المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الترويكا الأوروبية ـ الموقف الأوروبي من مسار عمان التفاوضي
عقدت الولايات المتحدة وإيران محادثات غير مباشرة في فبراير 2026 في سلطنة عمان، بدت وكأنها تعود إلى نقطة البداية بشأن كيفية التعامل مع المناقشات حول البرنامج النووي لطهران. أعلن رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني ، علي لاريجاني، أنه سيتوجه إلى سلطنة عمان في التاسع من فبراير 2026. وتضطلع عمان بدور الوساطة في المفاوضات النووية بين طهران والولايات المتحدة. وبصفته رئيسًا لوفدٍ سيلتقي لاريجاني بممثلين رفيعي المستوى من سلطنة عُمان، وسيناقش “آخر التطورات الإقليمية والدولية، فضلًا عن التعاون الثنائي على مختلف المستويات”.
أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنه سيلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في واشنطن في 11 فبراير 2026 لمناقشة المحادثات الأخيرة مع إيران بشأن برنامجها النووي. يعتقد نتنياهو أن جميع المفاوضات يجب أن تتضمن الحد من الصواريخ الباليستية، وإنهاء الدعم للمحور الإيراني. تأتي انعقاد جولة المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ليمثل لحظة فارقة في التوجهات الاستراتيجية للقوى الأوروبية، لا سيما دول “الترويكا الأوروبية” (E3) المكونة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. يجري هذا المسار التفاوضي، في ظل تداعيات عسكرية واقتصادية واجتماعية هائلة، ويعكس تحولاً جذرياً في الموقف الأوروبي من سياسة “الدبلوماسية أولاً” إلى تبني نهج “الواقعية الأمنية الصارمة” التي تمزج بين الضغوط القصوى والبحث عن ضمانات أمنية وجودية.
إيران مستعدة لتخفيف تركيز اليورانيوم المخصب لديها إذا تم رفع جميع العقوبات
أكد وكالة الطاقة الذرية الإيرانية إن إيران ستكون على استعداد “لتخفيف” نسبة اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إذا رفعت الولايات المتحدة “جميع العقوبات”، دون تحديد ما إذا كان هذا يعني جميع العقوبات المفروضة على بلاده أم فقط تلك التي فرضتها الولايات المتحدة.حيث أكد رئيس الوكالة محمد إسلامي، أنه “في الختام، رداً على سؤال حول إمكانية تخفيف اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، قال رئيس وكالة الطاقة الذرية إن هذا يعتمد على ما إذا كان سيتم رفع جميع العقوبات في المقابل”، دون تحديد ما إذا كان هذا يشمل جميع العقوبات المفروضة على إيران أم فقط تلك التي فرضتها الولايات المتحدة. إن تخفيف اليورانيوم يعني مزجه بمواد أخرى لتقليل مستوى التخصيب، بحيث لا يتجاوز المنتج النهائي عتبة تخصيب معينة.
قبل الضربات الأمريكية والإسرائيلية على منشآتها النووية في يونيو من العام الماضي، كانت إيران تخصب اليورانيوم بنسبة 60%، متجاوزة بكثير الحد المسموح به البالغ 3.67% بموجب اتفاق نووي تم التوصل إليه مع القوى العالمية في عام 2015 والذي أصبح الآن لاغياً. بحسب الهيئة الرقابية النووية التابعة للأمم المتحدة، فإن إيران هي الدولة الوحيدة غير الحائزة للأسلحة النووية التي تخصب اليورانيوم بنسبة 60%.
كما أنه من غير المعروف أين انتهى المطاف بأكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب الذي كانت إيران تمتلكه قبل الحرب، حيث سجل مفتشو الأمم المتحدة آخر موقع لها في 10 يونيو 2026. إن مثل هذا المخزون قد يسمح لإيران ببناء أكثر من تسع قنابل نووية إذا وصل التخصيب إلى 90%.
السياق الجيوسياسي، التحول المؤسسي في بروكسل
لم يعد الموقف الأوروبي في العام 2026 متمسكاً ببنود الاتفاق النووي لعام 2015 (JCPOA) كما كان الحال في سنوات سابقة؛ بل إن التطورات، وعلى رأسها حرب الـ 12 يوماً في يونيو 2025 وما تبعها من تفعيل لآلية “سناب باك” (Snapback) لإعادة العقوبات الأممية، قد صاغت واقعاً جديداً تتعامل فيه بروكسل و”الترويكا الأوروبية” مع طهران كتهديد يتجاوز الملف النووي ليشمل الاستقرار الإقليمي وحقوق الإنسان والتحالفات العسكرية العابرة للقارات. أرسلت المفاوضات إشارات واضحة إلى العواصم الأوروبية بأن واشنطن تمارس “دبلوماسية تحت مظلة القوة”، وهو ما يتماشى جزئياً مع التحول الأوروبي نحو التشدد، ولكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف من تهميش الدور الدبلوماسي التقليدي لأوروبا.
يمثل العام 2025 نقطة تحول جوهرية في الموقف الأوروبي، حيث أعلنت دول الثلاثي الأوروبي (E3) تفعيل آلية “سناب باك” المنصوص عليها في القرارات الأممية. لم يكن هذا القرار مجرد إجراء فني رداً على استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم بنسبة 60%، بل كان إعلاناً سياسياً عن انتهاء المسار الذي بدأ عام 2015 وبداية حقبة “الضغط الأوروبي الأقصى”. أوضحت بريطانيا وفرنسا وألمانيا أن إيران انتهكت التزاماتها بشكل متكرر، لا سيما من خلال منع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إلى المواقع المتضررة من ضربات يونيو 2025. وبموجب تفعيل هذه الآلية، أُعيد فرض 6 قرارات سابقة لمجلس الأمن الدولي كانت تفرض قيوداً صارمة على البرنامج النووي والباليستي الإيراني. هذا الموقف الأوروبي الموحد أغلق الباب أمام طهران لاستخدام “الخلاف العابر للأطلسي” كمناورة دبلوماسية، حيث أصبحت المواقف في لندن وباريس وبرلين أكثر تطابقاً مع واشنطن من أي وقت مضى.
في خطوة هامة تزامنت مع التحضير لمحادثات عمان، أعلن الاتحاد الأوروبي تصنيف الحرس الثوري الإيراني كـ “منظمة إرهابية”، مساوياً إياه بتنظيمات مثل “داعش” و”القاعدة”. هذا القرار لم يكن رمزياً فحسب؛ بل يعني قانونياً تجريم أي تفاعل تجاري أو سياسي مع أذرع الحرس الثوري التي تهيمن على ثلث الاقتصاد الإيراني على الأقل. بالنسبة للاتحادالأوروبي والوزراء الأوروبيين، فإن قمع المحتجين الإيرانيين لا يمكن أن يمر دون ثمن. هذا التحول المؤسسي جعل الموقف الأوروبي من محادثات عمان يميل نحو التشكيك؛ فبروكسل ترى أن أي صفقة نووية قد تبرمها إدارة ترامب مع طهران في مسقط يجب ألا تكون على حساب تطلعات الشعب الإيراني نحو “جمهورية ديمقراطية”.
أصبحت الاحتجاجات الإيرانية التي اندلعت في ديسمبر 2025 والمستمرة مع بدايات العام 2026 عنصراً حاسماً في صياغة الموقف الأوروبي. فبينما تحاول عمان تضييق جدول الأعمال في مسقط ليقتصر على الملف النووي، تصر العواصم الأوروبية على أن شرعية أي نظام تتفاوض معه ترتبط بمدى احترامه لحقوق مواطنيه. برزت أصوات قوية في البرلمان الأوروبي تطالب بتبني “الخيار الثالث”، لا للحرب، ولا لسياسة الاسترضاء، بل دعم التغيير من الداخل. لا ينفصل الموقف الأوروبي من محادثات عمان عن الاقتصاد. ففي ظل حرب عام 2025، أصبحت إمدادات الطاقة العالمية في خطورة. يمر عبر مضيق هرمز قرابة 20 مليون برميل يومياً، وأي تهديد إيراني بإغلاق المضيق رغم صعوبته الفنية لإضراره بالصين حليفة إيران يظل معضلة تؤرق عواصم أوروبا.
الرؤية البريطانية، الأمن القومي والردع
تبنت بريطانيا موقفاً هو الأكثر حدة بين القوى الأوروبية في بداية العام 2026. فقد ربطت الخارجية البريطانية بين قمع الاحتجاجات في الداخل الإيراني وبين التهديدات التي يشكلها النظام على الأراضي البريطانية، مشيرة إلى شبكة “فوكستروت” التي جندتها طهران لاستهداف معارضين وصحفيين في لندن. بالنسبة للحكومة البريطانية، فإن محادثات عمان يجب ألا تقتصر على الجوانب النووية، بل يجب أن تنتزع التزامات إيرانية بوقف دعم روسيا في حرب أوكرانيا، ووقف الهجمات الحوثية في البحر الأحمر، وتحجيم برنامج الصواريخ الباليستية. هذا الموقف البريطاني يرى أن “أي اتفاق يجب أن يكون شاملاً ودائماً وقابلاً للتحقق”، وهو ما يتصادم مع الرغبة الإيرانية في قصر المفاوضات على الملف النووي ورفع العقوبات فقط.
الموقف الفرنسي، حماية المصالح في المنطقة
ركزت فرنسا في قراءتها لمحادثات عمان على الدور الإيراني في زعزعة استقرار لبنان وسوريا. فقد صرح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو خلال زيارته لبيروت في فبراير 2026 بأن إيران يجب أن تتوقف عن كونها “قوة زعزعة للاستقرار”. ترى باريس أن المجموعات المرتبطة بإيران، وعلى رأسها حزب الله، يجب أن تمارس “أقصى درجات ضبط النفس” لتجنب حرب إقليمية شاملة قد تخرج عن السيطرة. تشعر فرنسا بالقلق من أن يؤدي التركيز الأمريكي على الملف النووي في مسقط إلى تجاهل التهديدات الوجودية التي يشكلها “محور المقاومة” على المصالح الفرنسية والأوروبية في منطقة الشرق الأوسط. ولذلك، تصر باريس على ضرورة وجود آلية مراقبة دولية لا تقتصر على المفاعلات النووية، بل تشمل منصات الصواريخ وتحركات الجماعات الموالية لإيران، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً باعتباره تدخلاً في شؤونها الدفاعية.
الفجوة بين طهران وبرلين
كشفت أحداث فبراير 2026 عن تدهور غير مسبوق في العلاقات الإيرانية الألمانية. فبعد أن كانت برلين الشريك التجاري والدبلوماسي المفضل لإيران في أوروبا لعقود، تحولت إلى خصم تحت قيادة المستشار فريدريش ميرز لاسيما بعد هجوم وزير الخارجية الإيراني على ميرز. يعكس هذا الهجوم استراتيجية إيرانية تهدف إلى معاقبة القوى الأوروبية التي تبنت مواقف متشددة خلال احتجاجات عام 2025، حيث ترى طهران أن برلين فقدت أهليتها كوسيط محايد بدعمها لـ “الحرب الإسرائيلية” وتنديدها بـ “حق إيران في الدفاع عن نفسها”. أشار التقرير الاستراتيجي السنوي 2025 ـ 2026 للمعهد الدولي للدراسات الإيرانية إلى أن تأييد أوروبا لآلية إعادة فرض العقوبات يعكس كيف دفعت الضغوط الجيوسياسية المتغيرة، وبرنامج إيران النووي المتقدم، وتدهور العلاقات الثنائية، الحكومات الأوروبية بعيداً عن دورها التقليدي كوسيط نحو موقف أكثر حزماً يتماشى بشكل وثيق مع استراتيجيات الاحتواء الأمريكية. ويؤكد “علي واعظ”، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: “إنه يبدو أن محادثات عمان لم تفشل، ولم ينسحب أي من الطرفين من المفاوضات”. أضاف واعظ: “ربما شعروا بوجود أرضية مشتركة كافية أو أن كلا الجانبين قدّم بعض التنازلات التي كانت جذابة بما يكفي لكلا الجانبين لمواصلة المحادثات”.
مفاوضات عمان، وطموحات الردع النووي المستقل في أوروبا
بدأت ألمانيا، المعروفة بنزعتها السلمية، في التفكير بشكل مختلف بشأن موقفها النووي. حيث كشف المستشار الألماني فريدريك ميرز أن ألمانيا تجري محادثات مع قوى أوروبية أخرى بشأن إنشاء قوة ردع نووي أوروبية شاملة. وبينما كان يُستبعد بشدة أن تمتلك برلين أسلحة نووية خاصة بها، بدأت دول أوروبية مثل ألمانيا تتطلع إلى بدائل للولايات المتحدة الأمريكية للحصول على الحماية. أعرب إميل أرتشامبو، خبير الدفاع في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، عن أمل ألمانيا في أن تسمح فرنسا بإجراء مناقشات حول استراتيجيتها النووية على المستوى الأوروبي. كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قد عرض بالفعل توسيع نطاق المظلة النووية الفرنسية لتشمل جميع دول أوروبا. لكن الفكرة عادت إلى الظهور الآن بعد أن أصبح ميرز على رأس السلطة في برلين. أكد ميرز: “هناك مناقشات لا تزال في بدايتها”. ومن غير الواضح مدى جدية فرنسا في توسيع نطاق ترسانتها النووية، أو كيف سيبدو ذلك عملياً. فالأفكار لا تزال في مراحلها الأولى.
يؤكد ليفيو هورويتز، خبير الشؤون الخارجية في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP)، إن النقاش الحالي يركز بشكل أكبر على التدريبات المشتركة مع فرنسا، والتي قد تشمل قاذفات فرنسية في ألمانيا لفترة وجيزة. وأضاف أرتشامبو: “إن بدء حوار متعدد الأطراف بين فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا يعني أن يكون لألمانيا صوت في هذه العملية”. يظهر أن الحراك الأوروبي نحو نقاشات ردع نووي مستقل، حتى وإن كان في مراحله الأولية، يتقاطع مع المسار التفاوضي الأمريكي الإيراني في عُمان؛ فكلاهما يعكس إدراكاً متزايداً بأن النظام النووي العالمي يدخل مرحلة إعادة توازن. أوروبا تبحث عن مظلة ردع أقل ارتهاناً لواشنطن، والولايات المتحدة تحاول من خلال الدبلوماسية مع إيران ضبط طموحات نووية قد تؤدي إذا فشلت، إلى سباق تسلح إقليمي جديد ينعكس سلباً على أمن أوروبا نفسها. وعليه، فإن أي تقدم أو تعثر في مفاوضات عُمان لن يظل محصوراً في الشرق الأوسط، بل ستكون له تداعيات غير مباشرة على النقاشات الأوروبية الجارية حول الردع النووي، وحدود الاعتماد على الولايات المتحدة، وإمكانية بلورة مقاربة أمنية أوروبية أكثر استقلاليةً في عالم يتجه نحو تعددية نووية أكثر هشاشةً.
النتائج
يجد الموقف الأوروبي من محادثات عمان نفسه في عام 2026 أمام معضلة معقدة. فمن ناحية، هناك إدراك بأن سياسة “الاحتواء” التي استمرت لسنوات قد فشلت في منع إيران من الوصول إلى حافة القدرة النووية، مما دفع دول الترويكا الأوروبية والاتحاد الأوروبي نحو تبني نهج عقابي غير مسبوق شمل تفعيل “سناب باك” وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية.
سيظل الموقف الأوروبي يراقب بحذر مخرجات إي مسار تفاوضي مع إيران، آملاً في أن تنجح عمان في انتزاع تنازلات إيرانية حقيقية تضمن عدم تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية، مع الإبقاء على ضغوط حقوق الإنسان كأداة شرعية لعزل النظام أخلاقياً وقانونياً.
تعتبر محادثات عمان بالنسبة لأوروبا “اختباراً للمصداقية”؛ ليس فقط لإيران ومدى جديتها في التراجع عن حافة الهاوية، بل لإدارة ترامب وقدرتها على صياغة اتفاق “أفضل” يخدم مصالح الحلفاء الغربيين كافة، وليس فقط الأجندة الأمريكية المنفردة. وبينما ينتظر العالم الجولات القادمة في مسقط، تظل أوروبا خلف جدار عقوباتها الجديد، بانتظار ما ستسفر عنه “الدبلوماسية” العمانية في مواجهة الضغوط الأمريكية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114748
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
