المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الترويكا الأوروبية ـ ما تداعيات المواجهة العسكرية بين إيران وأمريكا على أوروبا؟
يقول مسؤولون أمنيون أمريكيون وغربيون آخرون إنهم يراقبون مؤشرات مقلقة بشكل متزايد تشير إلى أن إيران قد توجه وكلاءها لتنفيذ هجمات إرهابية انتقامية ضد أهداف أمريكية في أوروبا والشرق الأوسط إذا أمر الرئيس ترامب بشن ضربات واسعة النطاق ضد إيران. حيث أفاد مسؤولون، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة تقييمات استخباراتية سرية، أنهم لم يرصدوا حتى الآن أي مخططات محددة قيد الإعداد. لكنهم أشاروا إلى أن ازدياد “الثرثرة”، وهو مصطلح تجسسي يشير إلى عمليات اعتراض إلكترونية لاتصالات الإرهابيين، يدل على وجود مستوى من التخطيط والتنسيق للهجوم. ويعكس هذا التقييم حالة من التأهب المتصاعد داخل الدوائر الاستخباراتية الغربية، التي ترى أن البيئة الإقليمية الحالية قابلة للاشتعال في أي لحظة. كما يشير المسؤولون إلى أن طبيعة التحركات الإيرانية غالبا ما تتسم بالغموض والتدرج، بما يجعل من الصعب تحديد اللحظة الفاصلة بين الردع والتصعيد.
تتزايد التهديدات الإقليمية والدولية
يساور مسؤولي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب قلق من احتمال لجوء طهران إلى الحوثيين في اليمن لاستئناف هجماتهم على السفن الغربية في البحر الأحمر. كما يساور أوروبا قلق من إمكانية إصدار أوامر لخلايا حزب الله النائمة، أو حتى لتنظيم القاعدة أو فروعه، بمهاجمة القواعد أو السفارات الأمريكية. وصرح مسؤول أمريكي رفيع المستوى بأن محللي الحكومة يتابعون “الكثير” من الأنشطة والتخطيطات، لكن من غير الواضح ما الذي قد يشعل فتيل الهجوم. ويقول خبراء إن تعدد الساحات المحتملة لأي رد إيراني يزيد من صعوبة احتواء المخاطر، إذ إن الهجمات غير المباشرة قد تقع في مناطق لا تشهد توترا مباشرا مع طهران.
يقول كولين ب. كلارك، المدير التنفيذي لمركز سوفان، وهو شركة استخبارات واستشارات في نيويورك: “بإمكان إيران العمل من خلال وكلاء لتنفيذ هجمات إرهابية من شأنها أن تزيد من تكاليف أي حملة عسكرية أمريكية”. ويرى أن هذا النمط من الرد ينسجم مع عقيدة تعتمد على الإنكار المقبول وتفادي المواجهة التقليدية المباشرة.
يزيد هذا الغموض من تعقيد خطط إدارة ترامب للحرب. فالغموض المحيط بأهداف السيد ترامب غير المعلنة حتى الآن، والتي تتراوح بين ضربات محدودة ضد أهداف عسكرية إلى الإطاحة بالمرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، قد يدفع الحكومة الإيرانية إلى اعتبار أي هجوم تقوده الولايات المتحدة تهديدا وجوديا. ونتيجة لذلك، يمكن لإيران أن تصعد الصراع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل بطرق لم تفعلها خلال هجماتها في يونيو 2026، أو بعد أن اغتال الجيش الأمريكي الجنرال قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيراني، في عام 2020.
يعتقد محللون أن الذاكرة المؤسسية داخل الحرس الثوري ما زالت تتعامل مع اغتيال سليماني باعتباره سابقة خطيرة تستوجب بناء أدوات ردع غير تقليدية. كما أن القيادة الإيرانية قد ترى في أي ضربة واسعة محاولة لتغيير موازين القوى الداخلية، وهو ما قد يدفعها إلى توسيع نطاق الرد خارج حدود الشرق الأوسط.
“الردود الهجينة” المحتملة والهجمات الإرهابية
في إطار تعزيز القدرات العسكرية في الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة، سارع البنتاغون إلى نشر بطاريات باتريوت إضافية وغيرها من أنظمة الدفاع الصاروخي لحماية القوات الأمريكية المتمركزة في المنطقة، والتي يتراوح قوامها بين 30 و40 ألف جندي. إلا أن أي هجوم إرهابي سيستهدف على الأرجح مواقع أقل تحصينا، مثل البعثات الدبلوماسية أو المصالح الاقتصادية أو حتى التجمعات المدنية ذات الرمزية السياسية. وقال السيد كلارك: “إذا كانت الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران وجودية بالنسبة للمرشد الأعلى وكبار أعضاء الحرس الثوري الإيراني، فإنني أتوقع تماما أن تأمر طهران بشن هجمات إرهابية في الخارج، بما في ذلك في أوروبا”. و
أكد مسؤول غربي رفيع المستوى إن الولايات المتحدة وحلفاءها في أوروبا والشرق الأوسط يدركون جيدا خطر “الردود الهجينة” المحتملة، بما في ذلك الهجمات الإرهابية، وأن الحكومات الغربية “تراجع باستمرار” التقارير الاستخباراتية المتعلقة بتلك التهديدات. ويشير مصطلح الردود الهجينة إلى مزيج من الأدوات العسكرية وغير العسكرية، مثل الهجمات السيبرانية وحملات التضليل ودعم جماعات موالية لها محلية. ويرى خبراء أن هذا النوع من الرد يسمح لإيران بإيصال رسائل ردع قوية دون الانجرار إلى حرب شاملة.
الاتحاد الأوروبي يشارك الولايات المتحدة مخاوفها
قالت كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي كايا كالاس في 23 فبراير 2026 إن العالم “لا يحتاج إلى حرب أخرى” عندما سئلت عن الضربات العسكرية الأمريكية المحتملة على إيران. وأضافت: “الوضع حول إيران متوتر للغاية”. ومع وجود عدد قليل من القوى الفاعلة القادرة على التأثير المباشر في مسار الأحداث، كان دور القوى الأوروبية في الغالب هو المراقبة من الهامش، على الرغم من أن كالاس أكدت أن الاتحاد الأوروبي يشارك الولايات المتحدة مخاوفها بشأن طموحات إيران النووية وبرنامجها للصواريخ الباليستية، مضيفة: “صحيح أن إيران في أضعف نقطة لها على الإطلاق”. لكن كالاس دعت إلى تجنب الصراع المباشر: “ينبغي علينا حقا استغلال هذا الوقت لإيجاد حل دبلوماسي”.
يرى دبلوماسيون أوروبيون أن أي مواجهة عسكرية واسعة قد تؤدي إلى موجات نزوح جديدة واضطرابات اقتصادية تمس أسواق الطاقة العالمية. كما يخشى الاتحاد الأوروبي من أن يؤدي التصعيد إلى تقويض الجهود الرامية إلى إعادة إحياء مسارات التفاوض النووي، وهو ما قد يغلق نافذة الحلول السياسية لفترة طويلة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو جميع الأطراف عالقة بين منطق الردع ومتطلبات التهدئة، بينما يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائما ما لم تنجح المساعي الدبلوماسية في احتواء الأزمة.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115468
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
