المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1 و 2”
الاستخبارات الخارجية الألمانية “BND “تحولات الدور وتوسيع الصلاحيات في بيئة أمنية متغيرة
يشهد المشهد الأمني الأوروبي تحولات عميقة ومتسارعة، فرضتها طبيعة التهديدات الجديدة التي لم تعد تقتصر على الصراعات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل الحروب السيبرانية، والعمليات الهجينة، وأنشطة التخريب والتجسس العابرة للحدود. في هذا السياق، تتجه ألمانيا إلى إعادة صياغة دور جهاز الاستخبارات الخارجية (BND) ومنحه صلاحيات غير مسبوقة، في خطوة تعكس تحوّلًا استراتيجيًا في فهم الدولة لمفهوم الأمن القومي وآليات حمايته. سيتم منح جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) صلاحيات أوسع، ولن يقتصر الأمر على السماح بشن هجمات مضادة ضد الهجمات الإلكترونية في المستقبل، بل يمتد ليشمل أدوات تدخل واستخبارات نشطة غير مسبوقة في تاريخ الجهاز.
تحوّل واضح في مفهوم الأمن القومي
تعتزم الحكومة الألمانية توسيع صلاحيات جهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني (BND) بشكل كبير، في خطوة تعكس تحوّلًا واضحًا في مقاربة برلين لمفهوم الأمن القومي في ظل تصاعد التهديدات السيبرانية والعسكرية. أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرز هذه النية فور توليه منصبه في مايو 2025، مؤكدًا أن البيئة الأمنية المتغيرة تفرض إعادة تعريف أدوار أجهزة الاستخبارات. ويتضح من خلال مسودة تشريعية جديدة، مدى الصلاحيات التي سيُسمح لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني بممارستها في المستقبل.
أبرز هذه الصلاحيات
ـ من بين أبرز هذه الصلاحيات، السماح بتنفيذ عمليات تخريب وهجمات إلكترونية هجومية تستهدف إضعاف القوات المسلحة المعادية أو تعطيل أنظمة أسلحتها وبنيتها التحتية الرقمية.
ـ لا تقتصر هذه الإجراءات على حالات النزاع التقليدي، بل تشمل الرد على هجمات إلكترونية محتملة أو قائمة ضد ألمانيا.
ـ ففي حال تعرض البلاد لهجوم سيبراني واسع النطاق، سيُخوّل لجهاز الاستخبارات الخارجية شنّ هجمات مضادة بشكل مباشر، دون الاكتفاء بالدور الدفاعي أو الاستخباراتي التقليدي.
ـ بحسب خطط مكتب المستشار، ينبغي السماح لجهاز الاستخبارات الفيدرالي (BND) بتنفيذ مثل هذه العمليات في حال إعلان مجلس الأمن القومي عن “حالة استخباراتية خاصة”. يُقصد بذلك وضع أمني استثنائي تُصنّف فيه التهديدات على أنها ممنهجة أو خطيرة على أمن الدولة.
ـ يتطلب ذلك تحديد مثل هذا “التهديد المنهجي” موافقة لجنة الرقابة البرلمانية (PKGr) في البوندستاغ، وبأغلبية الثلثين، في محاولة للحفاظ على توازن بين توسيع الصلاحيات والرقابة الديمقراطية.
توسيع نطاق جمع المعلومات الاستخباراتية
لا تقتصر التعديلات المقترحة على الهجمات الإلكترونية أو عمليات التخريب، بل تمتد إلى توسيع نطاق جمع المعلومات الاستخباراتية بشكل لافت. إذ تخضع، وفق الخطط الجديدة، بيانات نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) الخاصة بالسيارات لتدقيق جهاز الاستخبارات الألماني (BND).
في ظل ظروف حالة وطنية خاصة، يجوز للجهاز ممارسة صلاحيات المتابعة العملياتية”. يهدف ذلك إلى التطبيق في الحالات التي “يتعذر فيها الحصول على مساعدة شرطية أو عسكرية مناسبة في الوقت المناسب، أو إذا كان الإجراء سيُنفذ على أراضي دولة أجنبية”.
بموجب هذه الصلاحيات، سيُسمح لجهاز الاستخبارات الفيدرالي بطلب بيانات حساسة من شركات تصنيع السيارات أو ورش الإصلاح، مثل بيانات الموقع الجغرافي أو المسارات التي سلكتها المركبات.
يرى معدّو القانون أن هذه البيانات قد تكون حاسمة في تتبع شبكات تجسس، أو إحباط عمليات تخريب، أو مراقبة تحركات عناصر معادية داخل البلاد أو خارجها.
توسيع استخدام أدوات المراقبة الرقمية المتقدمة
ـ تتضمن الخطط توسيع استخدام أدوات المراقبة الرقمية المتقدمة، من بينها برامج التعرف على الوجوه، التي تتيح مقارنة الصور الملتقطة من كاميرات المراقبة أو المصادر المفتوحة بقواعد بيانات ضخمة.
ـ يُعد هذا الإجراء من أكثر البنود إثارة للجدل، نظرًا لما يطرحه من تساؤلات حول الخصوصية وحماية البيانات الشخصية.
ـ ينبغي السماح لجهاز الاستخبارات الفيدرالية الألمانية (BND) بالدخول سرًا إلى المنازل، في حالات محددة، بهدف تثبيت برامج تجسس على أجهزة الكمبيوتر أو الهواتف الخاصة بالأفراد المستهدفين. تهدف هذه الخطوة إلى تمكين الجهاز من مراقبة الاتصالات الرقمية المشفرة، التي باتت تُستخدم على نطاق واسع من قبل جماعات متطرفة أو جهات استخبارات أجنبية.
جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني المعروف باسم Bundesnachrichtendienst (BND)
هو الجهاز الرسمي لجمع المعلومات الاستخباراتية والتحليل الاستراتيجي التي تهم السياسة الخارجية والأمن القومي للجمهورية الاتحادية الألمانية. تأسس الـBND في عام 1956، واستند في تأسيسه إلى المنظمة التي قادها الجنرال راينهارد غيلن بعد الحرب العالمية الثانية، حيث بدأ كمؤسسة تركز على مراقبة الديناميات العسكرية والسياسية في الكتلة الشرقية خلال الحرب الباردة، ثم تطوّر ليشمل طيفًا أوسع من المهمات التي تتقاطع مع الأمن الدولي الحديث، بما في ذلك الاستخبارات التقنية، التحليل السياسي، ورصد أنشطة التجسس والتأثير الأجنبي على المصالح الألمانية وحلفائها.
في خضم التحديات الأمنية الراهنة وتصاعد التهديدات السيبرانية والهجينة، شهدت قيادة الـBND تغييرًا مهمًا خلال عام 2025، حيث عُيّن الدبلوماسي الألماني المخضرم مارتن ييغر رئيسًا للجهاز خلفًا لبرونو كال، الذي أنهى فترة قيادته الطويلة وانتقل إلى منصب سفير ألمانيا لدى الفاتيكان.
يأتي ييغر، الذي شغل سابقًا منصب السفير الألماني في أوكرانيا وله خبرات واسعة في التعامل مع البيئات الأمنية المعقدة، لقيادة الـBND في مرحلة يتزايد فيها الطلب على قدرات استخباراتية استباقية ودولية متقدمة.
انتقادات متوقعة من منظمات حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة
تُواجه هذه الخطط انتقادات متوقعة من منظمات حقوق الإنسان وأحزاب المعارضة، التي تحذّر من خطر المساس بالحريات المدنية وتوسيع صلاحيات الدولة على حساب الخصوصية الفردية.يُنتظر أن يشهد النقاش البرلماني حول مشروع القانون جدلًا واسعًا، خاصة فيما يتعلق بحدود الرقابة البرلمانية وآليات منع إساءة استخدام هذه الصلاحيات. تؤكد الحكومة الألمانية أن هذه الإجراءات تأتي استجابةً لواقع أمني جديد، يتسم بتداخل الحروب السيبرانية مع الصراعات التقليدية، وبصعود التهديدات الهجينة التي تستهدف البنى التحتية الحيوية والديمقراطيات الغربية.
بينما تسعى برلين إلى تعزيز قدراتها الدفاعية والاستخباراتية، يبقى السؤال مفتوحًا حول مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن القومي وحماية القيم الدستورية التي تقوم عليها الدولة الألمانية.
النتائج
ـ في ضوء التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية الدولية، يبدو أن توسيع صلاحيات جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) لا يمثّل مجرد تعديل قانوني أو استجابة ظرفية لتهديدات طارئة، بل يعكس تحوّلًا بنيويًا في تصور الدولة الألمانية لدور الاستخبارات ضمن منظومة الأمن القومي. فبرلين، التي طالما اتسمت مقاربتها بالحذر التاريخي وضبط النفس الاستخباراتي، تتجه اليوم نحو نموذج أكثر هجومية ومرونة، يتلاءم مع طبيعة التهديدات الهجينة والحروب السيبرانية التي لم تعد تعترف بالحدود أو بحالة السلم التقليدية.
ـ من المتوقع أن يجد جهاز الاستخبارات الخارجية نفسه أمام دور مزدوج يجمع بين جمع المعلومات وتنفيذ عمليات تدخل نشط، ما يضعه في قلب معادلة الردع الألماني والأوروبي على حد سواء.
ـ هذا التحول سيعزز من قدرة ألمانيا على الاستجابة السريعة للهجمات السيبرانية وعمليات التخريب المعقدة، لكنه في الوقت ذاته سيزيد من احتمالات الانخراط غير المباشر في صراعات استخباراتية مفتوحة مع قوى دولية تمتلك بدورها قدرات هجومية متقدمة، الأمر الذي قد يرفع منسوب المخاطر الأمنية بدل احتوائها.
ـ من المرجّح أن يفتح هذا التوسع جدلاً طويل الأمد حول حدود العمل الاستخباراتي المشروع، لا سيما مع دخول أدوات المراقبة الرقمية المتقدمة حيّز الاستخدام الموسّع. فكلما اتسعت صلاحيات الـBND، ازدادت الحاجة إلى أطر رقابية صارمة وشفافة، ليس فقط للحفاظ على التوازن الدستوري، بل أيضًا لضمان استدامة الثقة بين الدولة والمجتمع. ومن دون هذا التوازن، قد تتحول القوة الاستخباراتية المعززة من أداة حماية إلى مصدر توتر سياسي وقانوني دائم.
ـ على المستوى الأوروبي، من المتوقع أن يشكّل هذا التحول الألماني عامل دفع نحو إعادة صياغة مقاربة مشتركة للأمن والاستخبارات داخل الاتحاد الأوروبي، سواء عبر تعزيز التنسيق السيبراني أو توحيد معايير العمل الاستخباراتي في مواجهة التهديدات العابرة للحدود. غير أن ذلك قد يثير في المقابل حساسيات تتعلق بتقاسم المعلومات وتفاوت القدرات بين الدول الأعضاء، ما يجعل من ألمانيا فاعلًا مركزيًا، ولكن أيضًا محل تدقيق متزايد من شركائها.
إن تدخل الاستخبارات الخارجية الألمانية مرحلة جديدة تتسم بتعاظم الصلاحيات واتساع المسؤوليات، في وقت تتراجع فيه الخطوط الفاصلة بين الدفاع والهجوم، وبين الأمن الداخلي والخارجي. وسيكون مستقبل هذا التحول مرهونًا بقدرة ألمانيا على إدارة قوتها الاستخباراتية ضمن إطار قانوني وأخلاقي صارم، يحفظ أمن الدولة من جهة، ويصون القيم الدستورية التي تقوم عليها الجمهورية الاتحادية من جهة أخرى.
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
رابط نشر .. https://www.europarabct.com/?p=112989
