المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
التجسس والإرهاب ـ أوروبا في مواجهة الحروب الهجينة
دفعت التحولات الأمنية والجيوسياسية على مدار السنوات الأربع الماضية، الاتحاد الأوروبي إلى إعادة صياغة مفهوم الاستراتيجية العسكرية، وإعداد نموذج أمني أوروبي جديد قادر على مواجهة التهديدات الحالية، ويتسم بالمرونة والقدرة على التكيف مع مستجدات المرحلة. ويعني ذلك ابتعاد أوروبا تدريجيًا عن مشروعها التقليدي للسلام، الذي تأسس عليه الاتحاد الأوروبي بعد نهاية الحرب الباردة. وبات الاستقلال الاستراتيجي تدريجيًا هدفًا للتكتل الأوروبي، في أعقاب الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وسياساته المغايرة تجاه حلفائه، والتي تهدد أمنهم.
كيف تغير مفهوم الأمن الأوروبي؟
ـ من حماية الحدود إلى حماية المجتمع: تحول تركيز الاتحاد الأوروبي من النهج العسكري لحماية الحدود إلى استراتيجية الجاهزية لمواجهة مختلف أنواع التهديدات. إذ أطلقت المفوضية الأوروبية، في 26 مارس 2025، استراتيجية “اتحاد التأهب” لتعزيز قدرة الاتحاد على توقع الأزمات والوقاية منها والاستجابة السريعة لها. وطالبت مفوضة التأهب وإدارة الأزمات هادجا لحبيب، سكان الاتحاد بتجهيز حقيبة طوارئ تكفي (72) ساعة، مؤكدة أن تهديدات اليوم التي تواجه أوروبا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
تشمل أهداف الاستراتيجية بناء احتياطي استراتيجي، يضم طائرات إطفاء الحرائق، ومعدات طبية وطاقية ونقل، وأصولًا متخصصة لمواجهة التهديدات البيولوجية والكيميائية والنووية، إلى جانب إنشاء مراكز تابعة للاتحاد لتنسيق الأزمات، لتحسين التكامل بين هياكل إدارة الأزمات الحالية بالاتحاد. تركز هذه الاستراتيجية على تعزيز مرونة المجتمع وجاهزيته بالتوازي مع الجاهزية المدنية والعسكرية. وشددت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، على أن الواقع الجديد يتطلب مستوى جديدًا من التأهب في أوروبا، وامتلاك أدوات مناسبة لمنع الأزمات أو للتفاعل السريع عند وقوعها. وقدمت المفوضية الأوروبية، في 1 أبريل 2025، الاستراتيجية الأوروبية للأمن الداخلي “ProtectEU”، التي تجمع بين حماية البنية التحتية الحيوية، والأمن السيبراني، ومكافحة التهديدات الأمنية والهجينة، بعد تضرر (10) كابلات بحرية تربط منطقة البلطيق منذ 2022، ووقعت (7) من هذه الحوادث خلال الفترة (نوفمبر 2024- يناير 2025).
ـ صعود مفهوم الأمن الشامل: اعتمد الاتحاد الأوروبي أول إطار أمني شامل له، وهو استراتيجية الأمن الأوروبي لعام 2003، بعد دخول معاهدة “ماستريخت” حيز التنفيذ. وحُدثت هذه الاستراتيجية في 2016. إلا أن حرب أوكرانيا والتهديدات الهجينة والهجمات السيبرانية، دفعت الاتحاد إلى إطلاق مجموعة من الاستراتيجيات الأمنية المترابطة. قدمت المفوضية الأوروبية والممثل الأعلى للاتحاد للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، في 19 مارس 2025، “الكتاب الأبيض للدفاع الأوروبي – الجاهزية 20230″، الذي (7) مجالات للاستثمار الدفاعي، من بينها حماية البنية التحتية الحرجة، والدفاع الجوي والصاروخي، وأنظمة المدفعية والذخائر والمسيرات، والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية. وترافق الكتاب الأبيض خطة إعادة تسليح أوروبا 2030، التي تسعى لحشد ما يصل (800) مليار يورو لتعزيز البنية التحتية الدفاعية الأوروبية، ما يعني استعداد أوروبا لبناء نهج استباقي تجاه الأمن.
ونظرًا لتزايد أشكال التحديات الأمنية، قدمت المفوضية والممثل الأعلى للاتحاد، في 12 نوفمبر 2025، مبادرة “الدرع الأوروبي للديمقراطية” لمواجهة تهديدات متزايدة التعقيد، مثل التدخل في الفضاء المعلوماتي “FIMI” والتلاعب بالمعلومات والتهديدات الهجينة، التي تستهدف التأثير على الانتخابات وتآكل الثقة في مؤسسات الدول. كما أطلقت “المركز الأوروبي للمرونة الديمقراطية”، لتعزيز المواطنة والمهارات الرقمية، وإطلاق برنامج مرونة إعلامية لجميع الفئات العمرية في الحضر والريف. الحرب الهجينة وانعكاساتها على أمن البلطيق؟
ـ تداخل الأمن الداخلي والخارجي: يواصل التكتل الأوروبي تطوير منظومته الأمنية، من خلال توسيع أدوار الوكالات الداخلية لتصبح أدوات ذات بعد أمني خارجي، ومن بينها وكالة “يوروبول” ويسعى الاتحاد لتعزيز دورها إلى وكالة إنفاذ قانون تشغيلية بالكامل في 2026، وتقوية دور وكالتي “فرونتكس” و”يوروجست”، وتأسيس نظام اتصالات حرجة أوروبي في 2026، لدمج مهام الشرطة الداخلية مع حرس الحدود الخارجية. تمثل هذه السياسات امتدادًا للتوجيه التأسيسي لفرق الاستجابة السريعة الهجينة الأوربية، التي تم اعتمادها في مايو 2024، للتحرك السريع عبر الحدود الوظيفية بين التهديدات الداخلية والخارجية.
في إطار مواكبة المستجدات الأمنية الدولية، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، في يناير 2026، عن نيتها لصياغة استراتيجية أمنية أوروبية جديدة، وكررت الدعوة بمؤتمر ميونيخ للأمن في فبراير 2026. ومن المتوقع نشر الاستراتيجية في سبتمبر 2026، بحلول خطاب حالة الاتحاد الأوروبي. تعد هذه الخطوة لافتة، نظرًا لأنها جاءت عقب (4) سنوات من اعتماد البوصلة الاستراتيجية. ويرى بيير فيمونت، زميل بارز في مؤسسة كارنيغي أوروبا، أن التحولات التي شهدتها أوروبا بداية من حرب أوكرانيا والهيمنة الاقتصادية الصينية، وصولًا إلى تحول الولايات المتحدة من الحليف الأكثر ثقة إلى شريك غير موثوق به، أدت إلى تغلغل المخاوف الأمنية في جميع السياسات متجاوزة القطاع العسكري بكثير، لتشمل الاعتماد الاقتصادي المفرط من الطاقة إلى التطبيقات الرقمية والمعادن الحيوية، وخطر استغلالها لأغراض سياسية.
وترى أوريلي فيتو، زميلة زائرة بمركز أوروبا التابع للمجلس الأطلسي، الدافع وراء الاستراتيجية المتوقع إطلاقها، يرتبط بتصاعد الضغوط الأمريكية على غرينلاند، وتصعيد روسي متوقع، لاسيما وأن واشنطن ستقدم دعمًا أكثر محدودية مستقبلًا، ما يؤدي إلى تحول التعاون عبر الأطلسي إلى طابع معاملاتي في مجالات بيع الأسلحة والتعاون الصناعي وتبادل الاستخبارات.
أوروبا في مواجهة التجسس والتخريب
ـ النشاط الاستخباري: اتبع التكتل الأوروبي سياسة مزدوجة تجمع بين إجراءات مواجهة التضليل المعلوماتي بجانب العقوبات، لمواجهة التهديدات الاستخبارية، ولاسيما مع تصاعد التوترات مع روسيا. أضاف المجلس الأوروبي في 16 مارس 2026، (4) أفراد لقائمة العقوبات الأوروبية، بسبب أنشطة التضليل بالمعلومات، ضمن التدابير التقييدية بشأن أنشطة روسيا المزعزعة للاستقرار. فرض الاتحاد الأوروبي، في 13 يوليو 2026، عقوبات على ضباط استخبارات عسكرية روس وقراصنة وشركات خاصة، واستهدفت العملية (9) أشخاص و(4) كيانات متهمين بالارتباط بشبكة تجسس إلكترونية، مستهدفة حكومات وبنية تحتية حيوية في عدة دول من بينهم، فرنسا وألمانيا وبولندا، وهولندا، والنمسا، وسلوفاكيا.

ـ حماية المنشآت الحيوية: تركز سياسات الاتحاد الأوروبي على توجيه مرونة الكيانات الحرجة “CER”، الذي يعالج المرونة المادية وغير السيبرانية، وضمان حماية واستمرارية البنية التحتية الحيوية والخدمات الأساسية، وتوجيه أمن الشبكات والمعلومات “NIS2″، الذي يعد أول تشريع شامل للأمن السيبراني على مستوى الاتحاد، لدعم الحماية برؤية أكثر صرامة.
ـ أمن الطاقة والاتصالات والكابلات البحرية: اعتمدت المفوضية والممثل الأعلى للاتحاد، في 21 فبراير 2025، “خطة عمل الاتحاد الأوروبي لأمن الكابلات”، لتغطي دورة المرونة الكاملة المتمثلة في الوقاية، والكشف، والاستجابة، والتعافي، والردع. نشرت مجموعة خبراء الكابلات، في 23 أكتوبر 2025، تقييم مخاطر أوروبي شامل للبنية التحتية للكابلات البحرية، وشكل أساس صندوق “أدوات أمن الكابلات” الجديد. تم تخصيص (420) مليون يورو سابقًا لدعم (51) مشروع اتصال سياسي، مع تمويل إضافي (540) مليون يورو بين (2025-2027) لمشاريع البنية التحتية الرقمية، بما يتضمن الكابلات البحرية الذكية، ويبلغ إجمالي التمويل مليار يورو ضمن برنامج “CEF” الرقمي. خصصت المفوضية، في 5 فبراير 2026، (347) مليون يورو إضافية لمشاريع الكابلات البحرية الاستراتيجية، من أصل (533) مليون يورو مخصصة ضمن برنامج العمل الحالي (2024-2027)، وخصصت منها (186) مليون يورو لـ (25) مشروعًا.
ـ التهديدات المرتبطة بالمجالين الجوي والبحري: استجابت المفوضية، في 11 فبراير 2026، لدعوات برلمانية، لاتخاذ موقف تجاه الانتهاكات الروسية في المجال الجوي لدول الاتحاد في 2025، والمسيرات وأنظمة الحرب الجديدة وحاجة الاتحاد للتكيف مع البيئة الأمنية المتغيرة. ونشرت المفوضية “خطة العمل بشأن أمن الطائرات المسيرة ومكافحتها”. ركزت الخطة على تعزيز التأهب عبر تسريع التطوير التقني والإنتاج الصناعي، وتقوية الكشف باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وشبكات “5G”، وتقوية الجاهزية الدفاعية عبر التعاون الصناعي والابتكاري، وتنسيق الاستجابة عبر أنظمة مكافحة مسيرات أوروبية موحدة وفرق طوارئ.
المسيرات والحرب السيبرانية والمعلوماتية
ـ المسيرات: تسببت حادثة اختراق (19) مسيرة روسية المجال الجوي البولندي في ليل (9-10) سبتمبر 2025، في إغلاق بعض مطارات وارسو وإطلاق أعلى حالة تأهب للناتو منذ بداية 2022، وجاء بعدها حادث مماثل للمجال الجوي الروماني، ما دفع بوخارست لإقلاع مقاتلات اعتراضية استجابة لأي تهديد محتمل. هذه الحوادث تشير إلى قدرة المسيرات على تعطيل حركة المطارات، كونها أداة منخفضة التكلفة وعالية التأثير، ولديها قدرة على مراوغة أنظمة الرادار التقليدية. سرعان ما أطلقت المفوضية مبادرة “جدار المسيرات الأوروبي”، كمنظومة دفاعية جوية متكاملة متعددة الطبقات، ومن المتوقع تشغيلها بحلول نهاية 2027، لحماية الأجواء الأوروبية من تهديدات المسيرات والحروب الهجينة.
ـ الهجمات السيبرانية: أوضح تقرير وكالة الاتحاد الأوروبي للأمن السيبراني”ENISA”، في تحليله لـ (4875) حادثة سيبرانية خلال الفترة (1 يوليو 2024- 30 يونيو 2025)، أن هجمات “حرمان الخدمة الموزع” شكلت (77%) من إجمالي الحوادث المبلغ عنها، ونفذ أغلبها ناشطون سيبرانيون وليس مجرمين إلكترونيين. وجاء التصيد الاحتيالي في المرتبة الأولى بين متجهات الوصول الأولي بنسبة (60%)، يليه استغلال الثغرات الأمنية بنسبة (21.3%). برزت قطاعات النقل والملاحة البحرية أهداف استراتيجية. وشكلت الهجمات على القطاع الحكومي (38%) من إجمالي الحوادث، إضافة إلى (82) نوعًا مختلفًا من برمجيات الفدية النشطة، وتسجيل أكثر من (42,595) ثغرة أمنية جديدة. وقال المدير التنفيذي لـ “ENISA”، جوهان ليباسار، إن “الأنظمة والخدمات اليومية مترابطة، لذا أي اضطراب في أحد أطرافها يمكن أن يؤثر على سلسلة التوريد بأكملها”.
ـ تضليل الرأي العام: أفاد تقرير جهاز العمل الخارجي الأوروبي “EEAS”، في مارس 2026، واستنادًا إلى التحقيق في (540) حادثة موثقة خلال 2025، وشملت نحو (10,500) قناة ومنصة اجتماعية. وارتبطت (35%) منها بجهات حكومية و(29%) منها بروسيا، و(6%) بالصين. واستهدفت حملات تضليل الانتخابات في ألمانيا وبولندا ورومانيا ومولدوفا والتشيك خلال 2025، وكانت أوكرانيا هدفًا رئيسيًا لهذه الحملات لإضعاف الدعم الدولي لها والتشكيك في شرعية الحكومة.
ـ تحديد مصدر الهجوم: أوضح معهد الاتحاد الأوروبي لدراسات الأمن، أن بعض حوادث إطلاق المسيرات يصعب تحديد مصدرها، مثل المسيرات مجهولة الهوية التي تم إطلاقها على مطارات دنماركية، وتجسست على قواعد عسكرية في ألمانيا والدنمارك والسويد. وتجاوز النشاط الروسي الهجين في الدول الأوروبية خلال 2025 مقارنة بالحوادث في 2024. أشارت منظمة “GLOBSEC” إلى أن الكرملين يستغل حالة عدم اليقين، وغياب التوجه الاستراتيجي الموحد في أوروبا بشأن الاستجابة السريعة لعمليات الاختراق الجوي والبحري، لإقناع القادة الأوروبيين بأن تقديم دعم أكبر لأوكرانيا يخاطر بتفجير تصعيد مباشر مع روسيا. ملف حرب أوكرانيا ـ من الجبهة العسكرية إلى استهداف البنى التحتية
دور الناتو والاتحاد الأوروبي
ـ التعاون الاستخباري: يتبادل حلف الناتو والاتحاد الأوروبي التقييمات الاستخبارية للمخاطر، حيث لا يمتلك الناتو جهازًا استخباريًا موحدًا، بل يعتمد على المشاورات بين الدول الأعضاء بموجب المادة (4) من ميثاق الحلف. ويعمل الاتحاد الأوروبي عبر مركز الاستخبارات والاستطلاع التابع للاتحاد “EU INTCEN”، لتتبع شبكات التجسس، لذا يجرى الاتحاد والناتو أول حوار بنيوي حول الأمن السيبراني، لتعزيز الوعي الظرفي المشترك وبناء القدرات السيبرانية، ومنع وردع الأنشطة السيبرانية الحديث.
ـ الدفاع الجوي: أطلق الناتو في 12 سبتمبر 2025، عملية “الحارس الشرقي” عقب اختراق المسيرات الروسية للمجال الجوي البولندي. وقال الأمين العام للناتو مارك روته إن “العملية تضيف مرونة وقوة إلى الموقف الدفاعي للحلف”، وأتفق معه القائد الأعلى للحلفاء في أوروبا الجنرال أليكسوس غرينكيفيتش، بالإشارة إلى أن العملية تعمل لنشر تقنيات جديدة مثل أسلحة مضادة للمسيرات وأجهزة استشعار. في عمليات الدفاع الجوي يوفر الناتو الأصول العسكرية، بينما يوفر الاتحاد الأوروبي الإطار التنظيمي والتمويل الصناعي.
ـ حماية البنية التحتية: أعلن الناتو والاتحاد الأوروبي، في 11 يناير 2023، عن فرقة عمل مخصصة مشتركة بشأن مرونة البنية التحتية الحرجة، وتطوير تقييمات دورية متوازية للتهديدات التي تواجه البنية التحتية، وتعزيز الحوار البنيوي حول المرونة والتنقل العسكري، وتوسيع المحادثات حول الأمن السيبراني، والأمن البحري، والطاقة، والفضاء.
ـ الردع: يعتمد الناتو على الانتشار السريع والقوة العسكرية، بينما يعتمد الاتحاد الأوروبي على العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية. ويوضح مركز “CEPA” أن تفعيل المادة (5) من ميثاق الناتو لا يعني بالضرورة عمل عسكري، بل يمكن أن يشمل عقوبات اقتصادية منسقة تستهدف دولًا ثالثة تسهل صادرات الطاقة الروسية. وقد يستخدم الناتو عبارة “الهجمات السيبرانية الخطيرة قد تفعل المادة (5)”، لكن يظل معنى خطيرة غير واضح على الإطلاق. حرب إيران ـ محور المقاومة داخل أوروبا، استراتيجية الحرب الهجينة
أوروبا بين الردع والتصعيد
ـ بناء ردع أوروبي مستقل: قال الأمين العام للناتو مارك روته إن “أوروبا إذا أردت الدفاع عن نفسها بعيدًا عن الولايات المتحدة، فهي بحاجة لإنفاق (10%) من الناتج المحلي الإجمالي بدلًا من (5%) وبناء القدرات النووية”، بينما قال المفوض الأوروبي للدفاع والفضاء أندريوس كوبيليوس إن “الاتحاد يستطيع ويجب أن يعمل نحو الاستقلالية في الدفاع التقليدي”. يوضح أندرو ميختا، أستاذ الدراسات الاستراتيجية بكلية هاملتون، أن فشل الاتحاد الأوروبي في تطوير بنية أمنية معتمدة على الاتحاد نفسه، يعود لتشرذم سياسي وتصورات متباينة للتهديد وعقبات تنظيمية قوضت القدرات الدفاعية الجماعية. بينما يرى الرئيس السابق للأكاديمية الفيدرالية الألمانية للسياسة الأمنية كارل هاينز كامب، أن أوروبا تستطيع تأمين دفاعها بدون الولايات المتحدة. ويشير معهد “بروجل” إلى أن زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي لاتزال تواجه مشكلة الاعتماد على الموردين غير الأوروبيين، إضافة إلى تجزؤ سوق الدفاع وضعف التنسيق بين الدول الأعضاء.
ـ تداعيات حرب أوكرانيا: أوضح تحليل لمجلس العلاقات الخارجية، في فبراير 2026، أن أوكرانيا صنعت ما بين (2.5-4) مليون مسيرة في 2025، وتهدف لإنتاج نحو (7) مليون مسيرة في 2026، لكن الإمكانيات تفوق البنية التحتية والتمويل، ويشير إلى أن إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية لأوكرانيا يمثل استثمارًا استراتيجيًا في الأمن والمرونة الأوروبيين، إذ كشفت الحرب عن قصور الإنتاج الأوروبي من الذخيرة ومكونات الصواريخ.
ـ تداعيات التصعيد الأمريكي الإيراني: تجلت حدود الاعتماد على الولايات المتحدة في حرب إيران 28 فبراير 2026، ورغم أن العمليات العسكرية وقعت بعيدًا عن القارة الأوروبية، فإن التبعات جاءت مباشرة عليها بارتفاع أسعار الطاقة، بحسب مؤسسة أوكسفورد إيكونوميكس. وبدأت أوروبا في 2026، بتخزين (46) مليار متر مكعب مقارنة بـ (60) مليار في 2025، نتيجة إغلاق مضيق هرمز. حذر المحلل كولن ب. كلارك من مركز سوفان، من أن الحرب لإيران حرب وجودية، في إشارة لردود فعل غير متوقعة من إيران على الأراضي الأوروبية. التجسس ـ أبعاد الحرب الهجينة على الجيش الألماني
تقييم وقراءة مستقبلية
– انتقلت سياسة أوروبا في التعامل مع التهديدات الأمنية، من نهج مزدوج يجمع بين العقوبات والدبلوماسية، إلى مرحلة الاستعداد والجاهزية للرد على أي هجمات، ولكن تطورات المشهد الأمني العالمي دفع أوروبا إلى تبني مقاربة أكثر تطورًا، تجمع بين الكشف المبكر عن التهديدات واتخاذ إجراءات أمنية استباقية، ما قد يزيد الأعباء الاقتصادية على الحكومات والمؤسسات الأوروبية، وقد يكشف عن مزيد من الفجوات بين دول الاتحاد في كيفية التعامل مع المرحلة المقبلة.
– من المتوقع تصاعد حدة الأنشطة الاستخبارات وعمليات التخريب للبنية التحتية الحيوية في أوروبا، إضافة إلى زيادة الهجمات السيبرانية التي تستهدف المؤسسات الحكومية والمنشآت الحيوية، نظرًا لتصاعد المعارك بين كييف وموسكو ودخولها مرحلة غير مسبوقة من التصعيد، إضافة إلى أن الصراع الأمريكي الإيراني لايزال مفتوحًا، في ظل الحرب الاقتصادية الأمريكية التي تشنها ضد إيران وشركائها التجاريين، ما قد يؤدي إلى تشابك تداعيات حربي أوكرانيا وإيران وزيادة التهديدات الأمنية على أوروبا.
– من المرجح أن تكثف أوروبا جهودها لتطوير استراتيجياتها الأمنية، بتسريع وتيرة الاستقلال الدفاعي، وتعزيز تسليح الجيوش وإعادة ترتيب أولوياتها الدفاعية، للتصدي لمخاطر مرحلة غير مسبوقة، في ظل تراجع مستوى الثقة بين ضفتي الأطلسي جراء سياسات واشنطن تجاه حلفائها الأوروبيين.
– رغم توتر المشهد داخل حلف الناتو، فإن العلاقات بين الناتو والتكتل الأوروبي تظل في إطار التكامل وليس التنافس، ولاسيما أن الاتحاد الأوروبي يوفر الأدوات التنظيمية والاقتصادية، بجانب توفير الناتو الردع التقليدي والأصول العسكرية الصلبة، مما يؤكد على ضرورة تماسك الحلف في التوقيت الراهن، ويشير إلى أن خطوات أوروبا لتعزيز الصناعات الدفاعية تصب في صالح هذا التعاون عبر الأطلسي.
– من المحتمل أن تتحول نسبة أكبر من التهديدات الأمنية المنسوبة إلى روسيا وإيران، إلى داخل الأراضي الأوروبية، عبر هجمات هجينة تجمع بين التجسس والعمليات السيبرانية واستهداف البنية التحتية للطاقة والاتصالات، لذا قد تتضمن الاستراتيجية الأوروبية المترقب إعلانها في سبتمبر 2026، توجهًا واضحًا نحو تسريع خطوات الاستقلال العسكري، واتخاذ خطوات استباقية للكشف عن المخاطر.
– يقود المشهد في حرب أوكرانيا، وتصاعد التوترات بين روسيا وأوروبا، ولاسيما بعد اتهامات روسيا لبريطانيا بالسماح لأوكرانيا باستخدام مسيرات بريطانية لضرب العمق الروسي، إلى استنتاج مفاده أن تداعيات الحرب على المستويين الاقتصادي والأمني طويلة الأمد، ما يضع أوروبا أمام اختبارًا جديدًا للتعامل مع الصراع.
– رغم أن أوروبا ليست طرفًا في الحرب بين واشنطن وطهران، فإن التوترات بينهما واحتمالية دخول موسكو وبكين على خط الأزمة، بعد شن الولايات المتحدة أكبر هجوم مالي على إيران والدول التي تتعاون معها، قد يجعل أوروبا في مرمى الهجمات الإيرانية والتهديدات الروسية والصينية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123535
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI
الهوامش
Strengthening the security and resilience of Europe’s submarine cables
European Security Strategy: In Search of a New Ambition
What a winning European Security Strategy looks like
European Union and NATO hold the first Structured Dialogue on Cyber

