المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات الأمريكية وروسيا ـ اتصالات استخباراتية وتوازنات استراتيجية
تأتي الاتصالات بين وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية وروسيا في ظل تصاعد التوترات بشأن أوكرانيا وإيران، وتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة. وتطرح هذه الاتصالات تساؤلات حول طبيعة الرسائل التي تحملها واشنطن إلى موسكو، ومدى ارتباطها بملفات الأمن الإقليمي والدولي.
جون راتكليف في روسيا
أكد الكرملين إن جون راتكليف التقى مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الروسية، لكنه لم يلتق الرئيس فلاديمير بوتين خلال زيارته المفاجئة إلى موسكو في 25 أغسطس من العام 2026. وأثارت السرية المحيطة بالزيارة تكهنات بأن مدير وكالة الاستخبارات المركزية كان يحمل تحذيرًا من واشنطن. وأثارت زيارة مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف المفاجئة إلى موسكو مخاوف أوروبية وتكهنات بشأن سبب الزيارة المفاجئة، والرسالة التي اعتبرت واشنطن أنها مهمة إلى درجة تستدعي أن ينقلها رئيس جهازها الاستخباراتي بنفسه. وأكد الكرملين أن راتكليف أجرى محادثات مع مسؤولين في أجهزة الاستخبارات الروسية خلال زيارته، لكنه قال إنه لم يلتق فلاديمير بوتين. ووقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف: “لم تكن هناك اجتماعات مقررة مع بوتين”. ووفقًا للكرملين، أُطلع بوتين على نتائج المحادثات. ولم تكشف واشنطن ولا موسكو عن الموضوعات التي نوقشت، ما أبقى هدف الزيارة غير المعتادة غير واضح.
تصعيد روسي محتمل ضد أوروبا
وصل راتكليف إلى العاصمة الروسية في أول زيارة معروفة له إلى روسيا منذ توليه منصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وذلك في توقيت بالغ التوتر مع استمرار الحرب الروسية الشاملة في أوكرانيا، وتزايد المخاوف من احتمال تصعيد روسي ضد أوروبا. لكن توقيت الزيارة، والإجراءات الأمنية المحيطة بوصول راتكليف، وموقعه داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب، أثارت تكهنات بأن مدير وكالة الاستخبارات المركزية كان يحمل رسالة أكثر حساسية بكثير من تلك التي يجري عادة نقلها عبر القنوات الدبلوماسية. ووفقًا لتقارير نقلت عن أشخاص مطلعين على الأمر، طلبت الولايات المتحدة من أوكرانيا عدم شن ضربات على موسكو أو سانت بطرسبرغ أثناء وجود راتكليف في روسيا. وأفادت تقارير بأن كييف علمت بأن وفدًا أمريكيًا رفيع المستوى سيتوجه إلى روسيا، لكنها لم تُبلغ في البداية بأن راتكليف سيكون ضمن الوفد. ويكتسب هذا الطلب أهمية في ظل توسع الحملة الأوكرانية لتنفيذ ضربات بعيدة المدى داخل روسيا، بما في ذلك استهداف منشآت للطاقة والبنية التحتية العسكرية ومواقع تمول آلة الحرب الروسية.
تحذير لموسكو
أحد الاحتمالات هو أن راتكليف توجه إلى موسكو لتحذيرها من مخاطر تصعيد روسي إضافي. وبحسب تقارير، أثارت الاستخبارات الأمريكية مخاوف من أن موسكو قد تكون تستعد لمزيد من عمليات التعبئة، ليس فقط للحفاظ على حربها ضد أوكرانيا، ولكن بهدف اختبار قدرة الناتو على الصمود من خلال استفزازات تستهدف الدول الأعضاء في الحلف. وتأتي الزيارة في ظل تزايد المخاوف بشأن النشاط الروسي داخل أراضي الناتو، بعد سلسلة من عمليات التخريب المشتبه بها وتوغلات الطائرات المسيرة خلال العام 2026. وتستند هذه النظرية إلى تشابه لافت مع آخر زيارة معروفة لمدير وكالة الاستخبارات المركزية إلى موسكو. فقد توجه ويليام بيرنز إلى العاصمة الروسية في نوفمبر 2021، عندما كانت القوات الروسية تحتشد حول أوكرانيا، لتحذير الكرملين من حرب أوكرانيا وتوضيح العواقب التي كانت واشنطن تتوقعها في حال وقوعه. وعلى الرغم من تأكيدات موسكو المتكررة في ذلك الوقت بأنها لا تخطط للهجوم على أوكرانيا، شنت روسيا الهجوم الشامل بعد ثلاثة أشهر. ويُنظر إلى راتكليف باعتباره أحد كبار المسؤولين في إدارة ترامب الأكثر دعمًا لاستمرار المساعدة الأمريكية لأوكرانيا، بما في ذلك المعلومات الاستخباراتية المستخدمة لدعم العمليات الأوكرانية بعيدة المدى. لذلك، جاءت زيارته في لحظة حساسة لكل من موسكو وكييف.
أوكرانيا أم الناتو أم إيران؟
أوكرانيا ليست التفسير المحتمل الوحيد للزيارة، وتأتي الزيارة في ظل تصاعد التوتر بين واشنطن وموسكو بشأن إيران، أقرب شركاء روسيا في الشرق الأوسط. واتُهمت روسيا بتزويد طهران بمعلومات استخباراتية حول الأصول العسكرية الأمريكية، بينما كثفت واشنطن الضغوط الاقتصادية على إيران في محاولة لإنهاء الحرب التي بدأتها. ووصف بيسكوف الاتصالات بين جهازي الاستخبارات الروسي والأمريكي بأنها إيجابية، لكنه قال إنه من السابق لأوانه تقييم ما إذا كانت هذه الاتصالات يمكن أن تسهم في تحسين العلاقات الأوسع بين واشنطن وموسكو. وكانت زيارة راتكليف حساسة إلى درجة إبقائها سرية وعدم الإعلان عنها مسبقًا، ومهمة بما يكفي لأن يتوجه مدير وكالة الاستخبارات المركزية بنفسه إلى موسكو، حتى لو لم تستمر الزيارة سوى بضع ساعات.
طرح عالم السياسة سيرغي ماركوف، المرتبط بالكرملين، نظريات أخرى، من بينها احتمال وجود صلة بحرب الإيرانية. وتدعم موسكو القيادة في طهران. كما أشار إلى احتمال وجود صلة بين الحادث واكتشاف طائرات مسيّرة مفخخة في مطار هاله-لايبزيغ. وتشتبه السلطات الأمريكية في وقوف روسيا وراء الحادث، وتجري تحقيقات في ألمانيا. و علّق غلين هوارد، خبير الشؤون الروسية في مؤسسة ساراتوغا الأمريكية، على هذا التطور قائلًا: “لا يسافر مديرو وكالة المخابرات المركزية عادةً إلى موسكو”. ويؤكد المحلل الأمريكي أن راتكليف لن “يذهب إلى روسيا إلا إذا كان الأمر بالغ الأهمية”.
أقرّ رودريش كيسويتر، الخبير العسكري والأمني في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي بأنه لا يستطيع سوى التكهن بشأن زيارة راتكليف، لكنه قدّم عدة تخمينات. أول ما يتبادر إلى ذهن كيسويتر هو القلق المتزايد من أن تختبر روسيا جاهزية حلف الناتو الدفاعية بهجمات محدودة، على سبيل المثال في دول البلطيق. أوضح كيسويتر “إن سعي مدير وكالة المخابرات المركزية راتكليف لإجراء محادثات في موسكو في هذا التوقيت يدفعني إلى الشك في أن الولايات المتحدة تأخذ على محمل الجد استعدادات روسيا الواضحة للحرب، بما في ذلك توسيع نطاق الحرب في أوروبا واحتمال تدخل عسكري محدود. لذا، قد يحاول راتكليف تحذير روسيا من هذا النهج، وبالتالي إظهار قوة الردع”. ومع ذلك، أعرب كيسويتر عن شكوك أقل تفاؤلًا. “في الوقت نفسه، قد تكون هذه محاولة جديدة لتحفيز المفاوضات مع روسيا، لا سيما قبيل الانتخابات الأمريكية”،
أوضح عضو البرلمان عن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي. “يرغب ترامب في الادعاء بتحقيق “نجاح” هنا. لكن تجاوز أوكرانيا وأوروبا سيكون له نتائج عكسية للغاية، إذ لن يحقق الأمن بل سيشجع روسيا على التصعيد. لذلك، أنظر إلى مثل هذه المحادثات بين الولايات المتحدة وروسيا بشك كبير.” أضاف كيسويتر: “إن محاكاة المفاوضات أو الضغط من أجل محادثات يمليها الكرملين تأتي بنتائج عكسية دائمًا، لأن المعتدي يستغل ذلك. روسيا لا تريد التفاوض، بل تريد إخضاع أوكرانيا وتدميرها”. ويتابع كيسويتر: “لقد أوضحت روسيا جليًا أنها تعتبر نفسها في حالة حرب ضد حلف الناتو والغرب وأوروبا، وتعتزم مواصلة الحرب”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=123638
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

