خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
ـ تدور الشكوك حول تورط موظف سابق لدى السياسي الألماني ماكسيميليان كراه، عضو حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، في قضية تجسس لصالح الحكومة الصينية، حيث بدأت محاكمته في المحكمة الإقليمية العليا في مدينة دريسدن، وسط اهتمام سياسي واسع. في مستهل المحاكمة، نفى محامي الدفاع هذه الاتهامات بشدة، بينما اختار المتهم التزام الصمت التام.
بدأت القضية تكتسب زخمًا منذ اعتقال الموظف المعروف باسم جيان ج. في أبريل 2024، حيث وُجّهت إليه تهم بالتجسس وتسريب معلومات سرية إلى الصين خلال فترة عمله كمساعد للسياسي ماكسيميليان كراه في البرلمان الأوروبي بين عامي 2019 و2024. وأفاد محامي المتهم بأن موكله لم تكن لديه أي نية لنقل معلومات حساسة، ولم يُبدِ استعدادًا لذلك في أي مرحلة.
دور سياسي وأبعاد استخباراتية
يُعد ماكسيميليان كراه شخصية بارزة داخل حزب البديل من أجل ألمانيا، وهو حزب معروف بمواقفه اليمينية المتشددة والمثيرة للجدل على الساحة السياسية الألمانية. وقد شغل كراه عضوية البرلمان الأوروبي بين عامي 2019 و2025، قبل أن ينتقل مؤخرًا إلى البوندستاغ الألماني. وتشير هذه القضية إلى أبعاد أعمق تتعلق بتغلغل النفوذ الأجنبي في المؤسسات الأوروبية، وربما وجود محاولات صينية للحصول على معلومات حساسة من خلال عناصر داخلية.
تفاصيل الاتهامات الموجهة إلى المتهم
تضمنت لائحة الاتهام الصادرة عن الادعاء العام الفيدرالي اتهامات خطيرة، من بينها أن جيان ج. كان على صلة بجهاز استخبارات صيني منذ عام 2002، أي قبل سنوات من انخراطه في العمل السياسي الأوروبي. وخلال عمله مع كراه، يُزعم أنه استغل موقعه للحصول على وثائق ومعلومات سرية تتعلق بالأمن الأوروبي والسياسة الدفاعية، بالإضافة إلى بيانات تخص أعضاء قيادة حزب البديل، ومعلومات عن معارضين صينيين يقيمون في أوروبا.
ويؤكد محامي الدفاع أن موكله لم يتورط في أي أنشطة خارجة عن نطاق مهامه، التي كانت تتركز على ملفات التجارة الخارجية والعلاقات مع الصين، مشيرًا إلى أن خلفيته الثقافية واللغوية جعلته مؤهلاً للقيام بهذا الدور. وأوضح أن المحادثات التي أجراها في هذا الإطار قد تكون شملت أشخاصًا على صلة بالاستخبارات الصينية، لكن دون علمه أو نيته بالتجسس.
شريكة متهمة ودور خفي في مطار لايبزيغ
القضية لا تقتصر على “ج” فقط، بل تشمل امرأة صينية تُدعى جاكي إكس، كانت على علاقة سابقة به. وتعمل جاكي في شركة خدمات لوجستية بمطار لايبزيغ، حيث يُشتبه بأنها قدمت له بيانات حساسة تتعلق برحلات جوية، وشحنات بضائع، وقوائم ركاب، بعضها يرتبط بنقل معدات عسكرية.
ووفقًا للمحققين، فإن هذه المعلومات كان لها أهمية خاصة نظرًا لتصاعد التوترات الجيوسياسية، لاسيما في أعقاب حرب أوكرانيا. وتشتبه السلطات في أن “ج” كان يسعى للحصول على معلومات بشأن دعم الغرب لأوكرانيا، تحديدًا ما يتعلق بشحنات الأسلحة والأنظمة الدفاعية مثل تلك التي تنتجها شركة Rheinmetall الألمانية.
الاهتمام بالمعلومات العسكرية
في إفادتها خلال المحاكمة، نفت جاكي إكس علمها بأن شريكها السابق كان متورطًا في أنشطة تجسس، مؤكدة أنها كانت تهدف فقط إلى دعم العلاقات بين الصين وألمانيا. وأوضحت، عبر بيان تلاه محاميها، أنها رغم عضويتها في الحزب الشيوعي الصيني، لا تهتم بالسياسة، واعتبرت أن ما قدمته من معلومات يصب في إطار العمل التجاري والتعاون الدولي.
ووفقًا لإفادتها، فقد بدأت علاقتها بـ “ج” عندما جاءت إلى ألمانيا للدراسة عام 2015، وتواصلا لاحقًا عبر تطبيق وي تشات. وبعد انتهاء العلاقة، استمر التواصل بينهما بشكل متقطع. ثم أعاد التواصل معها وطلب منها معلومات، مستخدمًا حججًا تتعلق بتعزيز التبادل بين المطارات الألمانية والصينية.
تشير التحقيقات إلى أن “ج” أبدى اهتمامًا متزايدًا بالمعلومات العسكرية بعد عام 2022، تحديدًا مع تصاعد التوتر بسبب الحرب في أوكرانيا. وقد أكد لها أن حزبه يعارض تصعيد النزاع ويؤيد الحلول السلمية، مطالبًا إياها بإبلاغه بأي معلومات ذات صلة بنقل الأسلحة إلى أوكرانيا.
ورغم تزايد شكوكها، خاصة عندما سألها عن تفاصيل حول رحلة تنقل مركبات عسكرية من إنتاج شركة Rheinmetall إلى بورتسموث، أرسلت البيانات المطلوبة في صيف 2023، لكنها عبرت عن خوفها من العواقب الشخصية.
مخاوف قانونية بشأن جمع الأدلة
قدم الدفاع طلبًا للمحكمة لاستبعاد الأدلة التي تم جمعها من خلال مراقبة المتهم، مشيرًا إلى احتمال وجود خروقات قانونية خلال عملية المراقبة، لكن المحكمة رفضت الطلب لعدم وجود أدلة تدعم هذه الشكوك، ما يفتح المجال لاستخدام هذه المواد في الإجراءات الجنائية الجارية.
محاكمة طويلة وحساسة
من المقرر عقد 13 جلسة استماع في هذه القضية حتى نهاية سبتمبر 2025، ما يعكس تعقيد الملف وحساسيته السياسية والأمنية. وينظر الكثيرون إلى المحاكمة كاختبار مهم لاستقلالية القضاء الألماني، وصرامته في مواجهة الاختراقات الاستخباراتية الأجنبية، لاسيما في وقت تشهد فيه العلاقات بين أوروبا والصين توترًا متصاعدًا.
في ظل الاتهامات الموجهة، تثار تساؤلات حول مدى تغلغل النفوذ الأجنبي داخل المؤسسات السياسية الأوروبية، ومدى كفاءة آليات الرقابة الداخلية في منع تسرب المعلومات الحساسة. كما أن القضية تُلقي الضوء على هشاشة الحدود بين العمل السياسي والتجسس في عصر يزداد فيه توظيف التكنولوجيا والاتصالات في الأغراض الاستخباراتية.
النتائج
تسلط قضية الموظف السابق لدى ماكسيميليان كراه الضوء على تحدٍ متزايد يواجه الأنظمة الديمقراطية الغربية، يتمثل في تسلل نفوذ أجنبي إلى قلب المؤسسات السياسية.
المحاكمة، التي تُجرى في مدينة دريسدن، تأتي في توقيت حساس، إذ تتصاعد التوترات بين الغرب والصين، ويتزايد الوعي بمخاطر الاختراقات الاستخباراتية عبر شخصيات مدنية أو سياسية.
ما يجعل القضية أكثر خطورة هو خلفية المتهم وعلاقاته الشخصية والمهنية المعقدة، التي امتدت لعقود، وربما أتاحت له الوصول إلى معلومات استراتيجية.
إذا ثبتت صحة الاتهامات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتسريب معلومات، بل بانكشاف ثغرات في آليات التعيين والرقابة داخل البرلمان الأوروبي، حيث تمكن شخص مشتبه بعلاقته بجهاز استخبارات أجنبي من العمل لسنوات في موقع حساس.
القضية تحمل أبعادًا تتجاوز الشأن القضائي، لتفتح الباب أمام نقاش سياسي أوسع حول مدى هشاشة المنظومات الأوروبية أمام النفوذ الأجنبي، خاصة في ظل استغلال بعض الدول لعناصر بشرية قادرة على التغلغل في مؤسسات القرار.
تعكس التطورات حجم التحديات التي تواجهها دول الاتحاد الأوروبي في حماية أسرارها العسكرية والدبلوماسية، خصوصًا في ظل تصاعد الصراعات الإقليمية مثل الحرب في أوكرانيا.
من المتوقع أن تسهم هذه المحاكمة في الدفع نحو تعزيز تدابير التدقيق الأمني داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وربما إعادة النظر في آليات التعاون مع دول تُتهم بالتجسس أو التأثير غير المشروع.
في حال إدانة المتهم، فقد نشهد تشديدًا في التشريعات المتعلقة بالشفافية والرقابة البرلمانية، مما يعكس يقظة متزايدة تجاه حرب المعلومات والاستخبارات الحديثة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107053
