اختر صفحة

كتب، بشير الوندي، باحث في علوم الاستخبارات

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

مدخل

لم نشأ ان نسمي مبحثنا بالاستخبارات التسويقية التي هي بالاساس مصطلح استخباري جرى اعتماده في اقتصاديات السوق في مجال التنافس بين الشركات , ومانعنيه هنا هو الطرق التي تعتمدها الدوائر الاستخبارية في تسويق منتجها الاستخباري  الحقيقي منه او المضخم (ان لم يكن المزيف احيانا) من اجل غايات استراتيجية تضمن سيطرتها على المقدرات السياسية والامنية والاقتصادية للدول الاخرى , ومن هنا جائت الخشية من الخلط بين الاستخبارات التسويقية وتسويق الاستخبارات , باعتبار ان الاولى شفط للمعلومات التنافسية بغية تسويق منتج ما , بينما هي في المعنى الثاني ضخ لجرعات من المعلومات الاستخبارية من اجل السيطرة .

الاستخبارات التسويقية

لابد من التطرق الى الاستخبارات التسويقية من زاوية مدى افادتها من علم الاستخبارات في مجالات جمع البيانات وتحليلها ورصد الخصوم وتتبع سقطاتهم وعيوب منتجاتهم والصراع مع المنافسين في كسب المعركة .

فمن خلال التطور التكنولوجي الهائل وتطور وسائل الانتاج وبروز الكارتلات الصناعية العملاقة وبروز الحاجة الى طرق عصرية للتسويق ولفتح الاسواق كبديل عن طرق الاستعمار العسكري للبلدان , برزت الحاجة الى وسائل تنافسية تستطيع الشركات الكبرى ان تنافس او ان تزيح مثيلاتها في الاسواق العالمية في ظل الانفتاح العالمي والتجارة الحرة والعولمة مما ادى الى لجوء الشركات الى الاساليب الاستخبارية في تحقيق غاياتها , فكان بروز الاستخبارات التسويقية كأحد ابرز الطرق التي يتم من خلالها التنافس والازاحة سواء ماكان بالمنتجات او بتسويقها .

وقد يعتقد البعض من غير المتخصصين بالتسويق , أن الاستخبارات التسويقية وظيفة غير أخلاقية الا ان الامر ليس بتلك البساطة , بالرغم من ان الممارسات غير النزيهة وجدت طريقها ولاشك في ظل المنافسات الشرسة  .

وتعرف الاستخبارات التسويقية بأنها “تجميع وتحليل بيانات البيئات التسويقية الداخلية والخارجية وإتجاهاتها المتوقعة لدعم وترشيد القرارات التسويقية” .

ولا يقتصر نظام الاستخبارات التسويقية على دراسة نشاط المنافسين فقط وإنما يمتد ليشمل كل عناصر البيئات التسويقية الداخلية والخارجية كالمنافسين والموردين والعملاء ومزاج الزبائن

ودراسة البيئة التي يتم فيها التسويق من كافة جوانبها الجغرافية والقانونية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية وهو امر لايقتصر كما نلاحظ على سعر المنتج فقط وانما يتعداه الى تحليل كافة العوامل والبيانات ومن هنا قلنا ان الاستخبارات التسويقية هي تطبيقات لعلم الاستخبارات في عالم الاقتصاد.

تسويق الاستخبارات

اما مايخص صلب موضوعنا وهو تسويق الاستخبارات , فنعني به العمل الاستخباري القائم على انتاج منتجات استخبارية تؤدي في تسويقها الى احكام السيطرة على الاخرين وهو امر تستخدمه الاستخبارات الكبرى في العالم تحديدا .

فالتحديات العالمية وصراعات النفوذ لاتكاد تقف عند حدود, الامر الذي جعل الكثير من الملفات في البلدان الكبرى بيد دوائرها الاستخبارية ,ومثال ذلك الطاقة التي لم يعد الغاز والبترول منتجات تحدد بيد الشركات المنتجة والمصدرة او بيد وزارات النفط , وانما صارت تلك الملفات تدرس في دوائر الاستخبارات ويتم التخطيط لها هناك لافي وزارات التخطيط او في الاوبك , فكم نسمع من قصص استخبارية عن تأثير مسارات الغاز او البترول في الشرق الاوسط والادنى وكيف تشعل حروب وتقام ثورات وتسلح تنظيمات وكلها مصنوعة في دوائر الاستخبارات العالمية .

وكذا الامر بالنسبة الى مصانع السلاح , فهي الاخرى لم تعد متعلقة بالشركات المصنعة وانما بالدوائر الاستخبارية التي باتت توجه تلك الشركات حتى بنوعية الاسلحة المطلوبة وتبلغها سلفاً بالمعارك التي ستندلع ونوعية الاسلحة التي ستستخدم لتكون تلك الشركات جاهزة بالفرقاطات للمعارك البحرية وبالدبابات للمعارك البرية وغير ذلك .

ان تضخم ملفات الاستخبارات العالمية ودخولها كلاعب رئيس في ملفات كانت سابقا عنصراُ استشاريا فيها , جعلها تضاعف جهودها في مجال التسويق الاستخباري .

فالدول الكبرى لها مصالح اقتصادية وسياسية واستراتيجية مع دول ضعيفة , ولتامين تلك المصالح لابد من ادامة تخويف تلك الدول من مخاطر محتملة تهددها ومن اعداء محتملين يسعون لابتلاعها لكي تبقى تلك الدول ضعيفة وتحتاج الى راعٍ يحميها ويسلحها , وهنا يأتي دور تسويق الملفات الاستخبارية .

فتقوم الدوائر الاستخبارية للدول الكبرى بتهيئة ملفات مضخمة وسيناريوهات متقنة تسلمها للقيادة السياسية لتسوقها وتسلمها للدولة المراد اخضاعها مشفوعة بمقترحات تطوعية !!! لنوعية التسليح المراد توفيره لحمايتها , فتفتح الخزائن والاعتمادات المالية لتتحول الملفات الاستخبارية بقدرة قادر الى مسوق محترف تجنى من تقاريرها مليارات الدولارات ناهيك عن السيطرة السياسية والامنية التي تجنيها الدوائر الاستخبارية للحفاظ على تحالفات بلدانها .

ولم تقف التسويقات الاستخبارية عند هذا الحد , فكان لابد من اخضاع الدول المتمردة او المترددة سواء  من خلال تزعم بروباغاندا اعلامية تسيطر على الراي العام وتسوق للافكار وتساهم في صنع راي عام ومناخ يشيطن من يشاء ويلمع من يشاء , فدخلت الاستخبارات باب الاعلام والفضائيات بالامتلاك وبالايحاء وبالتاثير وبالمنع احياناُ كما في التعتيم الذي مارسته الاستخبارات الامريكيةعلى وسائل الاعلام الامريكية والعالمية خلال غزو العراق .

وفي خدمة التسويق الاستخباري كان لابد من ابتكار اساليب براقة تتناسب مع شعارات الاجيال المعاصرة ونزوعها الى الحرية والى استخدام وسائل التواصل الاجتماعي , فكان تدريب الشباب من كافة دول العالم في معاهد دعم الديموقراطية وكان دخول المخابرات العالمية الى بوابات التواصل الاجتماعي واختراق منظمات المجتمع المدني .ولخدمة التسويق الاستخباري , انشأت دوائر الاستخبارات مراكز دراسات استراتيجية ترفدها بالاحصائيات والاستبيانات واتجاهات الراي العام العالمي والداخلي لغرض استشراف مستقبل العلاقات الدولية ومتابعة حركات التوتر في العالم .

ولم تقف مخرجات التسويق الاستخباري عند حد فلجأت الى اساليب دموية تمثلت بابشع صورها بصنع التنظيمات الارهابية المسلحة كادوات ضغط وتأديب وتشويش .

لقد تطورت الاستخبارات لتدخل في عالم التسويق والنشاط التجاري والسياسي والاقتصادي بشكل كبير, وتعدت ذلك الى التدخل  في التفكير السياسي وصناعه الاستراتيجيات وتنظيم الجبهات والولاءأت , فلم تعد مجرد جهاز جمع معلومات بل اصبحت منتجه للرأي والفكر وموجهة له واصبحت هي اللاعب الاساس في الخفاء والمتحكم بالانظمة السياسية والحكومات والاقتصاد والحرب , فأمست الحروب احدى ادوات الاستخبارات العالمية واحدى اذرعها التي تنتجها وتسوقها باستمرار لدوام التوازن والهيمنة والسلطة وابراز القوة واستمرار تدفق الطاقة والصناعة والاقتصاد فباتت الانقلابات والحروب والصراعات والتحالفات والتقاطعات هي نتاج التسويق الاستخباري الذي يعتمده الغرب في التأثير على الحكومات والقادة .

اخلاقيات التسويق الاستخباري

ان الدور الحقيقي للاستخبارات هو استخلاص المعلومات واطلاع القيادة السياسية على الحقائق المبنية على التحليل  ودعم الموسسة القضائية من خلال المعلومات الموثقة وتحديد التحديات والتهديدات والمخاطر ودفع الشرور , اما مادون ذلك فانه هوس .

بالتأكيد , لا مانع من تسويق الاستخبارات في حدود العلم والمعرفة ودرء الخطر والتعاون الدولي والاقليمي ومكافحة الجرائم الدولية والعابرة للحدود , وليس عيباُ ان تسوق كفائتها وجهدها وعلمها ومعرفتها لكن بلا تدخل في انتاج البيئة او المناخ المناسبين لتنفيذ سياستها.

فمن خلال التسويق الاستخباري الذي تمارسه الدوائر الاستخبارية الكبرى , اصبحت الدول تعاني من الاستعمار غير المباشر الذي اخذ مكان الاستعمار المباشر , بل ان البعض من الاجهزة الاستخبارية (لاسيما في الانظمة الدكتاتورية )استخدمت التسويق الاستخباري لتسويق الزعيم او القائد او الحزب او الجهة السياسية اوتسويق ثقافة ما  او نظام اجتماعي او نظام سياسي او فكر سياسي او فكر ديني .

خلاصة

ان تسويق الاستخبارات يجب ان يكون في خدمة العمل الوقائي من الارهاب والجريمة والمخدرات وغسيل الاموال وجميع الجرائم الكبرى , وهنا نجاح التسويق الحقيقي .

اما الانجرار الى لعب ادوار السيطرة  دونما حدود اخلاقية  والتلاعب بمقدرات الحكومات والشعوب فانه اهدار للدماء لاعلاقة له باصول العمل الاستخباري , والله الموفق.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات