المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
التجسس ـ كيف تسعى موسكو لإعادة بناء قدراتها الاستخباراتية في أوروبا؟
حذرت وكالة الاستخبارات الفنلندية من أن الجواسيس الروس قد يكثفون جهودهم لاستهداف وزعزعة استقرار العضو الجديد في حلف الناتو بمجرد انتهاء الحرب في أوكرانيا. حيث أكد جهاز الأمن والاستخبارات الفنلندي (SUPO) إنه في حين أن الصراع الأوكراني، الذي أشعلته موسكو بالغزو الشامل في عام 2022، من المرجح أن يستمر “في المستقبل المنظور”. تخلت فنلندا، التي تشترك في حدود طولها 1340 كيلومترا مع روسيا، عن عقود من عدم الانحياز العسكري للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي في أبريل 2023 في أعقاب حرب أوكرانيا، مما أثار غضب الكرملين.
روسيا تستعد لاستعادة هذه القدرات
قال جهاز الأمن والاستخبارات الفنلندي SUPO في بيان لها: “لقد تضررت القدرات الاستخباراتية الروسية في أوروبا بسبب الحرب، وروسيا تستعد لاستعادة هذه القدرات”. متابعا: “ستصبح موارد الاستخبارات والتأثير الروسية المرتبطة حاليا بأوكرانيا متاحة للاستخدام في أماكن أخرى بعد الحرب”. أضاف جهاز الأمن والاستخبارات الفنلندي منظمة SUPO إن فنلندا ستظل محل اهتمام روسيا باعتبارها “دولة تابعة لحلف الناتو تقع بين بحر البلطيق ومنطقة القطب الشمالي”. يقول يوها مارتيليوس، مدير منظمة SUPO، إنه إذا تحسنت العلاقات بين أوروبا وروسيا، “فسيصبح التهديد الاستخباراتي الذي تشكله روسيا على فنلندا أكثر تنوعا، حيث ستستكمل أساليب التشغيل السابقة بأساليب أثبتت فعاليتها في البيئة الحالية”.
أضاف يوها مارتيليوس: “يشمل ذلك الاستخدام المكثف للجهات الفاعلة بالوكالة وجمع المعلومات الاستخباراتية من قواعد على الأراضي الروسية”. وقد اتهمت فنلندا في الماضي موسكو بشن “حرب هجينة” من خلال تدبير تدفق المهاجرين على حدودهما المشتركة، وهو اتهام نفاه الكرملين. في العام 2026، اتهم مسؤولون غربيون سفنا روسية بتخريب كابلات الاتصالات والطاقة تحت سطح البحر في عدة حوادث بارزة في بحر البلطيق في الأشهر الأخيرة. لكن جهاز الأمن والاستخبارات الفنلندي SUPO حذر من إسناد الكثير من الحوادث إلى روسيا. وأوضح: “بما أن العديد من الأحداث تنسب بسهولة إلى روسيا، فإن النفوذ الروسي ضد فنلندا قد يبدو أكثر اتساعا مما هو عليه في الواقع”.
حملة إلكترونية لاختراق حسابات واتساب
حذرت وكالات الاستخبارات الهولندية والبرتغالية من أن الكرملين يشن حملة إلكترونية عالمية لاختراق حسابات واتساب وسيجنال الخاصة بالمسؤولين الحكوميين والدبلوماسيين والعسكريين. أعلنت دائرة المعلومات الأمنية البرتغالية في 11 مارس 2025 أن المهاجمين يستخدمون أساليب مختلفة لخداع المستخدمين لحملهم على مشاركة كلمات المرور ورموز الوصول، واختراق الحسابات، وقراءة المحادثات الفردية والجماعية، والوصول إلى الملفات المشتركة، وشن حملات تصيد جديدة تستهدف جهات الاتصال. أكدت الوكالة أن هذه الهجمات لا تعني اختراق منصتي واتساب أو سيجنال أنفسهما، بل إن جهات معادية تستغل “الاستخدام الأقل حذرا” لخدمات المراسلة.
أفادت هيئة الاستخبارات الأمنية (SIS) بأن المهاجمين يستخدمون بشكل متزايد أدوات الذكاء الاصطناعي لانتحال شخصيات موظفي الدعم الفني أو جهات الاتصال الموثوقة. ويقومون بجمع تسجيلات صوتية وصورية للأهداف لإجراء محادثات تبدو طبيعية عبر الرسائل أو المكالمات الهاتفية أو مكالمات الفيديو. لم تحدد وكالة الاستخبارات الأمنية الدولة التي تقف وراء الحملة. أعلنت أجهزة الاستخبارات والأمن الهولندية أن روسيا تقف وراء الهجمات. وأكدت السلطات الهولندية أن مسؤولين حكوميين من بين “الأهداف والضحايا”، وحذرت من احتمال استهداف موسكو للصحفيين أيضا.
لا يزال تشفير التطبيقات “قويا”
أدت سمعة تطبيقي واتساب وسيجنال كمنصات آمنة إلى استخدام الحكومات لهما في الاتصالات الداخلية. وقد نصح جهاز المخابرات والأمن العسكري الهولندي بعدم اتباع هذه الممارسة. يقول نائب الأدميرال بيتر ريسينك، مدير جهاز المخابرات العسكرية الهولندية: “على الرغم من خيار التشفير من طرف إلى طرف، لا ينبغي استخدام تطبيقات المراسلة مثل سيجنال وواتساب كقنوات للمعلومات السرية أو الحساسة أو المصنفة”. ذكرت شركة سيجنال في منشور على منصة إكس أن تشفيرها وبنيتها التحتية لا تزال “قوية” ولم يتم اختراقها.
أكدت الشركة إنها تأخذ التقارير المتعلقة بالنشاط الخبيث “بجدية بالغة”، وأقرت بأن “هجمات التصيد الاحتيالي المستهدفة” قد اخترقت بعض حسابات مستخدمي تطبيق Signal، بما في ذلك حسابات المسؤولين الحكوميين والصحفيين. حث تطبيق سيجنال مستخدميه على عدم مشاركة أرقام التعريف الشخصية (PIN) أو رموز التحقق عبر الهاتف. وأصدر واتساب تعليمات مماثلة، محذرا المستخدمين من مشاركة الرموز المكونة من ستة أرقام المستخدمة لتأمين الحسابات. كما أوصى كلا التطبيقين بحظر الرسائل أو المكالمات غير المعروفة.
النتائج
تشير التحذيرات الصادرة عن أجهزة الاستخبارات الأوروبية، ولا سيما الفنلندية والهولندية والبرتغالية، إلى أن التنافس الاستخباراتي بين روسيا والغرب مرشح للدخول في مرحلة أكثر تعقيدا خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي أفرزتها الحرب في أوكرانيا.
مع انضمام فنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، باتت الحدود الشمالية الشرقية للحلف أكثر تماسكا مع روسيا، الأمر الذي قد يجعل الدولة الاسكندنافية هدفا متزايدا لأنشطة الاستخبارات الروسية وعمليات التأثير السياسي والأمني. من المتوقع أنه في حال تراجع حدة القتال في أوكرانيا أو انتهاء الحرب، ستعيد موسكو توجيه جزء من مواردها الاستخباراتية التي تركزت خلال السنوات الماضية على الجبهة الأوكرانية نحو ساحات أخرى في أوروبا.
قد تتنوع أدوات العمل الاستخباراتي الروسي بين الأساليب التقليدية، مثل جمع المعلومات عبر الشبكات البشرية، والوسائل غير التقليدية المرتبطة بالحرب الهجينة، بما في ذلك الحملات السيبرانية وعمليات التأثير الإعلامي واستخدام الفاعلين بالوكالة.
كما توحي التحذيرات المتعلقة بحملات التصيد الإلكتروني التي تستهدف تطبيقات المراسلة المشفرة مثل واتساب وسيجنال بأن الفضاء الرقمي سيظل ساحة رئيسية للصراع الاستخباراتي. فالتقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي قد يمنح الجهات الفاعلة القدرة على تنفيذ عمليات خداع رقمية أكثر تطورا، من خلال انتحال الهويات أو إنشاء تواصل يبدو طبيعيا مع الأهداف، ما يزيد من صعوبة اكتشاف هذه العمليات في مراحلها المبكرة.
من المرجح أن تدفع هذه التهديدات الحكومات الأوروبية إلى تعزيز إجراءات الأمن السيبراني وتطوير سياسات أكثر صرامة في استخدام تطبيقات المراسلة داخل المؤسسات الرسمية. كما قد تتجه دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو إلى توسيع التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات لمواجهة الأنشطة الروسية المحتملة.
على المدى الأبعد، يبدو أن التنافس بين روسيا والغرب لن يقتصر على المجالات العسكرية التقليدية، بل سيزداد تركيزه على الفضاء السيبراني ومجالات التأثير غير المباشر، ما يجعل الحرب الهجينة أحد السمات البارزة للنظام الأمني الأوروبي في المرحلة المقبلة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116104
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
