خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اتصالا هاتفيا مشتركا مع نظرائه من فرنسا وبريطانيا وألمانيا يوم 22 أغسطس 2025 ، لمناقشة المحادثات النووية والعقوبات. وتهدد القوى الأوروبية الثلاث بتفعيل آلية العودة السريعة لعقوبات الأمم المتحدة على إيران ، آلية الزناد إذا لم تعد إلى طاولة المفاوضات. وتقول هذه الدول، إلى جانب الولايات المتحدة، إن إيران تستغل البرنامج النووي ربما لتطوير أسلحة نووية، وهو ما تنفيه طهران.
تُعتبر الدول الأوروبية الثلاث، إلى جانب الصين وروسيا، من الأطراف الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني لعام 2015، الذي عُرف رسميًا بـ”خطة العمل الشاملة المشتركة”. وقد تم توقيع هذا الاتفاق التاريخي بهدف الحد من طموحات إيران النووية، مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها. إلا أن الاتفاق تعرض لضربة كبيرة حين انسحبت الولايات المتحدة منه من جانب واحد في عام 2018، في عهد الولاية الأولي للرئيس دونالد ترامب، ما أدى إلى تفاقم التوترات بين طهران والدول الغربية. تأتي التحذيرات الأوروبية الأخيرة بعد اجتماع مهم عُقد في يوليو 2025 في مدينة إسطنبول التركية، وجمع بين ممثلين أوروبيين وإيرانيين. ووصفت مصادر دبلوماسية المحادثات بأنها كانت “جدية وصريحة ومفصلة”، وهو ما يعطي انطباعًا بأن ثمة محاولات جادة لاستئناف الحوار رغم التحديات.
فرض عقوبات “سريعة” على إيران
أفاد تقرير في 19 أغسطس 2025 بأن الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أبلغت الأمم المتحدة بأنها على استعداد لإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران، في حال لم تعد طهران إلى طاولة المفاوضات مع المجتمع الدولي بشأن برنامجها النووي. ويأتي هذا التطور في سياق تصاعد التوترات المتعلقة بالاتفاق النووي الإيراني، الذي بات في صدد الانهيار منذ سنوات. الأمن الدولي ـ “الترويكا” الأوروبية وإيران، المخاطر الجيوسياسية لإعادة فرض العقوبات
وذكر التقرير، أن وزراء خارجية الدول الثلاث بعثوا برسالة رسمية إلى الأمم المتحدة، عبّروا فيها عن نيتهم فرض عقوبات “سريعة” على إيران إذا لم تُبدِ استعدادًا واضحًا للعودة إلى المسار الدبلوماسي. أكد الوزراء الأوروبيون في الرسالة: “لقد أوضحنا أنه إذا لم تُبد إيران نية حقيقية للتوصل إلى حل دبلوماسي قبل نهاية أغسطس 2025، أو لم تغتنم فرصة التمديد المحتملة، فإن مجموعة الثلاث ستكون مستعدة لتفعيل آلية إعادة فرض العقوبات”، المعروفة بـ”سناب باك”، التي كانت جزءًا من الاتفاق النووي الموقع عام 2015.
خطوة بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي
لكن على الجانب الإيراني، لم تمر هذه التهديدات مرور الكرام، إذ حذر وزير الخارجية الإيراني الأسبق من أن إيران قد تتخذ خطوة دراماتيكية بالانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT) إذا ما أقدمت الدول الأوروبية على تفعيل آلية “سناب باك”. وأكد: “أن البرلمان الإيراني لديه إصبعه على الزناد، وقد يُقر مشروع قانون للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي خلال 24 ساعة فقط من أي تحرك أوروبي نحو إعادة العقوبات”.
يأتي هذا التصعيد في المواقف بعد أن كانت إيران قد أشارت خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو 2025، إلى أن برلمانها يدرس بالفعل مشروع قانون يهدف إلى إخراج البلاد من المعاهدة الدولية التي وقّعت عليها طهران عام 1970. ويُعد هذا التحرك من أخطر ما يمكن أن تتخذه إيران على الصعيد الدبلوماسي، حيث يُنظر إلى معاهدة حظر الانتشار النووي على أنها إحدى الركائز الأساسية للأمن النووي العالمي. الأمن الدولي ـ هل لا تزال “الترويكا” الأوروبية تلعب دورا مهما في المحادثات النووية الإيرانية؟
تضمن المعاهدة للدول الموقعة، ومن ضمنها إيران، الحق في تطوير الطاقة النووية للأغراض السلمية، ولكنها في المقابل تُلزمها بعدم السعي لتطوير أو حيازة أسلحة نووية، وتفرض عليها التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وإذا قررت إيران الانسحاب من هذه المعاهدة، فسيُعد ذلك مؤشرًا خطيرًا على احتمال سعيها إلى تجاوز السقف النووي المسموح به، وربما التوجه نحو تصنيع سلاح نووي، وهو ما ترفضه الأسرة الدولية بشدة.
ما احتمالات لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الخيار العسكري ضد إيران؟
هناك احتمال لجوء الولايات المتحدة وإسرائيل إلى الخيار العسكري ضد إيران من جديد، في حال فشل المفاوضات مع الترويكا الأوروبية، بوصفها أحد أكثر السيناريوهات إثارة للجدل. فالولايات المتحدة، رغم تشددها في الملف الإيراني، ما زالت تفضل حتى الآن الاعتماد على العقوبات الاقتصادية والضغط الدبلوماسي، باعتبار أن تكلفة الحرب المباشرة باهظة سياسيًا وعسكريًا. ومع ذلك، فإن الخيار العسكري يظل حاضرًا في الحسابات الأمريكية كخيار احتياطي، خاصة إذا تجاوزت طهران الخطوط الحمراء، مثل رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى حدود الاستخدام العسكري أو منع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من أداء مهامهم.
أما إسرائيل، فهي تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني باعتباره تهديدًا وجوديًا، ما يجعلها تحتفظ دومًا بخيار الضربة الوقائية. ورغم أن تل أبيب تفضل تنسيق أي عمل عسكري واسع مع واشنطن لتجنب الدخول في مواجهة منفردة، فإنها لا تتردد في تبني عمليات نوعية محدودة، سواء عبر الهجمات السيبرانية أو استهداف العلماء والمنشآت الحساسة، وذلك بهدف إبطاء التقدم النووي الإيراني. ومع انهيار المسار الدبلوماسي، قد تتجه إسرائيل إلى تصعيد عملياتها، وربما التفكير بجدية في ضربة أوسع نطاقًا إذا رأت أن إيران تقترب من امتلاك قدرات نووية عسكرية.
السيناريوهات المحتملة ـ “الترويكا “الأوروبية وإيران
تشير التطورات الأخيرة المرتبطة بالاتفاق النووي الإيراني إلى دخول الأزمة مرحلة مفصلية، مع اقتراب المهلة التي وضعتها دول الترويكا الأوروبية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا) لعودة طهران إلى طاولة المفاوضات. فقد لوّحت هذه الدول بتفعيل آلية إعادة فرض العقوبات الأممية المعروفة بـ”سناب باك”، في حال عدم استجابة إيران للمطالب الدولية. في المقابل، جاءت ردود الفعل الإيرانية أكثر حدة، إذ لوّحت طهران باحتمال الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي (NPT)، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل منظومة عدم الانتشار النووي على المستوى الدولي.
ـ السيناريو الأول : السيناريو الأكثر ترجيحًا يتمثل في التوصل إلى صيغة مؤقتة لإدارة الأزمة، عبر تقديم إيران خطوات فنية محدودة مثل ضبط مستويات التخصيب أو منح الوكالة الدولية للطاقة الذرية صلاحيات إضافية، مقابل تجميد الدول الأوروبية لخطوة “سناب باك” وربما تقديم حوافز اقتصادية أو إنسانية محدودة. من شأن هذا السيناريو أن يطيل أمد الأزمة دون التوصل إلى تسوية نهائية، لكنه يسمح بإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة والحد من احتمالات التصعيد الفوري. أمن دولي ـ “الترويكا” الأوروبية في الملف النووي الإيراني؟ مابين الدبلوماسية والعسكرة
ـ السيناريو الثاني : يقوم على فشل الجهود الدبلوماسية وذهاب الأوروبيين إلى تفعيل آلية “سناب باك”، وهو ما يعني عودة منظومة العقوبات الأممية الشاملة، بما يتجاوز العقوبات الأمريكية والأوروبية الفردية. هذا الخيار قد يدفع إيران إلى اتخاذ خطوات تصعيدية على المستوى النووي، مثل رفع مستويات التخصيب أو تقييد عمليات التفتيش، دون الوصول إلى حد تصنيع السلاح النووي، وذلك للحفاظ على مساحة تفاوضية مستقبلية. أمن دولي ـ موقف دول أوروبا “الترويكا” من البرنامج النووي الإيراني
ـ السيناريو الثالث : الأقل احتمالًا ولكن الأكثر خطورة، وهو انسحاب إيران من معاهدة حظر الانتشار النووي. ورغم أن الانسحاب من الناحية القانونية يحتاج إلى إجراءات وإشعار مسبق، فإن مجرد التلويح به يشكل مؤشرًا سلبيًا على نية طهران تجاوز السقف النووي المسموح به. من شأن خطوة كهذه أن تؤدي إلى اهتزاز عميق في بنية نظام عدم الانتشار الدولي، وأن تدفع قوى إقليمية مثل إسرائيل وبعض الدول الخليجية إلى تبني سياسات ردع أكثر تشددًا، بما في ذلك تعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية وربما الانخراط في عمليات استباقية.
إن انعكاسات هذه السيناريوهات لا تقتصر على إيران وأوروبا فحسب، بل تشمل أيضًا النظام الدولي ككل. بالنسبة لأوروبا، فإن نجاح السيناريو المؤقت يمنحها هامشًا لإعادة طرح مبادرة تفاوضية جديدة، في حين أن فشل المسار الدبلوماسي سيدفعها إلى اصطفاف أوثق مع واشنطن وتحمل أعباء إضافية تتعلق بأمن الطاقة وسلاسل التوريد. أما على مستوى الشرق الأوسط، فمن المرجح أن يؤدي التصعيد إلى زيادة حدة “حروب الظل” والاحتكاكات البحرية في الخليج وبحر العرب، في حين تبقى الأطراف الكبرى حريصة على تفادي مواجهة عسكرية مباشرة. مستقبل البرنامج النووي الإيراني، الدور الأوروبي وتحولات سياسات ترامب . ملف
النتائج
ـ في ضوء هذه التطورات، يبدو أن الفترة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مصير العلاقات بين إيران والدول الأوروبية، بل وربما مستقبل الاتفاق النووي برمته. فبين تحذيرات أوروبية بفرض عقوبات فورية، وتهديدات إيرانية بالانسحاب من أهم معاهدة نووية في العالم، يقف المجتمع الدولي أمام مفترق طرق، قد تكون له تداعيات بعيدة المدى على الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، بل وعلى النظام العالمي بأسره.
ـ إن الفترة المقبلة ستحدد بشكل كبير ملامح المسار النووي الإيراني ومستقبل العلاقة بين طهران والدول الأوروبية. الاحتمال الأقرب على المدى القصير هو التوصل إلى صيغة تهدئة مؤقتة تحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف، غير أن خيار إعادة فرض العقوبات عبر “سناب باك” يظل مطروحًا بقوة، بينما يبقى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي السيناريو الأكثر خطورة وإن كان الأقل ترجيحًا في الوقت الراهن
ـ التحذير الأوروبي بإعادة فرض العقوبات على إيران يعكس تغيرًا في المزاج الغربي تجاه طهران، بعد سنوات من المراوحة الدبلوماسية.هذه الخطوة تأتي في وقت حساس للغاية، إذ تتزايد المخاوف من أن إيران تقترب من عتبة امتلاك قدرات نووية عسكرية، بينما يتآكل الاتفاق النووي تدريجيًا. التحذير يهدف إلى الضغط على إيران للعودة إلى طاولة المفاوضات، لكنه في المقابل قد يدفع طهران إلى اتخاذ خطوات تصعيدية، كتفعيل مشروع الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي، ما قد يؤدي إلى تصعيد إقليمي ودولي.
ـ يمكن القول إن الاحتمال الأقرب على المدى المنظور يتمثل في استمرار الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية، مع إبقاء التهديد العسكري حاضرًا كوسيلة ردع. وقد تُترجم هذه التهديدات في صورة ضربات محدودة أو عمليات سرية إذا ما قررت إيران الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي أو رفعت مستويات التخصيب إلى الدرجة العسكرية. أما خيار الحرب الواسعة فيظل مستبعدًا في المدى القصير نظرًا لتكلفته الباهظة ومخاطره الإقليمية، لكنه يظل قائمًا كاحتمال واقعي في حال تبلورت مؤشرات جدية على اقتراب إيران من تصنيع سلاح نووي فعلي.
ـ إيران تُدرك أن الانسحاب من المعاهدة سيفقدها الدعم الدولي، لكنه قد يُستخدم كورقة ضغط قصوى.
ـ الدول الأوروبية، تواجه تحدي الحفاظ على مصداقية الاتفاق من جهة، ومنع الانزلاق نحو المواجهة من جهة أخرى.
ـ في حال فشل الوساطة، فإن تفعيل “آلية سناب باك” قد يضع العالم أمام أزمة دبلوماسية وأمنية معقدة.
ـ المستقبل القريب سيعتمد على قدرة الأطراف على استيعاب اللحظة والعودة إلى التفاوض، لكن كل يوم تأخير يُقرب الجميع من نقطة اللاعودة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=107901
