خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات ـ ما مستقبل تبادل المعلومات الاستخبارية بين واشنطن أوروبا؟
أكدت مصادر فرنسية أمنية إن تقييد الأوروبيين لتبادل المعلومات مع الولايات المتحدة يظل ذا تأثير “نظري”، لأن واشنطن لا تحتاج فعليًا إلى هذه المعلومات. أثارت العملية العسكرية الأمريكية ضد أشخاص يُشتبه في أنهم متورطون في الاتجار بالمخدرات في فنزويلا، إلى جانب تهديدات دونالد ترامب بشن هجوم بري على الرئيس نيكولاس مادورو، قلق القوى الأوروبية التي تمتلك أراضي استراتيجية في منطقة الكاريبي، وفق ما يؤكده مراقبون. ووفق مسؤولين ومصادر تحدّثوا إلى وكالة فرانس برس، فإن المخاوف لدى فرنسا وهولندا والمملكة المتحدة بلغت حدّ شروعها في تقييد تبادل المعلومات الاستخبارية مع واشنطن بشأن منطقة الكاريبي، خشية أن تُستخدم هذه المعلومات لتنفيذ ضربات تعتبر غير قانونية في بلدانها. تحتفظ المملكة المتحدة ببعض الأقاليم الخارجية الصغيرة في الكاريبي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، بينما تُعد جزيرتا مارتينيك وغوادلوب وجزء من غويانا الفرنسية في البر الرئيسي لأمريكا الجنوبية جزءًا رسميًا من فرنسا. أما هولندا فهي الأكثر ارتباطًا جغرافيًا، إذ تقع ثلاث من جزرها (أروبا وبونير وكوراساو)، المعروفة بجزر ABC، قبالة الساحل الفنزويلي مباشرة.
تتهم فنزويلا واشنطن بالسعي إلى تغيير النظام في كاراكاس عبر تعزيزها العسكري، الذي يشمل مجموعة حاملة طائرات وسفنًا حربية وعددًا من الطائرات الشبحية. تتّهم الولايات المتحدة مادورو بقيادة “كارتل إرهابي” للاتجار بالمخدرات، وهو اتهام ينفيه. ومنذ سبتمبر 2025، قتلت القوات الأمريكية ما لا يقل عن 83 شخصًا عبر ضربات جوية استهدفت قوارب يُشتبه بأنها تنقل المخدرات في المياه الدولية، وفق إحصاء أجرته فرانس برس استنادًا إلى البيانات المنشورة. أكد مسؤول عسكري فرنسي إن “الهولنديين يشعرون بالقلق تجاه جزرهم الواقعة على بعد نحو 50 كيلومترًا من الساحل الفنزويلي”. وأضاف مصدر عسكري أوروبي أن تلك الجزر “ستكون في الخط الأمامي” إذا اندلعت حرب.
خيارات محدودة في مواجهة إصرار ترامب
أمام خيارات محدودة في مواجهة إصرار ترامب، قررت الدول الثلاث وقف مشاركة أنواع معينة من المعلومات مع واشنطن، وفق مصادر متعددة. يوضح إريك أكربوم، المدير العام للاستخبارات الهولندية ، لصحيفة دي فولكسكرانت: “نحن يقظون للغاية إزاء تسييس أجهزتنا وانتهاكات حقوق الإنسان”. كشف ديميتري زولاس، وهو مسؤول رفيع في الشرطة الفرنسية ورئيس جهاز مكافحة المخدرات OFAST، لإذاعة كاريبس عن: “لا دولة أوروبية، بما فيها فرنسا، سترسل معلومات استخبارية عملياتية للأمريكيين في الوضع الحالي إذا كان من المحتمل استخدامها كأساس لضربة عسكرية”. لم تؤكد السلطات الفرنسية رسميًا هذا الموقف، لكن مصدرًا أمنيًا أكد: “من الواضح بنسبة 100% أن الأوروبيين لا يقدّمون للولايات المتحدة أي معلومات يمكن أن تؤدي إلى ضربة”. ذكرت صحيفة تايمز في المملكة المتحدة، أن المدعي العام ريتشارد هيرمر، وهو أبرز مستشاري الحكومة القانونيين، أبلغ الوزراء بضرورة وقف تبادل المعلومات الاستخبارية خشية من قرارت ترامب في الكاريبي. كان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد وصف خلال نوفمبر 2025 التقارير التي تفيد بأن المملكة المتحدة أوقفت تبادل المعلومات بأنه “أخبار زائفة”.
ليس تغييرًا جوهريًا
يوضح ريتشارد ديرلاف، الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني MI6، لفرانس برس: “إن الوضع ليس جديدًا، ويمنع الأوروبيين من التورط في عمل قد يكون قانونيًا في الولايات المتحدة لكنه غير قانوني في بلدانهم”. أضاف ديرلاف: “هذا لا يؤثر على تبادل المعلومات الاستخبارية بشكل عام. إنه أمر محلي ومحدد. وقد حدث سابقًا خلال تجربتي”. يدرك الأوروبيون مخاطر إغضاب إدارة ترامب، أفاد مصدر في أحد أجهزة الاستخبارات الأوروبية: “قبل أن نقول لا للولايات المتحدة ونجعل ذلك معلنًا، علينا التفكير مليًا، لأنها تزوّد حلفاءها بالكثير من المعلومات”. يعد إسهام الأوروبيين في العمل الاستخباري الأمريكي في هذا المجال محدود للغاية، بحسب ضابط أمريكي سابق عمل في عمليات مكافحة المخدرات في المنطقة. يرى مصدر أمني فرنسي أن تقييد الأوروبيين لتبادل المعلومات “نظري” في تأثيره، لأن الولايات المتحدة ليست بحاجة فعلية لهذه المعلومات. أكد ديرلاف: “بما أن المسألة قانونية من الناحية التقنية، فلا ينبغي أن تؤثر على الصورة الكبرى للتعاون الاستخباري عبر الأطلسي”. تابع المصدر الفرنسي قائلًأ: “وكالة الاستخبارات المركزية تفهم ذلك جيدًا، هذا مجال معروف بأنه قد يسبب إشكالات أحيانًا، لكنه لا يشير إلى أي تغيير جوهري في علاقة الاستخبارات”.
وقف العمليات الاستخباراتية، أوكرانيا نموذجًا
قام مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية جون راتكليف في 31 أكتوبر 2025 بزيارة غير معلنة إلى بروكسل، التقى خلالها كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي في الشؤون الخارجية والاستخبارات، بهدف توصيل رسالة واضحة مفادها أن الثقة بين الجانبين لا تزال قائمة. شملت اللقاءات كبيرة دبلوماسيي الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ومسؤولين من مركز الاستخبارات والوضع في الاتحاد الأوروبي ومديرية الاستخبارات العسكرية، وفق مصادر مطلعة. وفق مسؤولين أوروبيين، جاءت الزيارة في إطار محاولة لتهدئة المخاوف المتزايدة في بعض العواصم الأوروبية بشأن اتجاهات السياسة الخارجية الأميركية في عهد الرئيس دونالد ترامب، خصوصًا بعد قرارات مفاجئة أثارت قلقًا واسعًا.
أدى وقف واشنطن لتبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا بشكل مفاجئ في مارس 2025، وسعي إدارة ترامب إلى تسييس الأجهزة الاستخباراتية عبر تعيين موالين للرئيس، إلى تآكل الثقة الأوروبية في موثوقية الشريك الأميركي. ويُنظر إلى راتكليف، النائب الجمهوري السابق، على أنه من أبرز المدافعين عن ترامب، خاصة خلال إجراءات العزل الأولى، حين استخدم موقعه في لجنة الاستخبارات لمهاجمة التحقيقات المتعلقة بالرئيس. رغم أن الهدف الرسمي لزيارة راتكليف كان تقديم إحاطة إلى مجلس شمال الأطلسي، فإن اجتماعه الجانبي مع جهاز العمل الخارجي الأوروبي حمل دلالة أعمق، إذ سعى إلى تأكيد رغبة واشنطن في إبقاء قنوات الاتصال والتعاون مفتوحة. وكشف أحد المسؤولين الأوروبيين أن هذه اللقاءات ستكون دورية، في مؤشر على مسعى أميركي لإعادة بناء الثقة. وقد ناقش الجانبان تهديدات مشتركة، تشمل روسيا والصين والتطورات في الشرق الأوسط.
أكدت المتحدثة باسم وكالة المخابرات المركزية ليز ليون: “إن اللقاءات تناولت تنامي التهديدات الروسية والصينية للأمن عبر الأطلسي، مؤكدة أن الولايات المتحدة تبقى شريكًا موثوقًا، وواصفةً ما يثار حول تراجع الثقة بأنه منفصل عن الواقع”. تأتي هذه التحركات في وقت تعمل فيه الاستخبارات الأوروبية على بناء منظومة مشتركة لتعزيز التنسيق في مواجهة التهديدات الروسية، في ظل مراجعة جارية لاتفاقيات تبادل المعلومات مع الولايات المتحدة. وقد أعلنت أجهزة الاستخبارات الهولندية المدنية والعسكرية مؤخرًا تعليق بعض تبادلاتها مع واشنطن، بسبب مخاوف تتعلق بالتسييس وقضايا حقوق الإنسان. هذا المناخ يعكس مرحلة دقيقة في العلاقات الاستخباراتية عبر الأطلسي، حيث يسعى الطرفان إلى التوفيق بين الحاجة للتعاون الأمني والثقة السياسية التي تقف على المحك.
النتائج
تُظهر التطورات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن العمليات الأمريكية في الكاريبي ضد شبكات التهريب من فنزويلا حجم التوتر الكامن في العلاقات الاستخبارية عبر الأطلسي. فقرار فرنسا وهولندا والمملكة المتحدة تقييد تبادل بعض المعلومات الحساسة مع واشنطن يعكس خشية متصاعدة من التورط غير المباشر في عمليات أمريكية قد تُعتبر غير قانونية أو غير مبررة وفق المعايير الأوروبية. هذا الموقف لا ينبع فقط من اختلافات تفسير القانون الدولي، بل من اختلافات أوسع تتعلق بثقافة استخدام القوة خارج الحدود، ومحدودية الثقة في نهج إدارة ترامب القائمة على التصعيد السياسي.
تكمن أهمية هذا التطور في أنه يحدث ضمن سياق حساس، فالدول الأوروبية التي تمتلك أراضي في الكاريبي ترى نفسها في “مسرح عمليات محتمل”، سواء على مستوى التهديد العسكري المباشر أو مخاطر التورط الدبلوماسي. الهولنديون، على سبيل المثال، يشعرون بأن جزرهم تقع فعليًا في خط المواجهة لأي تصعيد أمريكي فنزويلي. كما أن فرنسا والمملكة المتحدة واعيتان لحساسية استخدام أراضيهما أو معلوماتهما الاستخبارية في عمليات قد تُفسَّر بأنها تدخل مباشر في شؤون دولة أخرى.
لا يُعدّ الموقف الأوروبي قطيعة كاملة، بل هو ضبط دقيق للحدود القانونية والسياسية للتعاون. فالتقارير تشير إلى أن أثر هذا التقييد يبقى نظريًا، لأن الولايات المتحدة لا تعتمد بشكل كبير على المعلومات الأوروبية في عمليات التهريب بالمنطقة. كما أن مسؤولي الاستخبارات، مثل ريتشارد ديرلاف، يؤكدون أن هذه الحالات ليست جديدة، وأن التعاون الاستخباري الشامل بين أوروبا وواشنطن لن يتأثر جذريًا.
من المرجّح أن تستمر أوروبا في سياسة “التحوّط” تجاه واشنطن، خصوصًا في ملفات تتعلق باستخدام القوة خارج القانون الدولي أو في مناطق حساسة. لكن من غير المتوقع أن يتطور هذا التحفّظ إلى تصدّع كبير، خاصة في ظل استمرار اعتماد الأوروبيين على المعلومات الأمريكية في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهديدات السيبرانية. وفي المقابل، قد يُعيد الأوروبيون تقييم مدى استعدادهم للسير خلف السياسات الأمريكية التي تتسم بالتصعيد، خصوصًا إذا استمرت واشنطن في توسيع نطاق العمليات غير التقليدية في محيطات تعتبرها أوروبا مناطق نفوذ أو مسؤولية مباشرة.
في حال اتسعت العمليات الأمريكية قرب فنزويلا، قد تتزايد الضغوط على الحكومات الأوروبية لتبني مواقف أوضح وأكثر استقلالية، سواء على مستوى القانون الدولي أو على مستوى حماية أراضيها ومصالحها في الكاريبي. لكن من المتوقع أن تبقى حدود الخلاف مدارة بعناية، من أجل تجنّب أي مساس بالبنية العميقة للتحالف الاستخباري عبر الأطلسي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112014
