الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

التطرف والإرهاب في أوروبا ـ قراءة استشرافية في أنواع التهديدات وحجم المخاطر

uk police
ديسمبر 30, 2025

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (25)

يشهد الإرهاب في أوروبا تنوعًا متصاعدًا في أشكاله وأساليبه، إذ تتراوح التهديدات بين الهجمات الإسلاموية المنظمة أو الفردية، والتطرف اليميني واليساري، والهجمات السيبرانية والهجينة. وتعكس هذه الظاهرة قدرة الجماعات المتطرفة على استغلال التكنولوجيا الحديثة، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية لتجنيد الأفراد ونشر الأيديولوجيات العنيفة، ما يزيد من صعوبة التنبؤ بالهجمات والسيطرة عليها. ورغم تراجع عدد الهجمات التقليدية مقارنة بسنوات الذروة، فإن طبيعة الإرهاب أصبحت أكثر لامركزية وتعقيدًا، ما يجعل المشهد الأمني الأوروبي أمام تحديات متسارعة تتطلب استجابات متعددة الأبعاد.

التحديات الإرهابية المتصاعدة داخل أوروبا

تشكل ظاهرة الإرهاب والتطرف أحد التحديات الأمنية الجوهرية التي تواجه أوروبا، على الرغم من أن بعض الدول الأوروبية تمكنت من خفض بعض المؤشرات الإرهابية مقارنة بسنوات الذروة منذ العام 2015، فإن التهديد لا يزال قائمًا، ويتجلى بأشكال متعددة، من تنظيمات “جهادية” إلى تطرف يساري أو يميني، إلى الإرهاب السيبراني، ويمكن تصنيف التهديدات الإرهابية التي تواجه أوروبا إلى:

أولًا الإرهاب الإسلاموي: يظهر بشكلين أساسيين، أفراد ينفذون هجمات بمفردهم دون ارتباط تنظيمي واضح، ومجموعات صغيرة محلية تستلهم فكر تنظيم “داعش والقاعدة”. ازداد هذا النوع من الهجمات خلال عامي 2024 و2025، وغالبًا ما استُخدمت فيه أسلحة بسيطة مثل السكاكين والسيارات والعبوات البدائية، مع تسجيل ضحايا أقل مقارنة بالسنوات السابقة. كان آخرها تنفيذ بريطاني من أصل سوري يبلغ من العمر 35 عامًا هجومًا بسلاح أبيض على كنيس “هيتون بارك” اليهودي في “كرومبسال”، مانشستر، في الثاني من أكتوبر 2025، ما أدى إلى مقتل اثنين في الهجوم. وفي 13 فبراير 2025، قاد طالب لجوء أفغاني يبلغ من العمر 24 عامًا سيارته نحو حشد من الناس في تجمع نقابي في “ميونيخ” بألمانيا، ما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة 37 آخرين. ووفقًا للادعاء، كان لدى المهاجم دوافع إسلاموية. يُصنَّف هذا التهديد على أنه خطر كبير لأن قدرته على التنظيم والانتشار الرقمي واستقطاب الأفراد وخاصة الشباب يمكن أن تؤدي إلى هجمات ذات تأثير كبير.

ثانيًا اليمين المتطرف: لا يزال التطرف اليميني رغم انخفاض عدد هجماته عامي 2025 و2024 مصدرًا للقلق. فخطابه التحريضي ضد الأقليات، ومحاولاته استهداف شخصيات ورموز سياسية، واستغلاله لمنصات التواصل المغلقة للتجنيد ونشر تعليمات تنفيذ الهجمات، كلها عوامل تزيد من خطورته. تشير التقييمات الأوروبية إلى أن الجماعات اليمينية أصبحت تعمل بشكل أكثر سرية، وأحيانًا تتعاون مع شبكات إجرامية. يُعد التطرف اليميني في أوروبا تهديدًا غالبًا ما يظهر من خلال منفردين أو مجموعات صغيرة، وليس من خلال تنظيمات كبيرة. بدأ بعض المتطرفين اليمينيين يستغلون التكنولوجيا الحديثة، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة أسلحة، ومنصات الإنترنت لنشر الدعاية والتجنيد. فعلى مستوى الدول، يُعد الخطر اليميني في بعض البلدان أكثر بروزًا من غيره. مثلًا، في ألمانيا تم تسجيل ارتفاع كبير في العنف اليميني، حيث أبلغت السلطات عن زيادة في الجرائم المتطرفة اليمينية بنسبة كبيرة، مع عدد كبير من المتطرفين اليمينيين الذين يُعتقد أنهم مستعدون لاستخدام العنف.

اعتقلت الشرطة الألمانية في أكتوبر 2025 متطرفًا يمينيًا كان يخطط لهجوم ضد المهاجرين. وفي مايو 2025، اعتقلت الشرطة الألمانية خمسة مراهقين أعمارهم بين 14 و18 عامًا يُشتبه بتشكيل خلية متطرفة يمينية تُدعى (Last Defence Wave)، بعضهم متهم بمحاولة قتل وإشعال حريق كبير موجَّه ضد مهاجرين ومنازل طالبي لجوء.يشكل التطرف اليميني في أوروبا خطرًا “متوسطًا أو كبيرًا”، ليس على مستوى التنظيمات “الجهادية” من حيث القدرة على الهجوم الجماعي الكبير، لكنه تهديد لا يُستهان به، خاصة لأنه قد ينشأ من أفراد منفردين، ويستفيد من البيئة الرقمية والتكنولوجيا الحديثة.

ثالثًا التطرف اليساري: يبرز إضافة إلى بعض الحركات البيئية المتطرفة والجماعات الانفصالية. هذا النوع من الهجمات تركز في دول مثل إيطاليا واليونان وفرنسا، واتخذ شكل حرائق وتخريب منشآت صناعية وتجارية وبنية تحتية، باعتبارها أهدافًا رمزية تضرب الاقتصاد وتلفت الانتباه لقضايا تلك الجماعات. يختلف هذا العنف عن الإرهاب التقليدي لأنه موجَّه ضد البنية الاقتصادية أكثر من استهداف المدنيين. في سبتمبر 2025، شُنّ هجوم على برجين كهربائيين عاليَي الجهد في جنوب شرق برلين، ألمانيا، ما أدى إلى تأثر (43,000) منزل و(3,000) شركة لمدة (60) ساعة تقريبًا. أعلنت جماعة مناهضة للرأسمالية مسؤوليتها عن الهجوم، وذكرت أنها نفذته لاستهداف مجمع ألدرشوف للتكنولوجيا، الذي يُقال إنه أحد أكبر حرم العلوم والتكنولوجيا في أوروبا. يُعتبر هذا النوع من التهديد “خطرًا متوسطًا” لأنه غالبًا ما يكون محليًا ضد “مجتمعات بعينها ومناطق محددة”، ولا يمتلك نفس الإمكانيات التدميرية الكبرى أو الانتشار الواسع مثل الإرهاب الإسلاموي.

رابعًا الهجمات السيبرانية والهجمات الهجينة: يعتبر بُعد جديد للتهديد ظهر منذ عام 2020. تشمل هذه الهجمات تخريب البنى الرقمية، ونشر معلومات مضللة، واستعمال شبكات إجرامية لتنفيذ عمليات لصالح جهات خارجية دون ترك بصمات مباشرة. مع تطور الذكاء الاصطناعي أصبح بالإمكان إنتاج دعاية عالية الجودة، وتقليد الأصوات، وصناعة محتوى مزيف، وتنسيق هجمات إلكترونية معقدة، ما يجعل البيئة الأمنية أكثر هشاشة ويمنح الجماعات الخبيثة أدوات تأثير أكبر. في سبتمبر 2025، تعرضت أنظمة “vMUSE” التابعة لشركة Collins” Aerospace” لهجوم فدية، ما أدى إلى تعطّل أنظمة تسجيل الوصول واللوحات الإلكترونية في عدة مطارات أوروبية كبيرة مثل هيثرو في لندن، وبروكسل، وبرلين. وفي جانب آخر، تم تسجيل عملية تخريب رقمي ضد سد في بريمانجر “Bremanger Dam” في النرويج، في أبريل 2025، فتح قراصنة يُعتقد أنهم موالون لروسيا بوابة الفيضان للسد، ما سمح بتصريف كمية كبيرة من المياه حوالي (500) لتر في الثانية لمدة ساعات.

بلغت هجمات برامج الفدية في أوروبا مستويات تاريخية وفقًا لتقرير نُشر في الثالث من نوفمبر 2025، والذي كشف عن تسجيل أسماء أكثر من (2100) ضحية في جميع أنحاء أوروبا على مواقع تسريب بيانات الابتزاز منذ الأول من يناير 2024. وكانت المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا أكثر الدول استهدافًا، حيث شملت (92%) من الحالات تشفير الملفات وسرقة البيانات. ولدعم عمليات “صيد الطرائد الكبيرة”، أعلن (260) وسيط وصول أولي عن خدماتهم لأكثر من (1400) منظمة أوروبية.

تُعد خطورة الخطر السيبراني على أوروبا “كبيرة جدًا”، بل من أبرز التهديدات التي تواجه أوروبا، مع تزايد عدد الأجهزة المتصلة وتعقيد التكنولوجيا، تزداد القدرة على شن هجمات متطورة. يرى الاتحاد الأوروبي أن الهجمات السيبرانية تشكل عبئًا كبيرًا اقتصاديًا واجتماعيًا. ووفقًا لمجلس الاتحاد الأوروبي، تزايدت الهجمات السيبرانية من حيث العدد والتعقيد، خصوصًا مع توسع عدد الأجهزة المتصلة مثل إنترنت الأشياء والأجهزة الذكية. هذه الهجمات لا تستهدف الأفراد فقط، بل الشركات والمؤسسات الكبرى، ما يؤدي إلى خسائر مالية وتعطّلات في العمليات، وربما تلف سمعة أو بيانات حساسة. التطرف والإرهاب في أوروبا ـ المشهد العام

الاتجاهات التي تشكل الإرهاب في أوروبا

إن معظم التطورات والديناميكيات والاتجاهات الرئيسية التي تشكل التطرف والإرهاب ومظاهره على الأراضي الأوروبية تتحدد إلى حد كبير من خلال ثلاثة معايير:

اولًا التطور التكنولوجي: مكّن التطور السريع للأدوات الرقمية، والاتصالات المشفرة، ومنصات التواصل الاجتماعي، كمساحات إلكترونية للتطرف والأسلحة “سواءً كانت مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد أو غيرها”، الإرهابيين من التنسيق بفعالية أكبر، ونشر الدعاية عالميًا، وتنفيذ هجمات بوتيرة وعفوية متزايدة. وتؤكد الهجمات الإرهابية الأخيرة في أوروبا، سواء نُفذت أو أُحبطت، على التوجه المتزايد والهام للتخطيط الافتراضي وتمويل الإرهاب عبر الإنترنت.

يعتبر الحدث الأبرز هو الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي من قِبل الجماعات المتطرفة. يستغل المتطرفون الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي للتجنيد والدعاية والتخطيط والتنسيق، لكن الذكاء الاصطناعي يُعزز دقة هذه العمليات ونطاقها. كما يُسهم في إنتاج التزييف العميق والمعلومات المضللة ونشر المحتوى آليًا، مما يُسرّع من انتشار روايات المؤامرة والأيديولوجيات المتطرفة. وتُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد في أنشطة غير قانونية مثل الاحتيال المالي والاتجار بالأسلحة.

ثانيا التأثير الجيوسياسي: تؤثر الصراعات وصراعات القوة والتحالفات المتغيرة على المستوى العالمي في النطاق التشغيلي والتجنيد وتمويل المنظمات الإرهابية، كما نرى في التأثيرات غير المباشرة المختلفة على الأمن الأوروبي، والتي غالبًا ما تُفرض من خلال الدعاية عبر الإنترنت والمعلومات المضللة الناتجة أساسًا عن الصراعات الشاملة في منطقة الشرق الأوسط، كحرب غزة والصراع “الإيراني-الإسرائيلي”، وكذلك الصراع في أوكرانيا. من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه على مدى السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مدفوعًا جزئيًا بديناميكيات الأمن المتقلبة الناتجة عن التحول العالمي المتوقع في السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة ترامب.

خلص تقرير صادر عن اليوروبول في يونيو 2025 إلى أن عدم الاستقرار السياسي خارج الاتحاد الأوروبي قد يفاقم التهديد الإرهابي من داخله، ويتجسد في تصاعد نشاط الجماعات الإرهابية، وتزايد الدعاية الإلكترونية، وتعزيز جهود التجنيد التي قد تمتد إلى الدول الأعضاء. وينطبق هذا بشكل خاص على الإرهاب ذي الدوافع الدينية. وتمثل التطورات المحتملة في المناطق الرئيسية التي تنشط فيها الجماعات الإرهابية الجهادية مصادر قلق مستقبلية.

ثالثًا التكيفات التكتيكية: تُعدّل المنظمات الإرهابية والمتطرفون المنفردون استراتيجياتهم بشكل متكرر استجابة لتدابير مكافحة الإرهاب، مستخدمين شبكات لامركزية، وهجمات استغلالية محدودة النطاق ينفذها متطرفون منفردون، وتكتيكات حرب هجينة لتعظيم الأثر مع تجنب الكشف. مثلًا، قد يشير تجدد هجمات الدهس بالسيارات مؤخرًا في ألمانيا “حادثة دهس سوق الميلاد في ماغديبورغ ديسمبر 2024، وحادثة دهس التجمع النقابي في ميونيخ فبراير 2025، وحادثة الدهس في مانهايم مارس 2025” إلى أن المهاجمين يتجهون مجددًا إلى هذا الأسلوب، وهو تكتيك تخلى عنه الجناة سابقًا إلى حد كبير بسبب تشديد الإجراءات الأمنية. برز الإرهاب في أوروبا خلال العقد الأخير بسمات وسياقات معاصرة تتمثل في العنف الفردي، واستهداف الشباب، وتسارع التطرف عبر المنصات الرقمية. وتجمع هذه السمات بين صعوبة التنبؤ بالهجمات، والتأثير النفسي الكبير على المجتمع، والقدرة على انتشار الأيديولوجيات المتطرفة بسرعة فائقة عبر الوسائل الإلكترونية.

التحدي الذي تفرضه الذئاب المنفردة

واجهت الدول الأوروبية تحديًا متزايدًا من شكل مراوغ وخطير من الإرهاب، وهو هجمات الذئاب المنفردة. فعلى عكس الشبكات الإرهابية التقليدية، يعمل هؤلاء الأفراد بشكل مستقل، وغالبًا ما يتجهون نحو التطرف بسرعة، ويتحركون بدعم خارجي ضئيل أو معدوم. تشير التقارير إلى أن (93%) من الهجمات الإرهابية في أوروبا خلال السنوات الخمس الماضية نفذها أفراد منفردون. في عام 2024 وحده، ارتفعت الحوادث الإرهابية في الغرب إلى (52) حادثًا، بزيادة حادة عن (32) حادثًا في العام 2023. ونتيجة لذلك، أصبحت (7) دول غربية، هي ألمانيا والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وأستراليا وكندا والسويد، من بين أفضل (50) دولة في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2025.

يمثل هذا الارتفاع في إرهاب الأفراد تحولًا من الهجمات المنظمة واسعة النطاق إلى العنف اللامركزي. فبينما يدّعي بعض المهاجمين الولاء لجماعات متطرفة معروفة، يعمل كثيرون منهم بشكل مستقل، وقد اكتسبوا توجهات متطرفة من خلال المجتمعات الإلكترونية والدعاية الأيديولوجية. علاوة على ذلك، فإن الأثر النفسي لهجمات الذئاب المنفردة عميق. فعشوائية هذه الهجمات وعدم القدرة على التنبؤ بها يخلقان شعورًا عامًا بالخوف، إذ يشعر المواطنون بأن أي شخص، في أي مكان، قد يكون هدفًا. كما أن تورط القاصرين في هذه الهجمات يزيد من تعقيد الجهود الأمنية، إذ يتعين على جهات إنفاذ القانون التمييز بين تمرد المراهقين والنوايا المتطرفة الحقيقية.  التطرف الرقمي والذكاء الاصطناعي ـ الجبهة الجديدة للإرهاب   

الشباب كهدف مركزي للتطرف

تستهدف الجماعات الإرهابية والمتطرفة العنيفة، من جميع الأيديولوجيات، جمهور الشباب بشكل استراتيجي، لا سيما على منصات التواصل الاجتماعي. تمتد المشكلة إلى جذورها، إذ لا يقتصر التطرف الإلكتروني على المتطرفين العنيفين المحتملين فحسب، بل يشمل مجموعة من الأدوار، بما في ذلك الداعمين والميسرين والمجندين والدعاة. في عام 2024، كان ما يقرب من ثلثي الاعتقالات المرتبطة بتنظيم “داعش” في أوروبا تشمل مراهقين. في المملكة المتحدة، أصبح (واحد من كل خمسة) مشتبه بهم بالإرهاب دون سن الثامنة عشرة، ولوحظت أنماط مماثلة في النمسا وفرنسا.

لا تزال هذه الجماعات تشكل خطرًا كبيرًا على المجتمع حتى لو لم تكن هي من ينفذ الهجمات العنيفة. وكما يتضح من تحقيقات متعددة، كان بعض المعتقلين على اتصال ببعضهم البعض عبر الإنترنت، وقضوا وقتًا على نفس القنوات ومجموعات الرسائل التي استخدموها للوصول إلى الدعاية والتدريب وغيرها من الموارد التي يمكن استخدامها للتخطيط لهجوم وتنفيذه. ولم يكن العديد من الأفراد المتطرفين مدعومين من أي جهة معينة، بل كانوا ضمن مجتمعات إلكترونية تضم أفرادًا متشابهين في التفكير يسعون إلى اتخاذ إجراءات عملية في الحياة الواقعية.

التطرف في العصر الرقمي

يعد الإرهاب الفردي من أكثر الجوانب إثارةً للقلق من حيث سرعة التطرّف. ففي عام 2002، كان الفرد يستغرق ستة عشر شهرًا في المتوسط للانتقال من مرحلة التعرّض لمواد متطرفة إلى مرحلة تنفيذ هجوم. وبحلول عام 2015، تقلصت هذه الفترة بأكثر من (40%)، وفي عام 2025، ففي بعض الحالات يحدث التطرّف في غضون أسابيع فقط. يُعزى تسارع هذه العملية بشكل كبير إلى المنصات الرقمية، حيث تستغل الشبكات المتطرفة الخوارزميات لتعريض الأفراد المعرضين للخطر لمحتوى متطرف. تُشكل منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة المشفرة حاضنات للأيديولوجيات المتطرفة، ما يُتيح التطرف الذاتي دون الحاجة إلى تجنيد مباشر شخصي. وقد زاد هذا التطور من صعوبة تحديد الهجمات والتدخل قبل وقوعها على أجهزة إنفاذ القانون.

كشف تحليل لتقارير الاعتقالات المتعلقة بالتطرف في إيطاليا نُشر في 2025 أن المشتبه بهم استخدموا وسائل التواصل الاجتماعي لتنسيق الهجمات المخطط لها والحصول على المواد اللازمة. وكشف تقرير أنه في الفترة من يناير 2024 إلى يوليو 2025، أُلقي القبض على (21) شخصًا في إيطاليا ينتمون إلى منظمات اليمين المتطرف الوطنية والدولية. تراوحت أعمار المعتقلين بين 18 و30 عامًا. جرت أنشطة التجنيد والتطرف لهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت المنصات الأكثر استخدامًا لهذه الأنشطة في الحالات الإيطالية المدروسة هي تيليجرام (89.5%)، وتيك توك (5.3%)، وديسكورد (5.2%)، وغالبًا ما تُستخدم هذه المنصات مجتمعة، لا سيما من قِبل الشباب. محاربة التطرف ـ هل تتمكن السياسات الألمانية من مكافحة التمييز والعنصرية؟

تقييم وقراءة مستقبلية

ـ يُظهر تحليل مشهد الإرهاب والتطرف في أوروبا أنّ القارة تواجه طيفًا واسعًا من التهديدات التي تتطور بسرعة وتزداد تعقيدًا، بدءًا من الإرهاب الإسلاموي واليميني واليساري، وصولًا إلى الهجمات السيبرانية والهجينة. رغم أن بعض المؤشرات التقليدية للهجمات الإرهابية قد تراجعت مقارنة بسنوات الذروة، فإنّ الأشكال الجديدة من التهديدات، خصوصًا تلك التي تعتمد على التكنولوجيا والمنصات الرقمية، جعلت البيئة الأمنية أكثر هشاشة وصعوبة في التنبؤ.

ـ أدّى بروز الذئاب المنفردة، وتسارع عملية التطرّف عبر الإنترنت، إلى انتقال الإرهاب من النموذج الشبكي التقليدي إلى نموذج لامركزي قائم على الأفراد والمجتمعات الرقمية المغلقة. في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، يتجه الإرهاب في أوروبا نحو المزيد من التعقيد والتشابك مع حروب المعلومات والهجمات السيبرانية. لذلك، فإنّ مشهد الإرهاب الأوروبي في السنوات القادمة سيكون ساحة تنافس بين قدرة الدول على التكيّف الأمني، وقدرة الجماعات المتطرفة على استغلال التكنولوجيا والتغيرات العالمية.

ـ من المتوقع أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة رئيسية للجماعات المتطرفة خلال (2026 ـ 2030)، سواء في تحسين جودة الدعاية، أو في تصميم محتوى مضلل، أو في دعم عمليات الاستطلاع وجمع البيانات حول الأهداف. يميل الإرهابيون كذلك إلى استخدام خوارزميات التزييف العميق لتقليد الأصوات والوجوه، ما سيُعقّد قدرة السلطات على التمييز بين المحتوى الحقيقي والمفبرك، ويرفع خطر التحريض غير المباشر على العنف. تشير الاتجاهات الحالية إلى أنّ الهجمات السيبرانية ستتجاوز في خطورتها الهجمات المادية خلال السنوات المقبلة، خصوصًا مع تعدد الأجهزة المتصلة بالإنترنت. ومن المرجّح أن تصبح البنية التحتية الحيوية مثل شبكات الكهرباء والمطارات وإمدادات المياه أهدافًا مفضلة لجهات خبيثة، سواء جماعات متطرفة أو جهات مدعومة من دول.

ـ من المرجح أن يبقى إرهاب الذئاب المنفردة أخطر التهديدات في المدى المتوسط، مع توقع زيادة تورّط القاصرين بسبب البيئة الرقمية التي تُسهّل التطرف السريع، وتمنح الشباب محتوى جذابًا بصريًا يخلط بين العنف والترفيه الرقمي. وستواصل المنصات المغلقة مثل تيليغرام وديسكورد لعب دور محوري في بناء مجتمعات متطرفة متشابكة إلكترونيًا دون وجود قيادة مركزية.

ـ يجب أن تتكيف استراتيجيات مكافحة الإرهاب مع استمرار تكيف الشبكات المتطرفة، حيث إنّ الوتيرة السريعة للتطرف، وتزايد مشاركة القاصرين، وعدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الإرهاب وأشكال العنف الأخرى، تستلزم نهجًا جديدًا للأمن والوقاية. لذا، يتعين على السلطات الأوروبية أن تتبنى نهجًا متعدد الأوجه من خلال التدخل المبكر والتنظيم الرقمي، إشراك الشباب ودعم الصحة العقلية والنفسية، مبادرات مكافحة الإرهاب المجتمعية.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112039

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات 

هوامش

Evolving threat of lone wolf terrorism in the West
https://2u.pw/Nt9gAt

The Current Terrorist Threat Matrix in Europe: A Trend Overview
https://2u.pw/hRlAii

CrowdStrike 2025 European Threat Landscape Report: Ransomware Hits Region at Record Pace
https://2u.pw/4ormlk

New report: major developments and trends on terrorism in Europe in 2024
https://2u.pw/vu1GMU

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...