الإستخباراتدراساتدفاع

دور الإستخبارات الجوية في الحروب الحديثة ، بقلم بشير الوندي، خبير إستخبارات

بقلم ، بشير الوندي، خبير إستخبارات

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

مدخل

القوة الجوية هي القوة الحاسمة في الحروب الحديثة , فمن يمتلك الجو يحسم المعركة , ومنذ الحرب العالمية الثانية اتخذ سلاح الجو اولوية في الجيوش وصار تأسيس القوة الجوية وتسليحها الشغل الشاغل في الدول , فحراسة السماء هي حراسة جغرافيا البلاد , وهو امر يحتاج الى سلاح فتاك وسريع وحاسم.

ومن هنا تولي الاستخبارات العسكرية اكبر اهتماماتها الى القوة الجوية من كل جوانبها سواء من الناحية المعلوماتية او لحمايتها من الاختراق , ذلك ان القوات الجوية هي مطمع استخباري لأي عدو يسعى لاختراقه وزرع عناصره فيها لما لهم من فوائد خطيرة .

وحين نذكر القوة الجوية فاننا نقصد القوة الجوية بكل فروعها : القوة الجوية وطيران الجيش والدفاع الجوي لكونها اصناف متقاربة وبالتالي فإن استخباراتها متقاربة تحت عنوان الاستخبارات الجوية للصنوف الثلاث.

المطمع الاستخباري

تعتبر القوة الجوية من اكثر الاجهزة التي يستهدفها العدو ويحاول اختراقها , لذا تسعى استخبارات القوة الجوية للتجنيد في عمق العدو وفي دول الجوار , فوجود مصدر مهم في القوة الجوية للعدو مهم جداً , فعندما يتخذ قرار بغارة جوية يكون من الضروري ان نعلم بها سريعا فنستطيع الاخلاء وتقليل الخسائر والاستعداد للتصدي , فعمل الرادار وابراج المراقبة والتنصت والاستطلاع وغيرها , لا تعطي الوقت الكافي الذي يعطيه المصدر في مقر الحركات الجوية للعدو.

ومن هنا , تتعاون استخبارات الجو مع امن القوة الجوية لصد محاولات تجسس العدو باستمرار وتراقب جميع الوفود التدريبية والفنية الموفدة من القوة الجوية الى البلدان الاخرى , فأغلب حالات التجنيد للطيارين تكون اثناء ذهابهم بدورات التدريب , فالبلد المصنّع للطائرة يسعى الى تجنيد الطيارين والفنيين من ضباط البلد المشتري من خلال توافدهم اليه للتدريب , لذا لابد من ان يعمل الامن الوقائي قريباً جدا من الاستخبارات حتى يتمكن من ان يكون مراقباً فطناً يتحرى كل شي خاصة الوفود بانواعها.

المعلومات الجوية

تعتبر الاستخبارات الجوية المحرك الاساس لعمل القوة الجوية في الدفاع والهجوم , وبدونها تصاب تلك القوة بالتخبط والشلل. فالقوة الجوية تحتاج الى معلومات وخرائط واستمكانات دقيقة ومحدثة وسريعة الاستجابة لاستخدامها في العمليات ويتم ذلك من خلال كافة تقنيات الاستمكان كالرادارات وأجهزة الاستطلاع والاستطلاع الإلكتروني ومراكز القيادة والسيطرة , وكلها مقومات معلوماتية من صلب العمل الاستخباري .

وتبحث الاستخبارات الجوية من خلال اذرعها على جميع قواعد دول الجوار الجوية وتراقب التسليح وتطور القوة لديها . وتبحث عن الدفاعات الارضية والصاروخية المضادة للطائرات . كما تبحث عن تفاصيل انتشار الطائرات الحربية الهجومية والاعتراضية وبرامج التدريب وانتشار الدفاعات ومراكز الرادار ومراكز القيادة والسيطرة , كما تسجل الاجهزة الاستخبارية ابرز ١٠٠ هدف استراتيجي للعدو والعدو المحتمل وتتجسس على اتصالات العدو الجوية وخططه , وتثبت الاستخبارات الجوية احداثيات البلاد .

وتتركز مهمة الاستخبارات الجوية باتخاذ التدابير لجمع المعلومات المحددة والمحدثة عن تحركات العدو وتحديد مواقعه وتحركاته ونواياه من خلال الافادة من المزايا الحديثة لمنصات الاستطلاع التي تعد من أهم المصادر الاستخباراتية والقادرة على استنتاج نوايا العدو وتحركاته المستقبلية , لاسيما مع توافر ميزة الوصول الى عمق العدو على ارتفاعات لايستطيع العدو منعها.

وتقوم الاستخبارات الجوية بمهامها وفق ثلاث مستويات رئيسية وكما يلي :

المستوى الاستراتيجي: حيث تقوم الاستخبارات بجمع وتصنيف المعلومات الخاصة بالأسلحة والدفاعات الجوية للعدو التقليدي والعدو المحتمل سواء كان ذلك في وقت السلم او الحرب.

المستوى العملياتي : وفيه تبرز الحاجة الى المعلومات الاستخبارية للانذار المبكر وتوقعات التهديد في اوقات التوتر ويتم تحديد التطورات الآنية في مناطق العمليات وتوفير المعلومات عنها.

المستوى التعبوي: تتمثل فيه المهمات الاستخبارية بالاتصال المباشر بالطيارين والقوات الجوية العملياتية الميدانية وبتحصيل المعلومات من مناطق العمليات وإرسالها إلى مراكز العمليات الإستخبارية وهو المستوى الغالب في وقت الحرب.

المنصات الجوية

هي طائرات حديثة مجهزة تجهيزاً متقدماً للغاية للقيام بأعمال الاستطلاع والإنذار المبكر كما أدخلت الطائرات العمودية إلى هذا المجال . يشكل الاستطلاع الجوي العمود الفقري للمعلومات الاستخبارية عن العدو ونواياه وامكانياته لاسيما في المواقف التي يصعب الحصول فيها على المتطلبات الاستخبارية , لاسيما مع تطور وسائل الخداع الحربي والتخفي .

ومن خصائص الاستطلاع الجوي السرعة في الحصول على المعلومات وسرعة تحويلها لمراكز السيطرة , وامكانية الحصول على معلومات يصعب الحصول عليها او الوصول اليها بالاخص في اوقات التوتر , كما تستطيع طائرات الاستطلاع تغطية مساحات واسعة من الجبهة ومن عمق العدو واكتشاف تهديدات وثغرات نظام الإنذار والدفاع الجوي المعادي , كما يوفر الاستطلاع الجوي امكانية التصوير والتسجيل لغرض المراجعة والتحليل والمقارنة في التحركات بتوقيتات متغيرة , كما يعمل الاستطلاع الجوي على تصحيح الرمي وتدقيق احداثيات الاهداف.

انواع المنصات الجوية

تقسم المنصات الجوية الى :

1– منصات مأهولة وتتمثل بطائرات الاستطلاع المتخصصة والمزودة بانظمة رادارية متطورة ومزودة بطبق راداري كبير وهوائي الرادار وهوائيات لنقل المعلومات وتوجيه المقاتلات وأجهزة ملاحة واتصال ومعالجة معلومات وشاشات وحواسيب إلكترونية للمراقبة والقيادة والسيطرة والاتصالات والتحكم للقوات الجوية .

2– منصات غير مأهولة : كالطائرات الموجهة بدون طيار (rpv) , وقد تطورت منها اشكال صغيرة لها قابليات كبيرة .

3- الأقمار الاصطناعية التي تمتلك قدرات كبيرة جداً في مجال الاستطلاع الاستراتيجي للقواعد العسكرية ومنصات أطلاق الصواريخ والدفاع الجوي بصورة مستمرة في مختلف الظروف .

وتزود المنصات الجوية بالكاميرات الاستطلاعية والكهروبصرية , والاخيرة تستخدم في أنظمة الاستطلاع الجوي لتحديد الأهداف وتوجية المقذوفات مع أمكانية إرسال الصورة مباشرة إلى مراكز القيادة والسيطرة . كما تزود المنصات باجهزة المسح بالتصوير الحراري بحدود الطيف اعتمادا على الانبعاث الحراري للأهداف كي يتم استخدامها ليلاً ونهاراً .

ان كافة عمليات الاستطلاع الجوي التي تجري بمختلف التقنيات التي ذكرناها والتي يجري تطويرها باستمرار , فانها تجري كعمل استخباري بالدرجة الاولى في القوة الجوية .

نظام القيادة والسيطرة

أن استخدام وسائل الاستطلاع الجوي يوفر معلومات هائلة كمّاً ونوعاً مما يحتم وجود مراكز تقوم بعمل المقارنة والتحليل الدقيق وهي نظم القيادة والسيطرة والاتصالات وجمع المعلومات من اجل الاستفادة القصوى من وسائل الاستطلاع الجوي المختلفة , كما تقوم بتوزيع المعلومات على الجهات المستفيدة لأداء الاعمال القتالية.

لقد أصبح من الضروري اختيار أفضل النظم والأساليب التي تكفل تحقيق منظومة القيادة والسيطرة لمعالجة المعلومات ووضعها تحت تصرف القادة في وقت قياسي .ولتمكين القادة من إدارة المعركة ولإدامة الخطط وتطويرها بشكل دائم بحيث يسهل عليهم استخدامها عند الحاجة .

التمويه

ان من اكبر عمليات التمويه الاستخباري هو من صلب واجب الاستخبارات الجوية حيث تبذل كل مجهود للتمويه على العدو وجواسيسه من خلال سلسلة من عمليات التمويه المخطط لها .

وتدخل في هذه العمليات اخفاء الطائرات على الارض وفي الجو (من خلال انواع معينة من الطلاء) ومن خلال تكنلوجيا تعمية وتشويش الرادرات والاتصالات بالاضافة الى عمليات التشويش التي تقوم بها اجهزة الطائرات بنفسها لمنع اي عمليات خرق او تدمير او ضغط منظوماتها للاتصالات والملاحة , كما تساهم الاجهزة الاستخبارية الجوية فنياً في توجيهات الخداع والتمويه لكافة القطعات البرية من خلال خبرتها في الصور الجوية وقياس الظلال.

خلاصة

سلاح الجو سلاح استراتيجي لابد من توفير كافة المستلزمات الكافية له ليعمل بفعالية من خلال المعلومات الدقيقة والمحدثة وهو امر تعمل عليه استخبارات القوة الجوية .

ان الاستخبارات الجويةمن اكثر اجهزة الاستخبارات تطوراً (او هكذا يجب ان تكون ) لانها تتعامل مع اكثر التقنيات الالكترونية والفنية تعقيداً وفعالية في العالم , كما انها من اكثر فروع الاستخبارات قلقاً من الاختراق للقوة الجوية بحكم اهمية تلك القوة , ومن هنا كان اهتمام الاجهزة الاستخبارية بفرعها الاستخباري في القوة الجوية .

لعل العراق من اكبر ضحايا القوات الجوية ابتداءاً بهروب الطيار منير روفا بطائرة ميغ الى اسرائيل مروراً بتعرض العراق بكل سهولة الى ضرب اكثر منشآته السرية مطلع الثمانينات بالضربة الاسرائيلية لمفاعل تموز , كما تعرض الى اعنف الضربات الجوية عام 1991 امتدادا الى 2003 , وكان العراقيون يندهشون من المعرفة الامريكية والاسرائيلية الاستخبارية بمواقع حساسة لايعرفها المواطن العراقي نفسه , والعراق هو البلد الاول الذي فرض عليه حظر جوي لثلاثة عشر عاماً بمساحة تصل الى نصق مساحة البلد , ولاننسى ان العراق هو الوحيد الذي ادعى اعلامه باسقاط اباتشي مدرعة ببندقية برنو عتيقة !!!! . والله الموفق. مباحث في الاستخبارات (141)

رابط مختصر…https://www.europarabct.com/?p=47788

حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق