المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
البلطيق ـ تصاعد التهديدات لأمن البنية التحتية
يتزايد الضغط الأمني على منطقة بحر البلطيق مع تصاعد أنشطة التجسس والتخريب والهجمات السيبرانية المرتبطة بروسيا. وتدفع هذه التهديدات دول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو إلى تعزيز حماية الموانئ والبنية التحتية الحيوية وشبكات الطاقة والاتصالات. وفي ظل تنامي المخاطر الهجينة، تبرز الحاجة إلى تعاون إقليمي أكثر تكاملًا لرفع مستوى الردع والصمود.
بحر البلطيق تحت الضغط
تواجه الموانئ الواقعة على بحر البلطيق مشكلة رئيسية تتمثل في ممارسة روسيا أنشطة التجسس العسكري والاقتصادي وتنفيذ أعمال تخريب. ويشير إلى ذلك مؤلفو تقرير “بحر البلطيق الصامد” (Odporny Bałtyk)، الصادر عن مركز الدراسات الشرقية البولندي (OSW).وتشمل الجهات والبنى المتضررة قطاعات النقل البحري والطيران، والموانئ نفسها، إضافة إلى البنية التحتية للطاقة والاتصالات. ويسجل التقرير تزايد عمليات تصوير الموانئ والمحطات الحيوية ومنشآت الأرصفة، إلى جانب رحلات غير مصرح بها بطائرات مسيرة فوق الموانئ وموانئ النفط. كما تتزايد الهجمات السيبرانية “المكثفة”، أي اليومية، على أنظمة تكنولوجيا المعلومات. وتتمثل مشكلة أخرى في قيام روسيا بالتشويش على إشارات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) وغيرها من أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية (GNSS)، ولا سيما من منطقتي كالينينغراد وسانت بطرسبرغ.
تكتسب منطقة بحر البلطيق أهمية محورية بالنسبة إلى العديد من الدول. وتعمل بولندا وألمانيا والدنمارك والسويد وفنلندا ودول البلطيق بصورة مستمرة على تعزيز أمن المنطقة. وتتزايد أهمية بحر البلطيق بالنسبة إلى الأمن الاقتصادي والعسكري منذ سنوات. وتؤدي موانئ البلطيق دورًا رئيسيًا في التجارة الدولية وفي إمداد بولندا ودول البلطيق وفنلندا والسويد والدنمارك بالمواد الخام الاستراتيجية. كما أن موقع المنطقة على الجناح الشمالي الشرقي لحلف الناتو يجعلها ذات أهمية استراتيجية خاصة. وتندرج الموانئ البولندية ضمن ممرات النقل الأوروبية، وهي تتعامل مع أكثر من 40% من قيمة التجارة الخارجية البولندية. ويُعد تشغيلها أمرًا حاسمًا للاستقرار الاقتصادي وأمن الطاقة واستمرار إمدادات المواد الخام. كما يمكن أن تصبح البنية التحتية للموانئ ذات أهمية للعمليات العسكرية خلال الأزمات. أما بالنسبة إلى روسيا، فإن بحر البلطيق يمثل بدوره مركزًا رئيسيًا للنقل والتصدير، ولا سيما للمواد الخام. ومن خلال أنشطة التجسس السياسي والاقتصادي العدائية وعمليات التخريب، يخلق الاتحاد الروسي مخاطر أمنية كبيرة. وفيما يلي أبرز المشكلات التي تواجه دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، والإجراءات التي يمكن اتخاذها لمنع الهجمات.
بحر البلطيق والمواد الخطرة
يُعد بحر البلطيق أحد أكبر المقابر المائية لحطام السفن في العالم؛ إذ تشير تقديرات لجنة حماية البيئة البحرية في منطقة البلطيق (HELCOM) إلى وجود نحو 8 آلاف إلى 10 آلاف حطام سفينة في قاعه. وتشمل هذه المخلفات، على وجه الخصوص، أسلحة كيميائية ألمانية ومواد متفجرة يبلغ مجموعها نحو 40 طنًا. وهي تشكل خطرًا على النظام البيئي، كما يمكن استخدامها في عمليات التخريب والتدمير. وعند اكتشاف مثل هذه المواد، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية، وإثارة الخوف بين السكان، وإحداث تأثير نفسي قوي. ويعمل حلف الناتو بصورة منتظمة على إزالة المخلفات من قاع البحر. إلا أن الخبراء يرون أن الجهود الحالية لا تزال غير كافية.
الهجمات السيبرانية
تمثل الهجمات على أنظمة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، إلى جانب التشويش على إشارات الملاحة عبر الأقمار الصناعية وتزييفها، مجالًا آخر للمخاطر. وفي الحالات القصوى، قد يؤدي ذلك إلى وقوع تصادمات بين ناقلات الغاز والنفط أثناء دخولها إلى المحطات. ويحذر مؤلفو تقرير مركز الدراسات الشرقية من أن تزايد الحوادث الهجينة والهجمات السيبرانية والتشويش على أنظمة الملاحة بالأقمار الصناعية يؤدي إلى ارتفاع تكاليف مشغلي ومطوري شبكات الطاقة والاتصالات. وتتفاعل المفوضية الأوروبية مع هذه التحديات من خلال توجيه NIS-2، الذي يهدف إلى تعزيز الأمن السيبراني في 18 قطاعًا حيويًا في أنحاء الاتحاد الأوروبي. ويلزم التوجيه كل دولة عضو باعتماد استراتيجية وطنية للأمن السيبراني.
ناقلات روسية تتجنب الرقابة
يتكون ما يُعرف بـ”الأسطول الظل” الروسي، بصورة أساسية، من ناقلات تستخدم للتحايل على العقوبات الدولية المفروضة على روسيا. وغالبًا ما تكون هذه السفن قديمة، وترفع أعلام دول يصعب فيها تطبيق القواعد واللوائح، أو لا يمكن تطبيقها بصورة فعالة، كما أن وضعها القانوني يكون في كثير من الأحيان غير واضح. وفي 23 يناير من العام 2026، وافقت دول الاتحاد الأوروبي بالإجماع على حزمة العقوبات الحادية والعشرين. وتتيح هذه الحزمة مصادرة البضائع الموجودة على متن السفن وبيعها إذا وُجد اشتباه في انتمائها إلى “الأسطول الظل” الروسي. وكانت حزم عقوبات سابقة قد تضمنت بالفعل إجراءات تستهدف هذا الأسطول. وردت روسيا على ذلك بتهديد، عبر الرئيس فلاديمير بوتين، باحتجاز السفن الغربية والاستيلاء عليها. ووفقًا للتقرير، يمكن أن تنفذ سفن “الأسطول الظل” أيضًا عمليات هجينة، تشمل استهداف البنية التحتية الحيوية وتنفيذ أنشطة تجسس. كما توجد شكوك في استخدامها أجهزة استشعار على متنها، وتحويلها إلى منصات لإطلاق المركبات الجوية غير المأهولة.
تفرض دول مجموعة السبع عقوبات على الناقلات. وتخضع نحو 700 سفينة حاليًا لقيود من جانب الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة. ومع ذلك، لا تزال هذه الإجراءات غير فعالة بصورة كاملة. إذ يظل تأثيرها محدودًا ويختلف وفقًا للأداة المستخدمة والدولة التي تطبقها. وفي كثير من الأحيان، تتجنب الحكومات اتخاذ إجراءات منسقة خشية التعرض لرد انتقامي روسي.
التعاون الإقليمي للحد من التهديدات
يشدد التقرير على أن التعاون الإقليمي يمثل في معظم المجالات أهم وسيلة لمواجهة الأنشطة الروسية. ويتمثل الهدف الأساسي في اكتشاف المخاطر مبكرًا، وتبادل الخبرات، ونقل المعلومات بشأن الحوادث في الوقت المناسب. ويرى مركز الدراسات الشرقية أن من المهم أيضًا إجراء تقييم واقعي للقدرات البشرية والمادية لكل دولة، وزيادة التمويل المخصص للمشروعات الرامية إلى تحسين أمن الموانئ. وينبغي أن تكون هذه القضايا ضمن أولويات دول حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. كما يمثل تعزيز التعاون بين إدارات الملاحة البحرية والموانئ وخدمات الإنقاذ والقوات البحرية أمرًا محوريًا. ويشمل ذلك الإجراءات الوقائية وإدارة الأزمات بصورة منسقة، بما في ذلك التعامل مع عمليات إصلاح البنية التحتية الحيوية. وفي مارس من العام 2026، اعتمدت المفوضية الأوروبية استراتيجية الاتحاد الأوروبي للموانئ. وتهدف الاستراتيجية إلى وضع إطار لتعزيز القدرة التنافسية والمرونة والأمن والتنمية المستدامة للموانئ الأوروبية.
ويتمثل أحد أهدافها في رفع مستوى أمن الموانئ، من خلال مراجعة المبادئ التوجيهية القائمة وتحديثها، بما يتناسب مع التهديدات الجديدة. كما تسعى المفوضية إلى وضع معايير أمنية متقاربة لجميع موانئ الاتحاد الأوروبي. ومنذ عام 2025، يعزز حلف الناتو حماية البنية التحتية الموجودة تحت سطح البحر في المنطقة من خلال مهمة “الحارس البلطيقي” (Baltic Sentry). كما تتخذ الدول إجراءات بصورة منفردة. ففي أبريل 2025، أدخلت بولندا قواعد تحد من تصوير منشآت البنية التحتية الحيوية وتسجيلها بالفيديو، وتشمل هذه القواعد الموانئ كذلك. وتظل أسئلة رئيسية مطروحة بشأن المستقبل: كيف يمكن توسيع التعاون في منطقة بحر البلطيق وبين الحلفاء إلى أقصى حد؟ وكيف ينبغي للدول أن تتعامل مع الحوادث التي يصعب تحديد طبيعتها؟ وأين يقع الحد الفاصل بين الهجمات الهجينة والعدوان المفتوح؟
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124077
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

