خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات البريطانية ـ التجسس الصيني، “LinkedIn” بوابة للنفوذ السياسي
يحذر جهاز المخابرات البريطاني MI5 المشرعين من أن وزارة الأمن الصينية “تتواصل بشكل نشط مع الأفراد في مجتمعنا” من أجل “جمع المعلومات ووضع الأساس لعلاقات طويلة الأمد”. حيث أفادت أجهزة الاستخبارات البريطانية أن المشرعين البريطانيين يتعرضون لاستهداف نشط من قبل عملاء الدولة الصينية بعروض عمل مربحة على موقع LinkedIn. أصدر رئيس مجلس العموم البريطاني ليندسي هويل خلال نوفمبر 2025 تحذيرا تجسسيا من وكالة الأمن MI5، حذرت فيه من أن اثنين من “صائدي المواهب” “معروفان باستخدامهما” لملفات تعريف على الشبكة الاجتماعية التي تركز على المهنة “لإجراء اتصالات على نطاق واسع” لصالح أجهزة الأمن الصينية.
ما هي الأهداف؟
أفادت الاستخبارات البريطانية أن الهدف هو جمع المعلومات وإرساء الأساس لعلاقات طويلة الأمد، باستخدام مواقع التواصل المهني، ووكلاء التوظيف والمستشارين الذين يعملون نيابة عنهم. يؤكد وزير الأمن البريطاني دان جارفيس في كلمة أمام مجلس العموم في نوفمبر 2025: “إن التقييم الأخير أظهر كيف تحاول الصين تجنيد وزراعة أفراد لديهم إمكانية الوصول إلى معلومات حساسة حول البرلمان وحكومة المملكة المتحدة”. أضاف جارفيس: “إن مثل هذا العمل تقوم به مجموعة من ضباط الاستخبارات الصينية غالباً ما يتم إخفاء هويتهم من خلال استخدام شركات غطاء أو صائدي رؤوس خارجيين”.
خطة عمل جديدة لمكافحة التدخل السياسي والتجسس
حذر جارفيس في بيان أمام مجلس العموم من أن “الصين لديها عتبة منخفضة فيما يتعلق بالمعلومات التي تعتبر ذات قيمة، وسوف تجمع قطع المعلومات الفردية لبناء صورة أوسع”. في محاولةٍ لأخذ زمام المبادرة في هذه القضية، أعلن جارفيس في نوفمبر 2025 عن “خطة عمل جديدة لمكافحة التدخل السياسي والتجسس”. تشمل الإجراءات تشديد قواعد تقييم المخاطر لمتلقي التبرعات، وتعزيز صلاحيات إنفاذ القانون للجنة الانتخابات، وهي الجهة الرقابية على الانتخابات في المملكة المتحدة”. تشمل الخطة أيضًا تنفيذ حملات أمنية بقيادة السلطات البريطانية، بما في ذلك إحاطات مخصصة للحكومات البريطانية اللامركزية، والأحزاب السياسية، وجميع المرشحين المشاركين في الانتخابات اللامركزية والمحلية في مايو 2026.
حذر جارفيس قائلًا: “إن هذا النشاط ينطوي على محاولة سرية ومدروسة من جانب قوة أجنبية للتدخل في شؤوننا السيادية لصالح مصالحها الخاصة، وهذه الحكومة لن تتسامح مع ذلك”. وتأتي هذه التوجيهات في أعقاب نزاع سياسي في المملكة المتحدة بشأن التدخل الصيني في السياسة البريطانية. أسقط المدعون البريطانيون في العام 2025 التهم الموجهة ضد رجلين متهمين بالتجسس لصالح الصين، أحدهما كان يعمل سابقًا في البرلمان. كما يدرس قصر وستمنستر تشديد إجراءات دخول الزوار الصينيين إلى البرلمان.
تنامي التهديدات خلال العام 2025
أكد المدير العام لجهاز المخابرات الداخلية البريطاني كين مكالوم: “إن الصين مذنبة بالتجسس الإلكتروني، وجذب الأكاديميين إلى الصين، والتدخل سرا في الحياة العامة في المملكة المتحدة، ومضايقة المنشقين المؤيدين للديمقراطية في بريطانيا”. حذّر جهاز المخابرات البريطاني السياسيين في 13 أكتوبر 2025 من محاولات استغلالهم عبر الإنترنت وأثناء السفر إلى الخارج، ومن خلال التبرعات المالية كوسيلة للوصول والتأثير. أضافت الوكالة أن المملكة المتحدة تُعدّ هدفاً للتدخل الأجنبي الاستراتيجي الطويل الأمد والتجسس من قبل عناصر من الصين، والتي تستخدم تكتيكات مختلفة. يقول كين مكالوم، المدير العام لجهاز المخابرات الداخلية البريطانية: “عندما تقوم دول أجنبية بسرقة معلومات حيوية من المملكة المتحدة أو التلاعب بعملياتنا الديمقراطية، فإنها لا تضر بأمننا على المدى القصير فحسب، بل تعمل على تآكل أسس سيادتنا وقدرتنا على حماية مصالح مواطنينا”.
يقول العقيد فيل إنغرام، ضابط الاستخبارات السابق في الجيش وخبير التجسس: “إن إرشادات جهاز المخابرات البريطاني جاءت في الوقت المناسب بالنظر إلى التهديد المتزايد الذي تشكله الصين وروسيا”. مضيفًا: “إن التهديد التجسسي من الصين وروسيا على وجه الخصوص يتزايد، ويظل دور جهاز المخابرات البريطاني MI5 هو تقديم المشورة والتوجيه بشأن كيفية حماية أصولنا الوطنية الحيوية”.
الصين قد تستخدم بيانات وطنية لتطوير أسلحة بيولوجية
حذر نايجل إنكستر رئيس جهاز الاستخبارات البريطاني السابق MI6 في أبريل 2025، من أن الصين قد تستخدم بيانات هيئة الخدمات الصحية الوطنية لتطوير سلاح بيولوجي موجه ضد الغرب. تابع نايجل إنكستر قائلًا: “إن هناك قلقًا حقيقيًا بشأن ما يمكن أن تفعله بكين بمجموعة كبيرة من البيانات الصحية”. ويأتي ذلك في الوقت الذي يستعد فيه بنك المملكة المتحدة الحيوي، وهو مركز أبحاث، لنقل البيانات من نصف مليون سجل طبيب عام إلى قاعدة بياناته المركزية، حيث ستكون متاحة للوصول إليها من قبل الباحثين الصينيين. من بين 1375 طلبًا ناجحًا للوصول إلى بيانات البنك الحيوي في المملكة المتحدة، جاء واحد من كل خمسة من الصين، في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة. وحذر جهاز المخابرات البريطاني MI5 من أن المنظمات والأفراد الصينيين الذين حصلوا على حق الوصول إلى البيانات البريطانية قد يتلقون أوامر من وكالات الاستخبارات الصينية للقيام بأعمال نيابة عنها.
النتائج
تكشف التحذيرات الصادرة عن جهاز المخابرات البريطاني MI5 بشأن استخدام عملاء صينيين لمنصة لينكدإن لاستهداف النواب، عن مرحلة جديدة وأكثر تعقيدًا من أنماط التجسس السياسي. فالاعتماد على منصات مهنية رقمية يعكس تحوّلًا استراتيجيًا في أدوات جمع المعلومات، حيث لم تعد بكين تعتمد فقط على شبكات تقليدية أو مصادر بشرية مباشرة، بل باتت توظف بيئات رقمية يصعب ضبطها، وتسمح بالوصول إلى شخصيات حساسة دون إثارة ريبة فورية. ويرى خبراء الأمن أن هذا الأسلوب يمكّن أجهزة الاستخبارات من بناء علاقات طويلة المدى مع مسؤولين واعدين أو موظفين ذوي صلاحيات متقدمة، عبر إغراءات مهنية قد تبدو مشروعة في ظاهرها.
يعكس التحرك البريطاني، بما يشمله من تشديد لإجراءات الرقابة على التبرعات وتعزيز دور لجنة الانتخابات، إدراكًا سياسيًا متزايدًا لحجم خطر الاختراق الأجنبي على البنية الديمقراطية في البلاد. غير أن هذا التوجه يثير تساؤلات حول مدى قدرة لندن على فرض ضوابط فعالة في فضاء رقمي شديد الانفتاح، ومع وجود ملايين الحسابات التي يصعب التحقق من هويتها أو رصد ارتباطاتها المحتملة بأجهزة استخبارات أجنبية. ويبدو أن الحكومة البريطانية تحاول سد هذا الفراغ عبر حملات توعية موجهة للبرلمانيين والمرشحين السياسيين، لكنها لا تزال بحاجة إلى آليات تقنية وتحليلية أكثر تقدمًا لرصد الأنماط السلوكية المشبوهة على المنصات المهنية.
يُتوقع أن تتصاعد المواجهة الاستخباراتية بين بكين ولندن، خصوصًا مع دخول المملكة المتحدة مرحلة انتخابية حساسة في مايو 2025، ما يرفع فرص محاولات التأثير والتجنيد. كما قد تؤدي الخطط البريطانية الجديدة إلى تضييق أكبر على الوفود الزائرة من الصين، وربما تشديد القيود على التعاون الأكاديمي والبحثي في المجالات الحساسة، وهو ما قد ينعكس على العلاقات الثنائية المتوترة أصلًا.
من المرجح أن تتحول LinkedIn ومنصات مهنية مشابهة إلى ساحات رئيسية في الصراع الاستخباراتي العالمي، نظرًا لسهولة اختراقها وصعوبة ضبطها. وقد يدفع ذلك الدول الغربية إلى فرض أطر تنظيمية جديدة على هذه المنصات، تشمل اعتماد آليات تحقق أقوى للهوية، وإلزام الشركات بالإبلاغ عن الأنشطة المشبوهة ذات الطابع الحكومي. وفي حال لم تُعالج هذه التحديات بفاعلية، فإن الديمقراطيات الغربية ستواجه خطرًا متناميًا يتمثل في اختراق مؤسساتها من الداخل عبر قنوات تبدو في ظاهرها طبيعية ومهنية، لكنها تُستخدم سريًا لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111832
