خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات البريطانية ـ هل تنجح لندن في احتواء التهديدات الهجينة المتصاعدة؟
يُعد هذا الخطاب الأحدث في سلسلة من التحذيرات الصادرة عن وكالات الدفاع والأمن الغربية بشأن التهديد الهجين المتنامي الذي تشكله دول مثل روسيا وإيران والصين، والذي يهدد استخدامُها للأدوات الإلكترونية والتجسس والنفوذ الاستقرارَ العالمي. وقد حذرت الرئيسة الجديدة لجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني MI6 من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعزمه على تصدير الفوضى إلى جميع أنحاء العالم، يعيد كتابة قواعد الصراع ويخلق تحديات أمنية جديدة. وفي أول خطاب علني لها، صرحت بليز مترويلي: “إن بريطانيا تواجه تهديدات متزايدة الترابط وغير قابلة للتنبؤ، مع التركيز بشكل خاص على روسيا العدوانية والتوسعية”.
المعرفة التكنولوجية والاستخبارات البشرية عنصران أساسيان لمكافحة التهديدات الهجينة
تقول مترويلي: “إن تصدير الفوضى هو سمة، وليس عيبًا، في نهج روسيا تجاه الانخراط الدولي، ويجب أن نتوقع استمرار ذلك حتى يُجبر بوتين على تغيير حساباته”. وتابعت مترويلي: “إن المعرفة التكنولوجية والاستخبارات البشرية، على حد سواء، عنصران أساسيان لمكافحة التهديدات الهجينة”. وأضافت مترويلي: “إن مسؤولي جهاز الاستخبارات البريطاني يجب أن يكونوا على دراية بسطور التعليمات البرمجية كما هم على دراية بالمصادر البشرية، وأن يكونوا بارعين في لغة بايثون كما هم في العديد من اللغات”. وفرضت المملكة المتحدة، خلال ديسمبر 2025، عقوبات على العديد من وسائل الإعلام الروسية بتهمة الحرب المعلوماتية المزعومة، وعلى شركتين صينيتين للتكنولوجيا بتهمة “الأنشطة الإلكترونية الواسعة النطاق والعشوائية”.
دعم أوكرانيا
يأتي تحذير جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني MI6 في خضم سلسلة من الاجتماعات الدبلوماسية التي تهدف إلى إنهاء حرب أوكرانيا التي استمرت قرابة أربع سنوات. والتقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالمبعوثين الأمريكيين في برلين في 15 ديسمبر 2025، وبرؤساء دول وحكومات ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى في 16 ديسمبر 2025. ويحاول حلفاء كييف زيادة الدعم لأوكرانيا في ظل ضغوط واشنطن عليها لقبول اتفاق سلام بوساطة أمريكية بسرعة.
وأكد رئيس الجيش البريطاني، المارشال الجوي ريتشارد نايتون، في 15 ديسمبر 2025، أن هدف بوتين هو “تحدي حلف شمال الأطلسي وتقييده وتقسيمه وتدميره في نهاية المطاف”. وتابع نايتون: “إن الحرب في أوكرانيا تُظهر أن بوتين مستعد لمهاجمة الدول المجاورة، بما في ذلك سكانها المدنيين، وهو ما يمثل تهديدًا لحلف الناتو بأكمله، بما في ذلك بريطانيا”. وأوضح نايتون: “إن بريطانيا بحاجة إلى جيش أقوى وبنية تحتية أكثر مرونة لمواجهة التهديد المتطور”.
أكد رئيس المخابرات الداخلية البريطانية في 16 أكتوبر 2025 إن بريطانيا تواجه تهديدا متصاعدا من دول معادية مثل روسيا وإيران والصين، في حين أن خطر الإرهاب “هائل” مع سعي تنظيمي القاعدة وداعش لتحريض مهاجمين محتملين. هناك زيادة بنسبة 35% في عدد الأشخاص الذين يتم التحقيق معهم بشأن أنشطة التهديد التي تشكلها الدولة، مشيرا إلى أن الدول المعادية تتجه باستمرار إلى الأساليب “الهجينة” التي يستخدمها الإرهابيون عادة.
تنامي التهديدات خلال العام 2025
أكد مكالوم إن وكالته تمكنت من تعطيل “سلسلة من مؤامرات المراقبة ذات النوايا العدائية” من روسيا، وتتبعت أكثر من 20 مؤامرة محتملة مدعومة من إيران. وأوضح: “في عام 2025، يواجه جهاز المخابرات الداخلية البريطانية حجما أكبر وتنوعا أكبر من التهديدات التي يفرضها الإرهابيون والجهات الفاعلة الحكومية، أكثر مما رأيت في أي وقت مضى”.
تم سجن ستة بلغاريين بتهمة التجسس لصالح روسيا من خلال تنفيذ عمليات مراقبة نيابة عنها خلال العام 2025، بينما أدين خمسة رجال بتنفيذ هجوم حرق متعمد على شركات مرتبطة بأوكرانيا في لندن، والذي قال مسؤولون بريطانيون إنه تم بأمر من مجموعة المرتزقة الروسية فاغنر. أضاف ماكالوم: “بالتعاون مع شركائنا في مختلف أنحاء أوروبا، سيواصل جهاز المخابرات البريطاني MI5 الكشف عن أولئك الذين يتلقون الأوامر من الروس”. متابعًا: “سنواصل تتبع آثار أولئك الذين يصدرون الأوامر، والذين يتصورون أنهم مجهولون ولا يمكن العثور عليهم خلف شاشاتهم. لكنهم ليسوا كذلك”.
فيما يتعلق بالصين أوضح: “إن الصين مذنبة بالتجسس الإلكتروني، وجذب الأكاديميين إلى الصين، والتدخل سرا في الحياة العامة في المملكة المتحدة، ومضايقة المنشقين المؤيدين للديمقراطية في بريطانيا”. وفيما يتعلق بإيران، أكد أن: “طهران تحاول بشكل محموم إسكات منتقديها في جميع أنحاء العالم، واستشهد بكيفية كشف أستراليا عن تورط إيران في مؤامرات معادية للسامية وكيف كشفت السلطات الهولندية عن محاولة اغتيال فاشلة”. أكد: “إن التهديد الإرهابي لبريطانيا لا يزال هائلا حيث نجح جهاز المخابرات الداخلية (MI5) والشرطة في تعطيل 19 مؤامرة هجومية في مراحلها الأخيرة منذ بداية عام 2020”.
المملكة المتحدة تُعدّ هدفاً للتدخل الأجنبي الاستراتيجي الطويل الأمد
حذّر جهاز المخابرات البريطاني السياسيين في 13 أكتوبر 2025 من محاولات استغلالهم عبر الإنترنت وأثناء السفر إلى الخارج، ومن خلال التبرعات المالية كوسيلة للوصول والتأثير. أضافت الوكالة أن المملكة المتحدة تُعدّ هدفاً للتدخل الأجنبي الاستراتيجي الطويل الأمد والتجسس من قبل عناصر من الدول الروسية والصينية والإيرانية، والتي تستخدم جميعها تكتيكات مختلفة. يقول كين مكالوم، المدير العام لجهاز المخابرات الداخلية البريطانية: “عندما تقوم دول أجنبية بسرقة معلومات حيوية من المملكة المتحدة أو التلاعب بعملياتنا الديمقراطية، فإنها لا تضر بأمننا على المدى القصير فحسب، بل تعمل على تآكل أسس سيادتنا وقدرتنا على حماية مصالح مواطنينا”.
يقول العقيد فيل إنغرام، ضابط الاستخبارات السابق في الجيش وخبير التجسس: “إن إرشادات جهاز المخابرات البريطاني جاءت في الوقت المناسب بالنظر إلى التهديد المتزايد الذي تشكله الصين وروسيا”. مضيفًا: “إن التهديد التجسسي من الصين وروسيا على وجه الخصوص يتزايد، ويظل دور جهاز المخابرات البريطاني MI5 هو تقديم المشورة والتوجيه بشأن كيفية حماية أصولنا الوطنية الحيوية”.
حالات سابقة للتدخل السياسي في المملكة المتحدة
أشارت المخابرات البريطانية MI5 إلى حالات سابقة للتدخل السياسي في السياسة البريطانية، بما في ذلك قضية كريستين لي. ففي ينايرمن العام 2022، أصدر جهاز المخابرات البريطاني MI5 تنبيهاً أمنياً للمشرعين يحذّرهم من أن المحامية المقيمة في لندن كانت “متورطة في أنشطة تدخل سياسي” في المملكة المتحدة نيابةً عن الحزب الشيوعي الصيني. جاء في التنبيه أن MI5 وجد أن لي “قامت بتسهيل التبرعات المالية للبرلمانيين الحاليين والطامحين للعمل نيابةً عن مواطنين أجانب مقيمين في هونغ كونغ والصين”.
ورغم عدم توجيه أي تهمة جنائية لها، رفعت لي دعوى قضائية ضد MI5، مدعيةً أن الإنذار كان بدوافع سياسية، وأنه انتهك حقوقها الإنسانية، لكنها خسرت القضية العام 2024. تأتي إرشادات الأمن الصادرة عن MI5 بعد شهر من انهيار قضية ضد رجلين بريطانيين متهمين بالتجسس على المشرعين لصالح بكين. وأكد المدعي العام البريطاني إن التهم أُسقطت الحكومة رفضت تصنيف الصين “عدواً” وتهديداً للأمن القومي. أوضح وزير الأمن البريطاني دان جارفيس،أمام البرلمان: “إن الحكومة بذلت كل جهد ممكن لتقديم أدلة تدعم هذه القضية”.
وعندما تم إسقاط قضية التجسس على الصين، أعرب مكتب رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن إحباطه، مشيرًا إلى أن الاتهامات الموجهة ضد الرجلين “مثيرة للقلق الشديد”. من المؤسف للغاية أن هؤلاء الأفراد لن يُحاكموا، أي محاولة من قوى أجنبية للتسلل إلى برلماننا أو ديمقراطيتنا أمر غير مقبول. قام كل من كبير الدبلوماسيين البريطانيين ووزير الخزانة بزيارة بكين في العام 2024، ومن المتوقع أن يسافر ستارمر إلى الصين العام 2026. حاولت الحكومة بحذر إعادة ضبط العلاقات مع بكين بعد سنوات من العلاقات الباردة بسبب اتهامات التجسس، ومخاوف حقوق الإنسان، والحملة على الحريات المدنية في هونج كونج، المستعمرة البريطانية السابقة، ودعم الصين لروسيا في حرب أوكرانيا.
الصين قد تستخدم بيانات وطنية لتطوير أسلحة بيولوجية
حذر نايجل إنكستر رئيس جهاز الاستخبارات البريطاني السابق MI6 في أبريل 2025، من أن الصين قد تستخدم بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية لتطوير سلاح بيولوجي موجه ضد الغرب. تابع نايجل إنكستر قائلًا: “إن هناك قلقًا حقيقيًا بشأن ما يمكن أن تفعله بكين بمجموعة كبيرة من البيانات الصحية”. ويأتي ذلك في الوقت الذي يستعد فيه بنك المملكة المتحدة الحيوي، وهو مركز أبحاث، لنقل البيانات من نصف مليون سجل طبيب عام إلى قاعدة بياناته المركزية، حيث ستكون متاحة للوصول إليها من قبل الباحثين الصينيين. من بين 1375 طلبًا ناجحًا للوصول إلى بيانات البنك الحيوي في المملكة المتحدة، جاء واحد من كل خمسة من الصين، في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. وحذر جهاز المخابرات البريطاني MI5 من أن المنظمات والأفراد الصينيين الذين حصلوا على حق الوصول إلى البيانات البريطانية قد يتلقون أوامر من وكالات الاستخبارات الصينية للقيام بأعمال نيابة عنها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112869
