خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات ـ خدمة الاستخبارات العسكرية البريطانية “MIS”، المهام والأهداف
حذر كبار المسؤولين العسكريين البريطانيين في العاشر من ديسمبر 2025 من ضرورة أن تكون أوروبا مستعدة للحرب على أبوابها، مؤكدين أن التهديدات الأمنية باتت غير مسبوقة وتستدعي استعدادًا عاجلًا على جميع المستويات. جاء هذا التحذير خلال إطلاق خدمة الاستخبارات العسكرية البريطانية (Military Intelligence Service MIS)، والتي تهدف إلى تعزيز قدرات المملكة المتحدة على جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها بسرعة أكبر، وتنسيق العمليات بين القوات المسلحة الثلاثة: البحرية الملكية والجيش البريطاني وسلاح الجو الملكي.
أوروبا تواجه “حروبًا ضرورية”
يقول وزير القوات المسلحة البريطانية، آل كارنس، في كلمته بمناسبة إطلاق الخدمة الجديدة: “ظل الحرب يطرق باب أوروبا”، مؤكدًا على أن حلفاء الناتو يجب أن يكونوا على أهبة الاستعداد للتعامل مع أي تهديدات قد تنشأ. أوضح وزير القوات المسلحة البريطانية أن أوروبا لم تعد تواجه “حروب اختيارية” يمكن تفاديها أو التفاوض بشأنها، بل أصبحت تواجه “حروبًا ضرورية” ستأتي بثمن بشري باهظ، مستشهدًا بالغزو الروسي لأوكرانيا كمثال حي على المخاطر التي تهدد القارة الأوروبية. أشار كارنس إلى أن النشاطات الاستخباراتية المعادية ضد الأفراد والممتلكات العسكرية البريطانية ارتفعت بأكثر من 50% خلال العام 2024، مع التركيز على التهديدات القادمة من إيران والصين وروسيا، وفقًا لما أكده رئيس استخبارات الدفاع، أدريان بيرد، في قاعدة سلاح الجو الملكي وايتون في كامبريدجشير. يعد هذا الموقع بالفعل موطنًا لمركز Pathfinder، الذي يُعد أكبر مركز استخبارات ضمن تحالف “العين الخمس” في العالم، ويعزز من أهمية القاعدة كمنصة رئيسية لجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية.
الأهداف والمهام لـ”MIS”
تهدف خدمة MIS إلى دمج الوحدات الاستخباراتية من البحرية الملكية والجيش وسلاح الجو لتسريع تبادل المعلومات وتنفيذ الاستراتيجيات الأمنية وفق توصيات مراجعة الدفاع الاستراتيجية للعام 2025 (Strategic Defense Review – SDR). تضم الخدمة وحدة جديدة لمكافحة التجسس الدفاعي، مهمتها حماية القوات المسلحة والمعدات والأنظمة العسكرية من أي تدخل أو تجسس خارجي. يكون الموظفون مسؤولون عن مراقبة وتحليل مجموعة واسعة من البيانات، بما في ذلك صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو المسجلة عبر الطائرات بدون طيار، بالإضافة إلى المعلومات التي يجمعها العملاء الميدانيون. تهدف هذه الإجراءات إلى ضمان قدرة القوات المسلحة على التصدي للتهديدات بسرعة وفعالية، وتعزيز قدرة المملكة المتحدة على الردع الاستراتيجي.
الردع البريطاني سيكون “محصنًا تمامًا”
جاءت هذه الخطوات بعد تقرير قاسي أصدره مجلس العموم البريطاني حول جاهزية البلاد للحرب، حيث أشار إلى نقاط ضعف محتملة في الاستعداد الدفاعي. أكد كارنس أن تطوير الاستخبارات العسكرية من خلال MIS سيساعد على ضمان أن يكون الردع البريطاني “محصنًا تمامًا” ضد أي تهديد محتمل، بما في ذلك التهديدات السيبرانية والهجومية المباشرة على البنية التحتية العسكرية. شدد كارنس على أهمية توعية الجمهور البريطاني بخطورة التهديدات التي تشكلها الدول المعادية، مؤكدًا أن الحكومة بحاجة لإظهار العلاقة المباشرة بين هذه التهديدات وحياة المواطنين اليومية، بما في ذلك تكاليف المعيشة وأسعار الغذاء والوقود والنفقات الحكومية بشكل عام.
روسيا أعادت الحرب إلى أوروبا
تتوافق تحذيرات كارنس مع تصريحات رئيس الناتو، مارك روتي، الذي أكد في كلمة ألقاها في برلين: “روسيا أعادت الحرب إلى أوروبا، ويجب أن نكون مستعدين لمستوى الحرب الذي عاشه أجدادنا وجداتنا”، مؤكدًا على أن الواقع الحالي يتطلب استعدادًا جماعيًا واستجابة حاسمة من جميع دول القارة الأوروبية. اعترف كبار المسؤولين البريطانيين المشرفين على إطلاق MIS بأن هناك نقصًا في عدد العاملين المؤهلين للقيام بالأدوار الاستخباراتية على الرغم من هذه الجهود. أكدت وزيرة شؤون المحاربين القدامى، لويز ساندر-جونز، للصحفيين: “ندرك أنه خلال السنوات القليلة الماضية لم يسِر التوظيف في الاتجاه الذي أردناه، ومن المهم جدًا بالنسبة لنا أن نعالج هذا الوضع بسرعة لضمان توافر الكفاءات اللازمة لدعم قدرات الاستخبارات العسكرية”. يمثل إطلاق خدمة MIS خطوة استراتيجية مهمة لتعزيز جاهزية المملكة المتحدة لمواجهة التهديدات المتزايدة على الأمن الأوروبي، مع التركيز على تحسين جمع المعلومات وتحليلها وحماية القوات والمعدات من أي تدخل أجنبي، بما يضمن ردعًا أقوى وأكثر فاعلية في المستقبل.
الاستخبارات الدفاعية ستصبح أكثر ذكاءً
يقول وزير الدفاع، جون هيلي، مع تزايد التهديدات، نعمل على جعل الاستخبارات الدفاعية أكثر ذكاءً. تُنفّذ هذه الحكومة التوصيات الواردة في مراجعة الدفاع الاستراتيجية، ما يضع بريطانيا في طليعة الابتكار العسكري. تابع هيلي، أمّا في مجال الاستخبارات، فيعني ذلك استخدام تكنولوجيا متطورة، وهياكل أكثر وضوحًا، وتدفّقات بيانات أسرع. وهذا يمنحنا فهمًا أعمق لما قد يفعله خصومنا لاحقًا، فنتمكن من حماية قواتنا، والحفاظ على البنية التحتية الحيوية، وردع التهديدات المتغيرة. أضاف وزير الدفاع عملنا الاستخباراتي غالبًا ما يكون غير مرئي، لكنه ضروري دائمًا. أتقدم بالشكر الجزيل لجميع أفراد أجهزة الاستخبارات العسكرية الذين يحافظون على أمن المملكة المتحدة في الداخل، وقوتها في الخارج، بفضل يقظتهم الدائمة على مدار الساعة. تجمع خدمات الاستخبارات العسكرية وحدات الاستخبارات من البحرية الملكية، والجيش البريطاني، والقوات الجوية الملكية، وقيادة الفضاء البريطانية، والمقر المشترك الدائم، ما يضمن عملها كنظام واحد.
وتحت قيادة قيادة العمليات السيبرانية والمتخصصة، وبإشراف رئيس الاستخبارات الدفاعية، سيوفّر هذا الإطار لوزارة الدفاع تحذيرات أسرع وأوضح بشأن التهديدات التي تواجه القوات والمواطنين. يسمح هذا للمملكة المتحدة باستخدام البيانات من البر والبحر والجو والفضاء والفضاء السيبراني في الوقت الفعلي، ويعزّز قدرة الدولة على ردع الخصوم قبل أن يتحركوا. سيحظى المشروع بدعم أكاديمية الاستخبارات الدفاعية الجديدة، التي تقدم تدريبًا عالميًا في تخصصات استخباراتية رئيسية، مثل التحليل السيبراني والفضائي والجغرافي المكاني.
التزام تاريخي بحجم الإنفاق على الأمن القومي
أكد الجنرال السير جيم هوكنهول، قائد قيادة العمليات السيبرانية والمتخصصة، تُشكّل الاستخبارات جوهر الدفاع؛ فهي تدعم كل ما نقوم به، وتوفّر الرؤية والاستشراف اللذين نحتاجهما، وتمكّن عملياتنا. أضاف هوكنهول في عالم يزداد تعقيدًا وتقلبًا، حيث تتطور التهديدات باستمرار، تعمل عملياتنا الاستخباراتية على مدار الساعة، سبعة أيام في الأسبوع. تابع هوكنهول، يُعد إنشاء جهاز الاستخبارات العسكرية ووحدة مكافحة التجسس الدفاعية خطوتين مهمتين إلى الأمام في تعزيز قدرة المملكة المتحدة على توقّع التهديدات، ما يتيح اتخاذ إجراءات أسرع وأكثر دقة، ودعم قواتنا المسلحة، وحماية مواطنينا. ستعمل وحدة مكافحة التجسس الدفاعية على توحيد متخصصي مكافحة التجسس من مختلف أرجاء وزارة الدفاع، بما يمنحهم الأدوات والهيكل اللازمين لتعطيل وردع النشاط العدائي بصورة أكثر فاعلية.
سيسهم هذا العمل في حماية أكثر القدرات حساسية في المملكة المتحدة، بما في ذلك الردع النووي، والمشاريع الصناعية عالية التقنية، والبنية التحتية الحيوية، إلى جانب تعزيز التعاون مع وكالات الاستخبارات البريطانية وحلفاء حلف الناتو. قدّم رئيس الوزراء خلال العام 2025 التزامًا تاريخيًا بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الأمن القومي اعتبارًا من عام 2035، إلى جانب أكبر زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي منذ نهاية الحرب الباردة، حيث سيصل إلى 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، إضافة إلى 5 مليارات جنيه إسترليني إضافية للدفاع خلال العام 2025.
النتائج
تعكس التحذيرات البريطانية والجهود المبذولة لتأسيس خدمة الاستخبارات العسكرية الجديدة (MIS) إدراك المملكة المتحدة والدول الأوروبية لحقيقة التحولات في طبيعة التهديدات الأمنية. لم تعد الحروب خيارًا يمكن تفاديه، بل أصبحت “حروب ضرورة” تتطلب استعدادًا دائمًا وقدرة على الرد الفوري، كما أبرت حرب أوكرانيا. هذا يوضح أن الاستراتيجيات التقليدية لم تعد كافية، وأن تعزيز جمع المعلومات الاستخباراتية وتحليلها بسرعة أصبح ضرورة ملحة.
يُظهر إطلاق MIS محاولة المملكة المتحدة لتوحيد وتنسيق جهود الاستخبارات بين مختلف فروع القوات المسلحة، بهدف تحسين فعالية الردع وتعزيز الأمن الوطني. من المرجح أن تساهم الوحدة الجديدة في حماية القوات والمعدات العسكرية من التجسس والتدخلات الخارجية، خصوصًا في ظل تصاعد النشاطات الاستخباراتية المعادية من دول مثل روسيا والصين وإيران.
يشير النقص في الكوادر المؤهلة للوظائف الاستخباراتية إلى تحدٍ طويل الأمد يمكن أن يعرقل قدرات MIS في مرحلة الانطلاق الأولى. إذا لم يتم معالجة هذا النقص بسرعة، قد يواجه النظام صعوبات في التعامل مع التهديدات المتعددة والمعقدة التي تواجه أوروبا اليوم.
من المتوقع أن تلعب MIS دورًا محوريًا في تعزيز الاستعداد الأوروبي لمواجهة الحروب المحتملة، خصوصًا إذا استمر التصعيد في المنطقة الشرقية لأوروبا. كما أن توعية الجمهور الأوروبي حول طبيعة التهديدات وأهمية الردع ستكون عاملًا مهمًا في الحفاظ على الدعم السياسي والشعبي للخطط الدفاعية.
يُظهر التحرك البريطاني اتجاهًا نحو تعزيز قدرات الدفاع والاستعداد لمواجهة تحديات أمنية جديدة تتسم بالسرعة والتعقيد، مع الحاجة الملحة لتطوير الموارد البشرية والقدرات الاستخباراتية لضمان فعالية الردع وحماية الاستقرار الأوروبي على المدى الطويل.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112739
