المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي ورئيس المركز الأوروبي ECCI
الاستخبارات المركزية CIA والموساد في تعقب مجتبى خامنئي!
أثارت التقارير الإعلامية الغربية يوم 28 يوليو 2026 التي تحدثت عن استمرار جهود أجهزة الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية للتحقق من الوضع الفعلي لمجتبى خامنئي، بعد الإعلان عن توليه منصب المرشد الأعلى، تساؤلات تتجاوز مسألة مكان وجوده أو حالته الصحية، لتصل إلى جوهر بنية القيادة داخل النظام الإيراني. فمن منظور استخباراتي، لا تقتصر أهمية هذا الملف على تعقب شخصية سياسية، بل تمتد إلى تقييم استقرار منظومة القيادة والسيطرة، ومدى استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها خلال مرحلة انتقال السلطة. الاستخبارات
ذكرت صحيفة The Times of Israel في تقرير نشرته بتاريخ 26 مارس 2026، نقلًا عن موقع Axios، أن أجهزة استخبارات غربية وإسرائيلية، من بينها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الموساد الإسرائيلي، تعمل على جمع مؤشرات استخبارية لتقييم الوضع الفعلي لمجتبى خامنئي، الذي أفادت تقارير إعلامية بأنه تولى منصب المرشد الأعلى الإيراني عقب مقتل والده علي خامنئي. ووفقًا للتقرير، فإن غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني منذ الإعلان عن توليه المنصب، واقتصار الرسائل المنسوبة إليه على بيانات نقلها الإعلام الرسمي، أثار تساؤلات داخل الأوساط الاستخبارية بشأن حالته الصحية ومدى ممارسته الفعلية لصلاحيات القيادة، في ظل استمرار الغموض الذي يحيط بهرم السلطة في إيران.
ورغم تداول تقارير إعلامية عن غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني، فإن ذلك لا يشكل بحد ذاته دليلًا على غيابه عن ممارسة السلطة، كما لا يمثل في المقابل دليلًا على نجاح أو فشل أجهزة الاستخبارات الغربية في الوصول إليه. فالتقييم الاستخباراتي يعتمد على تحليل مجموعة واسعة من المؤشرات المباشرة وغير المباشرة، وليس على الظهور الإعلامي فقط. محمي: استخبارات ـ كيف تم التنسيق بين الموساد والجيش الإسرائيلي في الهجوم على إيران؟
وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA: هي جهاز الاستخبارات الخارجية الرئيسي للولايات المتحدة، تأسست عام 1947 بموجب قانون الأمن القومي، وتتبع مباشرة مدير الاستخبارات الوطنية (DNI). تختص بجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالتهديدات الخارجية، وتنفيذ العمليات السرية المصرح بها لدعم الأمن القومي الأمريكي، وتقديم التقديرات الاستراتيجية لصناع القرار في البيت الأبيض ومجلس الأمن القومي. ولا تمتلك الوكالة صلاحيات إنفاذ القانون أو تنفيذ الاعتقالات داخل الولايات المتحدة، إذ يتركز نشاطها على العمليات والاستخبارات خارج الأراضي الأمريكية.
جهاز الموساد :هو جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي، تأسس عام 1949 وبدأ عمله بصيغته الحالية عام 1951، ويتبع مباشرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي. يختص بجمع وتحليل الاستخبارات خارج إسرائيل، وتنفيذ العمليات السرية، ومكافحة الإرهاب، وإحباط التهديدات الخارجية، وتطوير التعاون الاستخباراتي مع الأجهزة الأجنبية. ويُعد أحد الركائز الرئيسية لمنظومة الأمن القومي الإسرائيلي إلى جانب جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) وشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان).
من يتولى حماية المرشد الأعلى في إيران؟
تُعتبر حماية المرشد الأعلى في إيران من أكثر الملفات الأمنية سرية داخل منظومة الدولة، ولا تنشر السلطات الإيرانية تفاصيل رسمية بشأن الهيكل التنظيمي أو الإجراءات العملياتية الخاصة بحمايته. إلا أن التقديرات الأمنية تشير إلى أن المسؤولية الأساسية تقع على الحرس الثوري الإيراني (IRGC)، وبصورة خاصة الوحدات الأمنية التابعة لـ فيلق “ولي الأمر” (Vali-ye Amr Corps)، وهو تشكيل متخصص يتولى حماية المرشد الأعلى ومقار إقامته وتحركاته، ويعمل بتنسيق مباشر مع مكتب المرشد والأجهزة الأمنية والاستخباراتية.
ويُعتبر فيلق “ولي الأمر” أحد أكثر التشكيلات الأمنية حساسية داخل الحرس الثوري، إذ يتولى تأمين القيادة العليا، وحماية المواقع السيادية المرتبطة بمكتب المرشد، وتنفيذ إجراءات الأمن الوقائي والأمن المضاد، بما يشمل فحص التهديدات، وتأمين الاتصالات، ومراقبة محاولات الاختراق أو الاستهداف. وإلى جانب الحرس الثوري، تضطلع استخبارات الحرس الثوري بدور محوري في تقييم المخاطر، ورصد التهديدات الداخلية والخارجية، ومكافحة التجسس، بينما تساهم وزارة الاستخبارات والأمن (MOIS) في جمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بالتهديدات الإرهابية والتجسسية، ضمن منظومة أمنية متعددة المستويات. ماذا يعني انتهاء صلاحيات التجسس الأمريكية بموجب المادة 702؟
كيف يمكن أن تكون إجراءات الحماية بعد انتقال القيادة؟
من المرجح أن تكون إجراءات الحماية قد شُددت بصورة غير مسبوقة، خاصة بعد الضربات التي استهدفت شخصيات إيرانية بارزة خلال السنوات الأخيرة. ومن المتوقع أن تشمل هذه الإجراءات:
ـ تقليص الظهور العلني إلى الحد الأدنى.
ـ تغيير أماكن الإقامة والاجتماعات بصورة مستمرة.
ـ الاعتماد على وسائل اتصال مؤمنة وغير تقليدية.
ـ تعزيز إجراءات الأمن المضاد لاكتشاف أي اختراقات محتملة داخل المؤسسات الأمنية.
ـ استخدام طبقات متعددة من الحماية تشمل الحماية الشخصية، والأمن الإلكتروني، والأمن الفني، والاستخبارات الوقائية. إيران والعمليات الأمنية داخل أوروبا: الأهداف والدوافع الاستراتيجية
ـ إن استمرار غياب مجتبى خامنئي عن الظهور العلني، لا ينبغي تفسيره على أنه مؤشر على غيابه عن إدارة الدولة، بل قد يعكس تطبيق قواعد حماية استثنائية تهدف إلى تقليل فرص الاستهداف في ظل بيئة أمنية تعتبرها طهران عالية الخطورة. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الهدف الرئيس للأجهزة الأمنية الإيرانية ضمان استمرارية القيادة وليس فقط حماية الشخص، عبر الحفاظ على قدرة منظومة الحكم على اتخاذ القرار حتى في ظل التهديدات الأمنية.
ولا يُعتبر تحديد الموقع الجغرافي للقيادة الهدف النهائي للعمل الاستخباراتي، بل يمثل أحد عناصر بناء الصورة الاستخباراتية. فالهدف الأكثر أهمية يتمثل في تحديد من يتخذ القرار، وكيف يُتخذ، ومن يملك سلطة إصدار الأوامر. ولهذا، تركز أجهزة الاستخبارات، عند دراسة أي انتقال للسلطة، على ما يعرف بـ مؤشرات القيادة والسيطرة وهي مجموعة من المؤشرات التي تساعد في تقييم ما إذا كانت القيادة الجديدة تمارس سلطاتها بصورة فعلية، وتشمل:
ـ انتظام إصدار القرارات السياسية والعسكرية.
ـ طبيعة العلاقة بين القيادة والمؤسسات الأمنية والعسكرية.
ـ أنماط الاجتماعات والتحركات الرسمية.
ـ تسلسل تنفيذ القرارات داخل مؤسسات الدولة.
ـ التغيرات في سلوك الدائرة المقربة من القيادة.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب الظهور العلني لا يعني بالضرورة غياب القيادة، كما أن الظهور الإعلامي لا يشكل وحده دليلًا على ممارسة السلطة.
منهجية الاستخبارات في متابعة القيادة الإيرانية
تعتمد أجهزة مثل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) والموساد الإسرائيلي على الاستخبارات متعددة المصادر، وهي منهجية تقوم على دمج المعلومات الواردة من مصادر مختلفة للوصول إلى تقدير استخباراتي أكثر دقة. وتشمل هذه المنهجية:
ـ الاستخبارات البشرية عبر المصادر البشرية وشبكات جمع المعلومات.
ـ استخبارات الإشارات لرصد وتحليل أنماط الاتصالات.
ـ الاستخبارات الجغرافية من خلال صور الأقمار الصناعية وتحليل التحركات.
ـ الاستخبارات مفتوحة المصدر (OSINT) التي تعتمد على تحليل البيانات المنشورة، والصور، والفيديوهات، والمعلومات الرقمية.
ـ تحليل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لربط المؤشرات واستخلاص الأنماط.
ولا يعتمد التقييم الاستخباراتي على مصدر واحد، بل على تراكم المؤشرات من مصادر متعددة قبل الوصول إلى استنتاجات قابلة للاعتماد.
هل تغيرت البيئة الأمنية الإيرانية؟
من الطبيعي أن تكون المؤسسة الأمنية الإيرانية قد أعادت تقييم منظومة حماية القيادة. ومن المرجح أن تكون الإجراءات الاحترازية قد شملت:
ـ تقليل الظهور العلني للقيادات العليا.
ـ تغيير أماكن الإقامة ومقار الاجتماعات بصورة دورية.
ـ الحد من استخدام وسائل الاتصال الإلكترونية.
ـ الاعتماد على قنوات اتصال مؤمنة.
ـ تقليص عدد الأشخاص المطلعين على تحركات القيادة.
ـ تشديد إجراءات الأمن المضاد داخل المؤسسات الحساسة.
وتندرج هذه التدابير ضمن ما يعرف في العلوم الأمنية بـ إدارة استمرارية القيادة وهي إجراءات تلجأ إليها الدول عند ارتفاع مستوى التهديدات ضد القيادات السياسية والعسكرية.
الموساد والـCIA ـ تبادل الأدوار
يثير الملف الإيراني تساؤلات متكررة حول أي الجهازين يمتلك نفوذًا أكبر داخل إيران: الموساد أم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. تشير المعطيات إلى أن الموساد يرتبط بصورة أوضح بالعمليات السرية والاختراقات البشرية داخل إيران، بينما تركز وكالة الاستخبارات المركزية على بناء التقديرات الاستراتيجية، ودمج المعلومات الواردة من مختلف أجهزة الاستخبارات الأمريكية، بالتعاون مع وكالة الأمن القومي (NSA) ووكالة استخبارات الدفاع (DIA) وغيرها. وبالتالي، فإن العلاقة بين الجهازين تبدو أقرب إلى تكامل استخباراتي أكثر منها منافسة مباشرة، حيث تتقاطع القدرات العملياتية الإسرائيلية مع الإمكانات التحليلية والتقنية الأمريكية.مكافحة التجسس “مدرسة الضباط” داخل أجهزة الاستخبارات، قراءة في المقاربة الأوروبية
الأستنتاج
ـ العمل الاستخباراتي لا يقاس بسرعة الوصول إلى المعلومات أو الإعلان عنها، بل بقدرة الأجهزة على بناء تقدير موقف يساعد صناع القرار في فهم طبيعة البيئة الاستراتيجية. وفي كثير من الحالات، قد تمتلك أجهزة الاستخبارات معلومات مهمة لكنها لا تكشف عنها لأسباب عملياتية أو سياسية، كما أن عدم الإعلان عن نجاح معين لا يعني بالضرورة عدم تحقيقه. وإن اتباع إيران سياسة الإخفاء الأمني لا يعني تلقائيًا نجاحها الكامل في منع الاختراقات، بل يعكس إدراكها لارتفاع مستوى التهديد، وسعيها إلى تقليل فرص الاستهداف.
ـ أن الملف يتجاوز مسألة التحقق من مكان وجود مجتبى خامنئي، ليصبح مرتبطًا بتقييم استقرار منظومة القيادة الإيرانية بعد مرحلة انتقال السلطة.
ـ يبدو أن إيران تتجه إلى تعزيز مفهوم الأمن الوقائي للقيادة، عبر تقليص الظهور العلني وتشديد إجراءات الأمن المضاد، وهي سياسة من المتوقع استمرارها طالما بقيت تقديرات التهديد مرتفعة.
ـ أن العمل الاستخباراتي في الأزمات لا يقتصر على تعقب الأشخاص، بل يركز على تحليل بنية السلطة، واستمرارية القيادة، وآليات اتخاذ القرار. وفي هذا السياق، فإن نجاح أجهزة الاستخبارات لا يُقاس فقط بقدرتها على تحديد مكان شخصية معينة، وإنما بقدرتها على إنتاج صورة استخباراتية متكاملة حول مراكز القوة، وتسلسل القيادة، ومستوى استقرار النظام السياسي. ومن ثم، فإن الغموض المحيط بمجتبى خامنئي يمثل، في جوهره، اختبارًا لقدرة أجهزة الاستخبارات على تحليل ديناميكيات القيادة في واحدة من أكثر البيئات الأمنية تعقيدًا في الشرق الأوسط، أكثر من كونه مجرد عملية بحث عن شخص بعينه.
ومن المرجح أن تواصل أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية مراقبة مؤشرات القيادة والسيطرة أكثر من اهتمامها بالظهور الإعلامي، لأن الهدف الاستراتيجي يتمثل في فهم من يدير الدولة فعليًا، وكيف تُتخذ القرارات داخل المؤسسات الإيرانية.
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=121739
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

