المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات ـ هل خططت بريطانيا وفرنسا لإرسال أسلحة نووية إلى أوكرانيا؟
نفت كييف مزاعم من جانب المخابرات الروسية بأنها ستمنح أسلحة نووية من قبل المملكة المتحدة وفرنسا. وهدد المسؤول الأمني الروسي الكبير ديمتري ميدفيديف كييف وباريس ولندن بضربات نووية في 24 فبراير 2026، وذلك في أعقاب تقارير من الكرملين تزعم أن فرنسا والمملكة المتحدة تعملان على تزويد أوكرانيا بالأسلحة النووية. حيث زعمت وكالة الاستخبارات الخارجية الروسية الرئيسية SVR أن “لندن وباريس” كانتا “تستعدان لتسليح كييف بقنبلة نووية”، قائلة أن حلفاء أوكرانيا سعوا إلى تحقيق “انتصار على روسيا على يد القوات المسلحة الأوكرانية”. كما زعم البيان الصادر عن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية أن الحكومة الألمانية رفضت تزويد كييف بسلاح نووي. وجاء في البيان: “لقد رفضت برلين بحكمة المشاركة في هذه المغامرة الخطيرة”.
ردود الفعل الأوروبية
قامت حسابات موالية للكرملين على وسائل التواصل الاجتماعي بتضخيمها، حيث شاركت هذه الحسابات مزاعم جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية بأن خطة فرنسا والمملكة المتحدة تشكل “انتهاكا صارخا للقانون الدولي”. في الواقع، لا يوجد دليل يدعم هذه الادعاءات، فهي غير مدعومة وتتعارض مع القانون الدولي، وتحديدا معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي بموجبها تعتبر المملكة المتحدة وفرنسا دولتين معترف بهما كدولتين تمتلكان أسلحة نووية، بينما أوكرانيا ليست كذلك. وبحسب ما ورد، قال هيورهي تيخي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الأوكرانية، إن “المسؤولين الروس، المعروفين بسجلهم الحافل بالأكاذيب، يحاولون مرة أخرى اختلاق هراء القنبلة القذرة القديم”.
رد حساب French Response، وهو حساب على منصة X مرتبط بوزارة الخارجية الفرنسية ومصمم لمكافحة المعلومات المضللة، على الادعاء على منصة X. وجاء في منشور له: “بعد مرور خمس سنوات على حرب الأيام الثلاثة، تفضل روسيا أن تركزوا على الأسلحة النووية الفرنسية والبريطانية. لن تخفي المناورات النووية الدعم الدولي الهائل لأوكرانيا في الذكرى السنوية الرابعة لحرب الأيام الثلاثة الفاشلة”. بينما ذكرت تقارير أن الحكومة البريطانية قالت بالفعل إنه “لا صحة” لهذه الادعاءات. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية إن الوزارة “لا تعلق على التقارير الإعلامية ولا ترد على التصريحات الصادرة عن هذه المصادر”. إن مزاعم جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية تعني أن فرنسا والمملكة المتحدة ستكونان في انتهاك لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، التي تنص على أنه لا يجوز للدول نقل الأسلحة النووية إلى دول غير حائزة للأسلحة النووية، مثل أوكرانيا.
تخلت أوكرانيا عن أسلحتها النووية في عام 1994 بموجب مذكرة بودابست مقابل ضمانات أمنية من روسيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة. أعرب الرئيس فولوديمير زيلينسكي عن تفضيله الانضمام إلى حلف الناتو على منح أوكرانيا أسلحة نووية، على الرغم من أنه أقر بأنه إذا استغرق الأمر وقتا طويلا جدا لقبول كييف في الحلف، فإن الرؤوس الحربية النووية ستكون رادعا محتملا. ليست هناك سابقة لفرنسا أو المملكة المتحدة لنقل رؤوسهما النووية إلى دولة أخرى. وبينما تشارك عدة دول في حلف الناتو في تقاسم الأسلحة النووية، فإن أوكرانيا، لكونها ليست عضوا، لن تكون مؤهلة لذلك. في مؤتمر ميونخ الأمني مطلع فبراير 2026، تناول المستشار الألماني فريدريش ميرز والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كلمتيهما مسألة الردع النووي الأوروبي، بما في ذلك إمكانية التنسيق بين الحلفاء. وأشارت هذه المناقشات إلى سياسة الردع، وتحديدا عدم نقل الأسلحة إلى أوكرانيا.
لماذا الأن؟
سارع الخبراء إلى الإشارة إلى أن أجهزة الاستخبارات في موسكو نشرت معلومات مضللة مماثلة قبل أحداث بارزة، لصرف الانتباه عما يعتبره الكثيرون إخفاقات عسكرية لموسكو. في عام 2022، زعمت روسيا أن كييف كانت تستعد لاستخدام ما يسمى “القنبلة القذرة”، لكن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية نفوا ذلك بعد عدم العثور على أي دليل. يقول دينيس سينوسا، المحلل المختص بشؤون أوروبا وأوراسيا والباحث الزائر في كلية الحوكمة عبر الوطنية إنه من خلال نشر المعلومات المضللة حول التواريخ المهمة، “تسعى المخابرات الروسية إلى تشتيت الانتباه وتشويه الواقع، وخاصة للجمهور الخارجي”. وتابع: “إن الرواية المتعلقة بتسليح فرنسا والمملكة المتحدة لأوكرانيا بالأسلحة النووية لا أساس لها من الصحة، ولكن تم اختيارها لتشويه سمعة البلدين، وخاصة أمام الجماهير المحلية، عندما يقودان الحوار حول إرسال قوات إلى أوكرانيا في مرحلة ما بعد الحرب”.
النتائج
تفتح هذه التطورات الباب امام جملة من السيناريوهات المستقبلية التي ستؤثر في شكل التوازنات الامنية في اوروبا وفي مسار الحرب في اوكرانيا. من المرجح ان تستمر موسكو في توظيف السرديات المرتبطة بالتصعيد النووي كاداة ردع نفسي وسياسي، خصوصا في المناسبات الرمزية المرتبطة بالحرب، بهدف ارباك الراي العام الغربي وتقويض الدعم العسكري لكييف.
هذا النمط من الخطاب قد يتكرر كلما اقتربت الدول الاوروبية من اتخاذ خطوات نوعية في مجال التدريب او التسليح او حتى نشر قوات في اطار ترتيبات ما بعد الحرب. في المقابل، ستجد الدول الاوروبية نفسها مضطرة الى تعزيز خطابها الموحد حول الردع النووي ضمن اطر قانونية واضحة، مع التشديد على الالتزام بمعاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية. وقد يدفع تكرار هذه المزاعم الى مزيد من التنسيق بين باريس ولندن وبرلين في ما يتعلق بسياسات الردع والتواصل الاستراتيجي، تفاديا لترك فراغ تستغله حملات التضليل.
اوكرانيا بدورها ستواصل الموازنة بين المطالبة بضمانات امنية صلبة وبين تجنب الانزلاق الى خطاب قد يفسر كميل نحو الخيار النووي. وعلى المدى المتوسط، سيبقى خيار الانضمام الى حلف الناتو اولوية سياسية لكييف، باعتباره يوفر مظلة ردع جماعية اكثر استدامة من اي ترتيبات استثنائية.
اما على المستوى الدولي، فمن المتوقع ان تزداد حساسية ملف الانتشار النووي، خاصة اذا تصاعدت الحرب او طال امدها. حينها قد تتكثف الضغوط الدبلوماسية لاعادة احياء مسارات الحد من التسلح وبناء الثقة، بالتوازي مع استمرار المواجهة السياسية والاعلامية بين روسيا والغرب.
رابط مختصر… https://www.europarabct.com/?p=115512
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
