could Help Get Ukraine and Russia to the Negotiating Table

