بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
يمثل التطرف الرقمي تحديًا معقدًا ومتعدد الأبعاد في أوروبا، حيث بات الواقع الافتراضي بيئة خصبة لتنامي الأيديولوجيات المتطرفة وتوسيع نفوذ الجماعات “الجهادية” واليمينية المتطرفة على حدٍّ سواء. استطاعت الجماعات المتطرفة استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، ما مكَّنها من الانتقال من أنماط التطرف التقليدية بسهولة إلى فضاءات رقمية عابرة للحدود، تُسهِّل عمليات الاستقطاب، وتُسرِّع من نشر الخطابات المتطرفة، وتُعقِّد من آليات المراقبة الأمنية.
ما هو التطرف الرقمي وخصائصه؟
التطرف الرقمي هو استخدام الوسائط الرقمية والتقنيات الحديثة، لا سيما الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، والمنتديات المغلقة، والبث الحي، والتشفير الرقمي. يشمل التطرف الرقمي مظاهر متعددة، كالخطاب المتطرف على الإنترنت، ونشر أيديولوجيات متطرفة والترويج لها. يشمل كذلك الاستقطاب والتجنيد عبر المنصات الرقمية، بالإضافة إلى إنتاج ونشر المحتوى التحريضي أو العنيف تجاه فئات أو مجموعات معينة، وإنشاء مجتمعات مغلقة تعزِّز العزلة الفكرية والتعبئة الأيديولوجية.
يُعد التطرف الرقمي امتدادًا للتطرف التقليدي، لكنه بات يشكِّل تهديدًا أخطر وأعمق. يعتمد التطرف التقليدي على التواصل المباشر مع الأفراد في التجمعات المغلقة أو المفتوحة، وغالبًا ما يكون محدودًا بالجغرافيا المحلية أو الإقليمية. ينتشر التطرف التقليدي ببطء نسبيًا، نظرًا لاعتماده على التفاعل المباشر، ويتطلب لقاءات سرية، وقد يكون من السهل تتبُّعه أمنيًا.
يعتمد التطرف الرقمي على التواصل الافتراضي عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي والمنتديات الرقمية ومنصات الفيديو لنشر الأفكار المتطرفة. يتجاوز التطرف الرقمي الحدود الجغرافية بسهولة، ما يمنحه تأثيرًا عالميًا وإقليميًا واسع النطاق. يتميز بسرعة فائقة في نقل المحتوى، وتجنيد واستقطاب الأفراد. كما يرتكز على التشفير والهويات الوهمية، ما يجعل مراقبته أكثر صعوبة.
ما الأطر الفكرية للتطرف الرقمي؟
ترتكز الأطر الفكرية للتطرف الرقمي على استغلال الجماعات المتطرفة، كالجماعات “الجهادية” مثل “داعش” و”القاعدة”، للخطاب الديني على المواقع الإلكترونية، للترويج إلى أن الغرب وأوروبا معاديان للإسلام والمسلمين، بهدف تحفيز الشباب على التطرف. لا تُحرِّض بعض الدعوات مباشرةً على الإرهاب، إلا أنها قد تُسهم في التأثير على تطرف الأفراد.
تستغل الجماعات اليمينية المتطرفة قضايا الهجرة واللجوء والعرق الأبيض، والصراعات في أوروبا والشرق الأوسط، لتوسيع عمليات التجنيد والاستقطاب، والدعوات إلى العنف، وتكثيف الدعاية الإرهابية على الإنترنت والذكاء الاصطناعي. وبمجرد أن يثير روبوت الدردشة اهتمام المُجنَّد، قد يتولى مسؤول تجنيد بشري المهمة.
أفاد مراقبون من مجموعة متنوعة من منظمات الرصد أن تنظيم “داعش” والجماعات المتطرفة الأخرى يشجِّعون على استخدام الأدوات الرقمية الجديدة. على سبيل المثال، أعلنت جماعة تابعة لتنظيم “القاعدة” في فبراير من عام 2024، أنها ستبدأ بعقد ورش عمل في مجال الذكاء الاصطناعي عبر الإنترنت، وأصدرت دليلاً حول استخدام روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي.
من تستهدف الجماعات المتطرفة عبر الإنترنت؟ ولماذا؟
أفاد تقرير “الجهاد العالمي” للأمم المتحدة في أغسطس 2025، أن إحدى الدول الأعضاء في أوروبا حددت فئات رئيسية ضمن المشهد التهديدي المحلي، من ضمنها أفراد دون سن 21 عامًا تمَّ تطرفهم عبر الإنترنت ويمثلون غالبية الحالات، بالإضافة إلى أفراد يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية.
تُعد العوامل الاجتماعية والنفسية، مثل الوحدة والعزلة الاجتماعية ومشكلات الصحة النفسية، من العوامل الرئيسية الدافعة لتوجّه الشباب نحو التطرف. أشار تقرير في 13 أغسطس 2025، إلى أن المحتوى المُدار بالخوارزميات يلعب دورًا رئيسيًا في تعزيز الأيديولوجية المتطرفة، إذ يؤدي التعرض المستمر للمحتوى المتطرف إلى تطبيع خطير.
تستثمر الجماعات المتطرفة في القاصرين والشباب الذين يعانون من التهميش، والمتورطين في أنشطة إرهابية ومتطرفة. كما يُعد البحث عن الشعور بالانتماء أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع هؤلاء الشباب إلى البحث عن علاقات عبر الإنترنت، مما أدى إلى نشوء مجتمعات من الشباب المتطرفين الذين يُحرّضون على التطرف عبر الواقع الافتراضي.
تواصل المنظمات الإرهابية استهداف الشباب ونشر الدعاية، لا سيما على منصات التواصل الاجتماعي التي تحظى بشعبية خاصة بين المستخدمين الأصغر سنًا، وتكييف استراتيجيات المحتوى والتواصل مع هذه المنصات وجمهورها.
حذر جهاز مكافحة الإرهاب، وجهاز المخابرات البريطاني (MI5)، والوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة في يوليو 2025، من المخاطر المتزايدة التي قد يتعرض لها الأطفال أثناء استخدامهم للإنترنت، خاصة في ظل التطور السريع للتقنيات الرقمية وتزايد أساليب استغلالها من قبل الجماعات المتطرفة.
أوضح “ألكسندر موراي” من الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة: “هناك تهديدٌ سريع النمو يتمثل في ظهور جماعات متطرفة تنشط بالكامل عبر الإنترنت”. وأشار موراي إلى أن “هذه الجماعات لا تكتفي بنشر الأفكار المتطرفة فحسب، بل تنخرط في ارتكاب طيف واسع من الجرائم، منها الاحتيال المالي، والهجمات الإلكترونية، وأعمال العنف، والجرائم ذات الصلة بالتطرف والإرهاب”. ملف الأمن القومي ومكافحة الإرهاب في ألمانيا ـ مقاربات وقراءة تحليلية
كيف تغيرت مسارات التطرف الرقمي؟
تنوعت مهارات الجماعات المتطرفة في استخدام الذكاء الاصطناعي، بدءًا من مجرد إعادة إنتاج المواد المُولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وصولًا إلى الإنتاج الفعلي لها، واستخدام التقنيات الحديثة، وأدوات التمويل الرقمي المتقدمة. شكَّلت العملات المشفرة خلال عام 2024، بالإضافة إلى الأصول الرقمية غير القابلة للاستبدال (NFTs)، أدواتٍ أساسيةً لتمويل الجماعات المتطرفة. وفَّرت منصات الاتصال المُشفَّرة من طرف إلى طرف (E2EE)، ومنصات الألعاب والواقع الافتراضي (Metaverse)، التي تتضمن الواقع الافتراضي (VR)، والواقع المعزَّز (AR)، قنوات آمنة للتواصل والتنسيق والتجنيد ونشر الخطاب المتطرف.
أوضحت “إليسا دي أندا مادرازو”، رئيسة مجموعة العمل المالي، الشريك الوثيق للأمم المتحدة: “هناك زيادة ملحوظة في الترابط بين الأساليب المتنوعة وتكامل التقنيات الرقمية مع التقنيات التقليدية”. وتابعت: “يظل استخدام داعش للتقنيات الجديدة والناشئة والذكاء الاصطناعي يشكِّل تحديًا متزايدًا، لا سيما أن المجموعة تستخدم هذه الأدوات بشكل متزايد لجمع الأموال وإنشاء شبكة اتصالات أوسع”. مضيفةً: “بينما نقف عند مفترق طرق التحول التكنولوجي وعدم اليقين الجيوسياسي، فإن تهديد الإرهاب أصبح أكثر انتشارًا وتعقيدًا”. مكافحة الإرهاب ـ مفهوم الذئاب المنفردة في سياق الإرهاب
إلى أي مدى تُسهم منصات التواصل الاجتماعي في تعقيد مشهد التطرف الرقمي؟
ذكرت هيئة الاستخبارات والأمن الهولندية (AIVD) في يوليو 2025، أن المتطرفين غالبًا ما ينشرون الخطابات المتطرفة عبر منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية مثل: Instagram، وDiscord، وRoblox، وTelegram، وTikTok. يُتبادل المحتوى في مجموعات وقنوات الدردشة العامة، بالإضافة إلى مجموعات الدردشة المغلقة والمحادثات الخاصة عبر الإنترنت، ويصعب تمييز جميع دعايات التطرف والإرهاب فورًا.
لا تُستخدم شبكة “TechHaven” فقط لنشر الدعاية المتطرفة على الإنترنت من جانب “داعش”، بل لتخطيط هجمات محتملة. ويوضح “ألبرتو فرنانديز”، نائب رئيس معهد أبحاث الإعلام في الشرق الأوسط، أن “المعهد عثر على مناقشات حول أهداف محتملة، مثل الكنائس أو المباني الحكومية”. كما برزت مجتمعات إلكترونية جديدة ذات طابع يميني متطرف مثل شبكات “764” و”Com”، مع تركيز متزايد على قضايا الهجرة، مما يعكس تنامي ظاهرة التطرف اليميني العابر للحدود.
يعود ذلك إلى استخدام إشارات خفية إلى الفكر المتطرف، مثل استخدام رموز تعبيرية أو كلمات ذات معنى مزدوج. يشير “الجهاديون” إلى “داعش” براية سوداء، بينما تُستخدم كلمات مشفَّرة في مجموعات الدردشة اليمينية المتطرفة للإشارة إلى المسلمين. في مجموعات الدردشة المغلقة والمحادثات الخاصة، غالبًا ما يتشارك محتوى متطرف أكثر صراحة. يشمل المحتوى صورًا أو مقاطع فيديو أو نصوصًا تؤكد وتُثبِّت النظرة المتطرفة أو الإرهابية، أو محتوى يُبرر التطرف والإرهاب ويُمجِّده.
تقول “لورين رينو”، الباحثة المتخصصة في الدوائر “الجهادية” على الإنترنت: “في أقل من 3 ساعات على TikTok، يمكنك أن تجد نفسك داخل فقاعة خوارزمية مخصصة لتنظيم داعش”. وتتابع: “يمكن الاستمتاع بهتافات الحرب، وعمليات قطع الرؤوس، وإعادة بناء الذكاء الاصطناعي لأفعال تمجد الإرهاب والتطرف، أو حتى محاكاة لأفعال قادمة”. أضافت: “أن الخوارزميات تغذي المستخدمين بمحتوى يعزز شعورهم بالوحدة والتهميش”.
اتجاهات التطرف الرقمي في أوروبا
تشير الإحصائيات إلى أن عدد القاصرين الذين اتجهوا نحو التطرف قد نما في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي في عام 2024. كانت الغالبية العظمى من هؤلاء المشتبه بهم الشباب مرتبطين بالإرهاب الإسلاموي، يليهم الإرهاب اليميني، وغالبًا ما يُحقَّق معهم بتهم تتعلق بالمشاركة في هجمات، وإنتاج ونشر الدعاية المتطرفة والإرهابية، والتي بلغ عددها خلال عام 2024 حوالي (32) حالة.
ارتفع حجم الدعاية اليمينية المتطرفة بشكل ملحوظ، وفقًا لتقرير صادر عن “اليوروبول” في يونيو 2025. ولا تزال قنوات توزيع الدعاية متنوعة للغاية من حيث طبيعتها وأهدافها، وأكثرها شيوعًا هي وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات المراسلة، ومنتديات النقاش.
ارتبطت كمية كبيرة من الدعاية عبر الإنترنت في عام 2024 بهجمات إرهابية سابقة ومرتكبيها، بما في ذلك البث المباشر للحدث ولقطات الشاشة. كما أثرت الانتخابات السياسية العديدة التي جرت في عام 2024 بشكل كبير على مواضيع وتدفق الدعاية الإلكترونية. واجتاح الإنترنت خطابٌ معادٍ للسامية، ومعادٍ للإسلام، ومعادٍ للأجانب. اليمين المتطرف في ألمانيا ـ المخاطر والتحذيرات (ملف)
تقييم وقراءة مستقبلية
– يُمثّل التطرف الرقمي أحد أخطر التحديات الأمنية على أوروبا داخليًّا وخارجيًّا، نظرًا لتداخله العميق مع تطوّر التكنولوجيا، واعتماده على منصات رقمية واسعة التأثير وسريعة الانتشار.
– ما يُميّز التطرف الرقمي هو طبيعته غير المركزية، وسهولة الوصول إليه، واستهدافه فئات عمرية مختلفة يعانون من اضطرابات نفسية واجتماعية.
– يُعقّد استغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، والعملات المشفّرة، والواقع الافتراضي (Metaverse)، من جهود الدول الأوروبية في محاربة التطرف، ورصد مخططات الجماعات المتطرفة وطرق تمويلها.
– بات من المتوقّع أن يشهد التطرف الرقمي مزيدًا من التعقيد خلال العقد المقبل، مدفوعًا بتحديثات الذكاء الاصطناعي التوليدي، فضلًا عن ظهور منصات جديدة تُصعّب من عملية الرصد والمراقبة.
– من المؤكّد أن تتجه السلطات الأمنية الأوروبية إلى تطوير الأنظمة التشريعية والاستخباراتية لمواجهة تهديدات ومخاطر التطرف الرقمي، من خلال تطوير أدوات رصد متقدّمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
– من المحتمل أن لا تعتمد الأجهزة الأمنية الأوروبية على الوسائل الأمنية فقط لمحاربة التطرف الرقمي، بل عبر استراتيجية متعددة الأبعاد تشمل محو الأمية الرقمية، ومحاسبة منصات التكنولوجيا على مسؤولياتها الأخلاقية تجاه المحتوى المتطرف.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108374
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
European Union Terrorism Situation and Trend report 2025 (EU TE-SAT)
https://tinyurl.com/2tmtddbp
How extremist groups like ‘Islamic State’ are using AI
https://tinyurl.com/2hyuacm9
Far-right extremists using games platforms to radicalise teenagers, report warns
https://tinyurl.com/ws77rhbz
AIVD sees increase in threat of online radicalisation of minors
https://tinyurl.com/ycyrap6w
