المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الدفاع ـ هل تمهد “القوائم الروسية” لتصعيد غير تقليدي داخل ألمانيا وأوروبا؟
تيير قائمة روسية قلقا في ألمانيا، شركة من هاناو هي محور التحقيق، إذ ظهرت مكوناتها في طائرات روسية بدون طيار قبل سنوات. بعد ظهور مدينة هاناو في ولاية هيسن الألمانية على قائمة أعدتها وزارة الدفاع الروسية بشأن مواقع يزعم أنها تستخدم لإنتاج طائرات مسيرة أوكرانية، اتخذت السلطات رد فعل. وذكرت وكالة الأنباء الألمانية أن المدينة تواصلت مع المكتب الاتحادي لحماية الدستور. تحدث رئيس البلدية كلاوس كامينسكي عن محاولة لبث حالة من عدم اليقين. وأوضح قائلا: “غالبا ما يتم استخدام الترهيب من خلال التضليل ونقص المعلومات”. بالإضافة إلى مكتب حماية الدستور، ذكرت المدينة أن أجهزة أمن الدولة والشرطة ومجلس مدينة دارمشتات الإقليمي قد شاركت في العملية. والهدف من ذلك هو تحقيق الشفافية وإطلاع الجمهور.
موسكو، الشركات الأوروبية “منطقة نفوذها الاستراتيجية”
تعود خلفية هذا الأمر إلى منشور أصدرته وزارة الدفاع الروسية قبل أيام، والذي تضمن قائمة تضم 21 شركة أوروبية يزعم تورطها في إنتاج طائرات بدون طيار لصالح أوكرانيا، من بينها ثلاث شركات ألمانية. تشير موسكو إلى الدول الأصلية لهذه الشركات على أنها “المنطقة الخلفية الاستراتيجية لأوكرانيا”. ويفسر خبراء الأمن هذه العبارة على أنها تبرير غير مباشر محتمل للهجمات العسكرية أو العمليات السرية. وصف الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف القائمة علنا بأنها “أهداف محتملة للقوات المسلحة الروسية”. أصدر المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) بيانا بعد وقت قصير من النشر.
يحذر المكتب عادة الشركات المرتبطة بأوكرانيا من أنشطة أجهزة الاستخبارات الروسية، ولا يستبعد أيضا “الأنشطة على أرض الواقع”. بحسب وكالة الأنباء الألمانية، فإن شركة تصنيع المحركات 3W-Modellmotoren Weinhold متضررة في هاناو. وقد عثر على منتجاتها في طائرات مسيرة استخدمتها أطراف مختلفة في نزاعات سابقة، بما في ذلك ميليشيات في الشرق الأوسط، وفي عملية موثقة مرتبطة بروسيا.
مكونات من شركة مقرها هاناو تم العثور عليها في طائرات مسيرة روسية
يستند الربط بروسيا إلى بحث أجرته منظمة أبحاث تسليح النزاعات (CAR). على مدى عدة سنوات، قام الخبراء بفحص نماذج الطائرات المسيرة التي تم الاستيلاء عليها من الحرب في شرق أوكرانيا، وأعادوا بناء سلاسل إمدادها. لقد عثروا على طائرة استطلاع روسية بدون طيار أسقطتها القوات الأوكرانية في عام 2017. وكان هذا الطراز مزودا بمحرك من شركة 3W-Modellmotoren Weinhold المصنعة في هاناو. بحسب الشركة، تم تسليم المكون إلى موزع في جمهورية التشيك عام 2013. وقد تم حل هذه الشركة لاحقا، ووفقا لـ CAR، كان من بين مديريها مواطنون روس، من بينهم أفراد على صلة بأجهزة أمنية. ومع ذلك، لم يتسن إثبات وجود طلب مباشر من الدولة الروسية. إلا أن التحقيق كشف أن أنظمة الطائرات المسيرة الروسية غالبا ما تجهز بمكونات مصنعة في الخارج ويتم الحصول عليها عبر وسطاء. كما عثر على نماذج مماثلة خارج أوكرانيا، مثلا داخل الاتحاد الأوروبي، حيث يفترض أنها استخدمت لأغراض الاستطلاع.
هاناو ليست حالة معزولة
إن هاناو ليس حادثا معزولا، تشير الأبحاث إلى أن التكنولوجيا العسكرية الروسية تعتمد بشكل متكرر على مكونات مستوردة من الخارج، بما في ذلك من أوروبا. فعلى سبيل المثال، في أكتوبر 2025، صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن روسيا نشرت 549 منظومة أسلحة في هجوم ليلي واحد، احتوت مجتمعة على أكثر من 100 ألف مكون مصنع في الخارج. بحسب بيانات منصة الحرب والعقوبات، فإن العديد من مكونات المعدات الروسية مصدرها الولايات المتحدة الأمريكية والصين. أكثر من 130 مكونا مدرجة تحت فئة “صنع في ألمانيا”، تم اكتشاف أكثر من نصفها في طائرات بدون طيار. كما عثر على مكونات أخرى في صواريخ وأنظمة رادار ومركبات عسكرية ومروحيات. أوضح خبير قانون العقوبات، فيكتور وينكلر، أن هذه المكونات تصل إلى روسيا بشكل متزايد عبر طرق التفافية، تشمل سلاسل إمداد عبر دول ثالثة. غلاوة على ذلك، ووفقا لوينكلر، يتم استخدام الشركات الوهمية في بعض الحالات للحصول على المنتجات بشكل قانوني ثم إعادة بيعها مع التحايل على العقوبات.
النتائج
تعكس هذه القضية تصاعدا لافتا في طبيعة المواجهة غير المباشرة بين روسيا والغرب، حيث لم تعد تقتصر على ميادين القتال، بل امتدت إلى الفضاء الصناعي والتكنولوجي داخل أوروبا نفسها. ومن المرجح أن تتزايد في المرحلة المقبلة مثل هذه القوائم والاتهامات، سواء كأدوات ضغط نفسي وإعلامي أو كجزء من استراتيجيات الردع غير التقليدي.
على المدى القريب، ستتجه الدول الأوروبية إلى تشديد الرقابة على سلاسل الإمداد، خاصة فيما يتعلق بالمكونات ذات الاستخدام المزدوج، مع تعزيز التعاون بين الأجهزة الاستخباراتية والصناعية. كما قد نشهد فرض قيود إضافية على الصادرات التقنية، وتوسيع آليات التتبع لمنع تسرب المنتجات إلى أطراف خاضعة للعقوبات.
أما على المدى المتوسط، فإن استمرار اعتماد روسيا على مكونات غربية عبر قنوات غير مباشرة سيؤدي إلى سباق بين إجراءات المنع وآليات الالتفاف. وهذا قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تطوير أدوات قانونية وتقنية أكثر تقدما، مثل تتبع رقمي متكامل لسلاسل التوريد، وفرض مسؤوليات أكبر على الشركات المصنعة حتى بعد البيع.
في المقابل، يظل خطر التصعيد قائما، خاصة إذا تم تفسير بعض المنشآت أو الشركات كأهداف مشروعة في الخطاب الروسي. ورغم أن تنفيذ عمليات مباشرة داخل أوروبا يبقى مستبعدا في المدى المنظور، فإن الأنشطة التخريبية أو السيبرانية قد تصبح أكثر احتمالا.
تشير هذه التطورات إلى أن ساحة الصراع تتجه نحو “عسكرة الاقتصاد”، حيث تتحول الشركات والبنية الصناعية إلى عناصر ضمن معادلات الردع والصراع، وهو ما يفرض على أوروبا إعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل البعد الاقتصادي والتكنولوجي بشكل أعمق.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=117426
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
