خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
التجسس ـ كيف تُواجه ألمانيا تصاعد أعمال التخريب الروسي الاستخباراتي؟
تُحذّر السلطات الأمنية الفيدرالية في ألمانيا المواطنين من تزايد محاولات تجنيد الأفراد من قبل أجهزة الاستخبارات الروسية، وذلك من خلال منصات التواصل الاجتماعي، في حملة توعوية وطنية تحمل شعارًا لافتًا: “لا تكن عميلاً مُستغنًى عنه!”. تأتي هذه الحملة في توقيت حساس، بعد تسجيل عدد من حوادث التخريب والتجسس المشتبه بوقوف روسيا خلفها، والتي استُخدم فيها ما يُعرف بـ”العملاء المُستغنَى عنهم”. وهو مصطلح أمني يستخدمه المكتب الفيدرالي لحماية الدستور للإشارة إلى أفراد غير محترفين في مجال الاستخبارات، يتم تجنيدهم عن بعد، وغالبًا دون تدريب أو وعي تام بما يُطلب منهم.
بحسب السلطات الأمنية، فإن هذه الفئة من العملاء لا تكون لديهم خلفية استخباراتية، وهم غالبًا مواطنون عاديون يُغرون بمبالغ مالية بسيطة مقابل تنفيذ مهام توصف بـ”المنخفضة التكلفة والخطورة العالية”، تشمل الحرق العمد، والتجسس التصويري، وتشغيل الطائرات المسيّرة فوق منشآت حساسة. وغالبًا ما لا يعرف هؤلاء الأفراد الجهة الحقيقية التي تقف وراء المهمة، ولا يفهمون الأهداف الاستراتيجية من ورائها. هذه العمليات تتم عادة عبر وسطاء أو حسابات وهمية على الإنترنت، تُستخدم فيها تقنيات الإقناع والتلاعب النفسي لاستدراج الأشخاص إلى القيام بأفعال ذات تبعات قانونية خطيرة.
تزايد ملحوظ في أنشطة التجسس والتخريب
تشير معلومات من الأجهزة الأمنية، بما فيها المكتب الفيدرالي لحماية الدستور (BfV)، وجهاز الاستخبارات الخارجية (BND)، وجهاز مكافحة التجسس العسكري (MAD)، إلى تزايد ملحوظ في محاولات التجسس والتخريب خلال العام 2025 داخل ألمانيا وفي عدد من الدول الأوروبية الأخرى. وتربط التحقيقات هذه الأنشطة بجهاز الاستخبارات الروسي، الذي يُشتبه في قيامه بتوظيف شبكات غير رسمية وعملاء غير تقليديين لتنفيذ أهداف استراتيجية تخريبية.
حذّرت السلطات الألمانية من أن الخطر لم يعد يقتصر على التجسس التقليدي الذي يستهدف المعلومات فقط، بل تعداه إلى محاولات ميدانية لإلحاق أضرار بالبنى التحتية الحيوية للدولة، خاصة في قطاعات الطاقة، والنقل، والصناعات الدفاعية. ويجري التركيز بشكل خاص على حماية المنشآت التي لها علاقة مباشرة بالأمن القومي الألماني، مثل المستودعات العسكرية، وأحواض بناء السفن، ونقاط نقل البضائع الحيوية.
الشرطة تحقق في سلسلة من القضايا الأمنية
أفادت الشرطة الجنائية الاتحادية (BKA) بأن التحقيقات جارية في عدد من القضايا المرتبطة بهذه الأنشطة، تشمل حوادث حرق عمد، وتشغيل طائرات مسيّرة بدون تصريح، وتصوير غير قانوني لمنشآت حساسة. وفي هذا السياق، تتعاون الأجهزة الأمنية بشكل وثيق مع الجهات الأوروبية المختصة، في محاولة لفهم نمط التجنيد وأهدافه، وتفكيك الشبكات التي تدير هذه العمليات.
تأتي هذه التطورات في ظل الكشف عن مخططات مزعومة في مايو 2025 لاستهداف حركة نقل البضائع داخل ألمانيا، حيث تم القبض على 3 أوكرانيين في ألمانيا وسويسرا. ووجّهت إليهم نيابة الدولة الألمانية العليا تهمًا بالعمل لصالح جهات استخباراتية أجنبية، ويُشتبه في تلقيهم تعليمات من أجهزة حكومية روسية لتنفيذ عمليات تخريبية. هذه القضية تحديدًا تُعد من أبرز مؤشرات التصعيد في الحرب الاستخباراتية المستترة بين برلين وموسكو.
هجمات على سفن أمريكية ودعوات لتعزيز الحماية
التهديدات لم تعد مقتصرة على الداخل الألماني. فقد سجلت تقارير أمنية أعمال تخريب مشبوهة طالت سفنًا تابعة للبحرية الأمريكية، تضمنت انقطاعًا متكررًا في أسلاك التوصيل، ووجود برادة معدنية داخل أنظمة القيادة، وتسربًا في أنظمة مياه الشرب. وتعتبر هذه المؤشرات جزءًا من نمط متكرر من التخريب الصناعي المتطور، ما دفع السلطات إلى المطالبة بمزيد من الحماية لمنشآت مثل أحواض بناء السفن، والترسانات، ومستودعات الذخيرة. وشددت الجهات المختصة على ضرورة مراقبة هذه المنشآت على مدار الساعة، وتكثيف الإجراءات التقنية والتكنولوجية لتأمينها.
طرد عشرات العملاء الروس وتضييق الخناق الاستخباراتي
في أعقاب حرب أوكرانيا في فبراير 2022، قامت الحكومة الألمانية، إلى جانب عدد من الدول الأوروبية الأخرى، بطرد عشرات العملاء الروس الذين تم الاشتباه في قيامهم بأنشطة غير قانونية تحت غطاء العمل الدبلوماسي. وفي هذا السياق، أعلنت برلين 40 موظفًا من السفارة الروسية في العاصمة أشخاصًا غير مرغوب فيهم، في خطوة تهدف إلى تقويض القدرات الاستخباراتية الروسية داخل الأراضي الألمانية.
بسبب هذه الإجراءات المشددة، تجد موسكو صعوبة متزايدة في تشغيل عملاء محترفين على الأرض، ما يدفعها وفقًا لتقديرات الاستخبارات إلى الاعتماد أكثر فأكثر على الأفراد العاديين ممن يمكن الوصول إليهم بسهولة عبر الإنترنت. ورغم بساطة أساليبهم، إلا أن حجم الأضرار المحتملة الناجمة عن تحركاتهم كبير، خاصة إذا ما استهدفت البنى التحتية الحيوية أو مواقع عسكرية حساسة.
التحذير الرسمي والعقوبات القانونية
شددت الشرطة الجنائية الاتحادية على أن الانخراط في أنشطة التجسس والتخريب، حتى وإن جاء تحت مظلة “عدم المعرفة” أو مقابل مكافآت بسيطة، لا يُعفي الأفراد من المسؤولية القانونية. وأكدت أن القانون الألماني يُعاقب على مثل هذه الجرائم بعقوبات قد تصل إلى عدة سنوات من السجن، لا سيما إذا تبيّن أن الأفعال تمت لصالح جهاز استخبارات أجنبي.في ظل هذه التهديدات المتزايدة، يُطلب من المواطنين التحلي باليقظة، والإبلاغ عن أي سلوك مشبوه أو محاولات تواصل مريبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التي تتضمن وعودًا بالمال مقابل “خدمات بسيطة”. فالحرب لم تعد تُخاض فقط بالسلاح التقليدي، بل باتت حربًا معلوماتية واستخباراتية تجند فيها العقول.
النتائج
ـ تعكس هذه التحذيرات الرسمية من السلطات الألمانية تصاعد الحرب الاستخباراتية بين روسيا وأوروبا، خصوصًا في ظل حرب أوكرانيا.
ـ استخدام ما يُعرف بـ”العملاء المستغنَى عنهم” يُبرز نهجًا روسيًا جديدًا يعتمد على تجنيد مدنيين غير محترفين، ما يُصعّب اكتشافهم ويُقلّل من التكلفة السياسية في حال كشفهم.
ـ تزايد هذه الأنشطة يُنبئ بتصعيد غير تقليدي في الحرب، حيث تغدو البنية التحتية الألمانية الحيوية كالطاقة، والدفاع، والنقل أهدافًا مباشرة لهجمات منسقة وغير موقعة رسميًا.
ـ مستقبليًا، ستتجه الدول الأوروبية إلى تعزيز التعاون الاستخباراتي، وتوسيع مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي، وتطوير استراتيجيات لكشف العملاء غير التقليديين.
ـ قد تشهد القوانين المتعلقة بالأمن السيبراني والاستخبارات الداخلية تعديلات جوهرية. أما روسيا، فمن المرجح أن تستمر في استراتيجيتها لتقويض الاستقرار الأوروبي عبر أدوات غير متوقعة وغير نظامية، مما يزيد من حدة التوترات الدولية ويُمهّد لتحولات في قواعد اللعبة الأمنية على مستوى القارة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=108657
