الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

الاستخبارات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب والدولة العميقة . ملف

يناير 04, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا

ملف الاستخبارات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب والدولة العميقة

المقدمة

نسخة PDF  ملف الاستخبارات الأمريكية في عهد الرئيس ترامب والدولة العميقة

يمثّل مجمّع الاستخبارات الأمريكية واحدًا من أعقد وأوسع الأجهزة المؤسسية في العالم، إذ يضم تحت مظلته أكثر من سبع عشرة وكالة تعمل في مجالات متشابكة تشمل الأمن القومي، مكافحة الإرهاب، الحرب السيبرانية، والتحليل الاستراتيجي. وقد مرّت هذه المنظومة خلال عهد الرئيس دونالد ترامب بمرحلة مليئة بالتوترات والجدل السياسي والقانوني، تركت آثارًا عميقة على طبيعة عمل الأجهزة الأمنية وعلاقاتها مع الداخل والخارج. هذا الملف يسعى إلى تحليل واقع الاستخبارات الأمريكية في تلك الفترة من خلال ثلاث دراسات رئيسية، كل منها يتناول محورًا محددًا، مع ربطه بالأبعاد المؤسسية والسياسية والدولية.

الدراسة الأولى تحمل عنوان ـ الاستخبارات الأمريكية خلال عهد ترامب، تغييرات مؤسسية وسياساتية ، وتتناول بنية مجمّع الاستخبارات، التعيينات القيادية التي أثارت جدلاً واسعًا، وكيف أثرت سياسات الإدارة على المهنية والقدرات المؤسسية. كما تبحث في العلاقة المتوترة بين البيت الأبيض والأجهزة الاستخباراتية، خاصة في القضايا المرتبطة بتدخلات روسيا في الانتخابات أو تقييم التهديدات العالمية.

أما الدراسة الثانية فهي بعنوان: «الاستخبارات الأمريكية والاتحاد الأوروبي: التعاون وتبادل المعلومات»، وتركّز على البعد الدولي، حيث تبحث في الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مثل اتفاقية «Umbrella» لنقل البيانات واتفاقيات سجلات ركاب الطائرات (PNR)، إلى جانب التعاون على مستوى الدول الأعضاء بشكل منفرد. وتستعرض الدراسة كيف أثّرت سياسات إدارة ترامب على الثقة والاعتمادية المتبادلة في تبادل المعلومات الاستخباراتية.

وتأتي الدراسة الثالثة بعنوان: «الاستخبارات والدولة العميقة في عهد ترامب — سياسات التعيين والملاحقات القضائية»، لتتناول الجدل المتصاعد حول اتهام ترامب بتعزيز ما يُعرف بـ «الدولة العميقة» عبر سياسات التعيين الموالية وتهميش الأصوات المهنية المستقلة. كما تتناول حالات بارزة مثل ملاحقة مدير الـFBI السابق جيمس كومي، وقضايا مستشاري الأمن القومي، وما تكشفه هذه الأمثلة عن تسييس العدالة والاستخبارات.

بهذا، يقدم الملف قراءة معمّقة ومتعددة الأبعاد لواقع الاستخبارات الأمريكية في زمن ترامب، بما يعكس التداخل بين الأمن والسياسة والقانون على المستويين الوطني والدولي.

1 ـ الاستخبارات الأمريكية خلال عهد ترامب، تغييرات مؤسسية وسياساتية

يمثّل مجمّع الاستخبارات الأمريكية واحدًا من أعقد وأوسع الأجهزة المؤسسية في العالم، إذ يضم تحت مظلته أكثر من سبع عشرة وكالة تعمل في مجالات متشابكة تشمل الأمن القومي، مكافحة الإرهاب، الحرب السيبرانية، والتحليل الاستراتيجي. وقد مرّت هذه المنظومة خلال عهد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” بمرحلة مليئة بالتوترات والجدل السياسي والقانوني، تركت آثارًا عميقة على طبيعة عمل الأجهزة الأمنية وعلاقاتها مع الداخل والخارج.

مكونات مجمّع الاستخبارات الأمريكي (IC)

يُعد مجتمع الاستخبارات الأمريكي (IC) مجموعة تتألف من 18 وكالة ومنظمة اتحادية، مهمتها جمع وتحليل وتقديم معلومات الاستخبارات الخارجية السرية والمفتوحة المصدر، ومعلومات مكافحة التجسس إلى قادة الولايات المتحدة الأمريكية ليتمكنوا من اتخاذ قرارات سليمة لحماية البلاد وتحديد أولويات الأمن سنويًا في استراتيجية الأمن القومي. يركّز المجتمع الاستخباراتي على مجموعة متزايدة من القضايا، من تمويل الإرهاب إلى الاتجار بالمخدرات، ومن تغيّر المناخ والقضايا البيئية إلى التهديدات التكنولوجية الأجنبية وانتشار الأسلحة النووية.

يُعتبر أبرز الوكالات الاستخباراتية داخله: وكالة المخابرات المركزية (CIA)، مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وكالة الأمن القومي (NSA)، مكتب مدير الاستخبارات الوطنية (ODNI)، ومكاتب الاستخبارات داخل البنتاغون ودوائر وزارة الأمن الداخلي. عُيِّن “جون راتكليف” مديرًا لوكالة المخابرات المركزية، و”تولسي جابارد” مديرةً للمخابرات الوطنية، و”كاش باتيل” مديرًا لمكتب التحقيقات الفيدرالي، و”جو كينت” مديرًا للمركز الوطني لمكافحة الإرهاب. ويشغل هذه المناصب، غير الحزبية تقليديًا، أفراد يشاركون ترامب وجهة نظره.

يرى “دوغلاس لندن”، الخبير في وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA): “إن مسؤولي الاستخبارات يعملون بجد لتجنّب أي مظهر من مظاهر التحزّب، ويضعون قسمهم الدستوري فوق السياسة”. وأضاف “لندن”: “ليس بوسع مسؤولي الوكالة أن يفعلوا سوى إظهار نحن هنا، نحن في فريقكم، نحن هنا لدعمكم”.

إعادة هيكلة مجمّع الاستخبارات الأمريكي الأمريكي

أعلنت “تولسي جابارد” مديرة الاستخبارات الوطنية في أغسطس 2025، أن مكتبها سوف يُخفّض ما يقرب من (50%) من قوته العاملة، ويدمج العديد من مراكز الاستخبارات، كجزء من مبادرة إعادة الهيكلة الشاملة المسماة “ODNI 2.0”. من بين التغييرات الأكثر أهمية، حُل مركز التأثير الأجنبي الخبيث، والمركز الوطني لمكافحة الانتشار والأمن البيولوجي، ومركز تكامل استخبارات التهديدات السيبرانية، مع دمج وظائفها في مديرية تكامل المهام التابعة لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية ومجلس الاستخبارات الوطني.

سيُعيد المركز الوطني لمكافحة الإرهاب التركيز على مهمته الأساسية في مكافحة الإرهاب، مع توسيع نطاقه ليشمل مكافحة المخدرات. كما سيتم نقل جامعة الاستخبارات الوطنية إلى جامعة الدفاع الوطني التابعة لوزارة الدفاع. كذلك، تم دمج مديري الاستخبارات الوطنية والمجلس الوطني لإدارة الاستخبارات ضمن هيكل ضباط الاستخبارات الوطنية لتبسيط الرقابة. كما تستهدف التخفيضات أنظمة التكنولوجيا والبرامج التي تعتمد بشكل كبير على المتعاقدين.

أقال “بيت هيغسيث”، وزير الدفاع الأمريكي، الفريق “جيفري كروس”، رئيس وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية (DIA)، وذلك بعد رفض البيت الأبيض مراجعة تقييمية بشأن تأثير الضربات الأمريكية على إيران خلال العام 2025. وبرر “هيغسيث” الإقالة بأن التقرير أُعدّ استنادًا إلى “معلومات استخباراتية ضعيفة”، وأضاف “هيغسيث”: أن مكتب التحقيقات الفيدرالي يُجري تحقيقًا بشأن التسريب. استخبارات ـ ترامب يرسخ “الدولة العميقة” باتهام كومي المدير السابق لمكتب الFBI

العلاقات بين مجمّع الاستخبارات والسلطة التنفيذية

يُعتبر دور “الكونغرس” الأمريكي رقابيًا، وتزايدت المطالبات داخل الولايات المتحدة بإبقاء “الكونغرس” على اطلاع بالشؤون الاستخباراتية، وخاصةً العمليات السرية. لكن بالنظر إلى الإدارات المختلفة، كان تحقيق ذلك صعبًا في كثير من الأحيان. يختلف مسؤولو الاستخبارات السابقون حول مساعي ترامب لاستخدام وكالات التجسس ضد المعارضين السياسيين المحليين، وإذا فعل ذلك، فكيف ستستجيب القوى العاملة في مجال الاستخبارات والمحاكم؟ فبعد “فضيحة ووترغيت”، سُنّت قوانين تحظر صراحةً استخدام وكالات التجسس ضد الأمريكيين.

جاءت هذه الإجراءات ردًا على استخدام إدارة “نيكسون” لوكالة المخابرات المركزية لجمع معلومات استخباراتية عن المتظاهرين المحليين المعارضين لحرب فيتنام. يقول “جلين جيرستيل”، الذي عمل مستشارًا عامًا لوكالة الأمن القومي من عام 2015 إلى عام 2020: “إن القوانين تسمح بقدر كبير من السلطة التقديرية، وسيكون لدى ترامب يد حرة إلى حد كبير”. بينما يرى خبراء قانونيون ومسؤولون كبار سابقون أن الرؤساء يواجهون قيودًا قانونية قليلة عندما يتعلق الأمر بسلطتهم على وكالات الاستخبارات.

تنامي الصراع بشأن الأجهزة الاستخباراتية

انتقد الرئيس الامريكي “ترامب” وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) ووكالات تجسس أخرى، متهمًا إياها بالعمل على تقويض إدارته الأولى، والسعي لمنعه من استعادة السيطرة على البيت الأبيض، كما اتهم مسؤولي الاستخبارات بالتشكيك في علاقته بالرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”. ووعد “ترامب” بإنهاء ما وصفه بصراعات الاستخبارات واجتثاث الضباط “غير المخلصين”.

اتهم الحزب الديمقراطي اختيارات ترامب موالين له لقيادة أجهزة الاستخبارات الأمريكية في ولايته الثانية، بالتزامن مع تنامي الصراعات بشأن الاستخبارات الأمريكية، فعلى سبيل المثال، رفع مجلس الاستخبارات الوطني السرية عن مذكرة، ردًا على طلب الحصول على سجلات مفتوحة، والتي ذكرت أن وكالات التجسس الأمريكية لم تجد أي تنسيق بين الحكومة الفنزويلية وعصابة “ترين دي أراغوا”، وهو ما يتناقض مع التصريحات التي استخدمتها إدارة “ترامب” لتبرير الاستعانة بقانون الأعداء الأجانب وترحيل المهاجرين الفنزويليين.

قامت “جابارد” بطرد ضابطي الاستخبارات المخضرمين اللذين كانا يقودان المجلس بسبب معارضتهما المفترضة لـ”ترامب”. وتزايدت المشاكل بعد أن بدأت الحرب بين إسرائيل وإيران. رفض ترامب شهادة “جابارد” أمام الكونغرس في مارس 2025، والتي أفادت بأن وكالات الاستخبارات الأمريكية لا تعتقد أن إيران تسعى بنشاط لامتلاك سلاح نووي، وأصرّ ترامب على أن إيران كانت قريبة جدًا من ذلك. الاستخبارات الأمريكية مابين الولاء السياسي وحماية الأمن القومي في زمن ترامب

نقاط القوة والضعف الناتجة عن سياسات “ترامب

تقول “تولسي جابارد” و”بيت هيغسيث”: “إن إعادة الهيكلة تتماشى مع تركيز الرئيس ترامب على زيادة الكفاءة في جميع أنحاء الحكومة، وستُعزّز جودة برامجنا التعليمية”. أوضح المسؤولون: “أن هذه الخطوة تهدف إلى تحسين دمج التدريب الاستخباراتي مع أولويات الدفاع مع الحد من التكرار”. كما يعكس هذا التغيير جهود جابارد وهيغسيث الأوسع نطاقًا لتوحيد تعليم الأمن القومي تحت سقف واحد. بينما يقول “روبرت ليت”، الذي شغل منصب المستشار العام لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية من عام 2009 إلى عام 2017: “إن إدخال المعينين السياسيين في إدارة وكالات التجسس بأعداد غير مسبوقة من شأنه أن يشوّه الطريقة التي يتم بها تحليل المعلومات الاستخباراتية، ويؤدي إلى قرارات غير قانونية أو غير مدروسة”.

أكد السيناتور “مارك وارنر”، أكبر عضو ديمقراطي في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ، في بيان قائلًا: “إن الطريقة الفوضوية والعشوائية التي تتبعها الإدارة الأمريكية في فصل ضباط الاستخبارات وإنفاذ القانون المخضرمين في جميع أنحاء الحكومة، بما في ذلك على سبيل المثال الضباط الذين يعملون على وجه التحديد في مكافحة التجسس، تزيد بشكل كبير من خطر مكافحة التجسس على أمريكا”.  استخبارات ـ ال CIA تحذر من المخاطر التي تهدد الأمن الدولي

2 ـ  الاستخبارات الأمريكية والاتحاد الأوروبي ـ أبعاد التعاون وتبادل المعلومات

يشكل التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أحد أعمدة الشراكة عبر الأطلسي، خصوصًا في ظل تصاعد التهديدات الأمنية العالمية مثل الإرهاب والجريمة المنظمة والهجمات السيبرانية. ورغم الأهمية الاستراتيجية لهذا التعاون، فإنه يواجه عقبات عدة، أبرزها الاختلافات القانونية والفلسفية بين الجانبين في مسألة الخصوصية، والسياسات المتغيرة للإدارات الأمريكية، بالإضافة إلى التحديات التقنية والتنظيمية التي قد تعيق سرعة وكفاءة تبادل المعلومات الاستخباراتية.

 الجذور التاريخية للتعاون الأمني والاستخباراتي

تعود جذور التعاون الاستخباراتي بين أوروبا والولايات المتحدة إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية  (1945)، حيث كان التنسيق يتم بشكل أساسي ضمن إطار حلف شمال الأطلسي (الناتو).   أنشأت واشنطن شبكة استخبارات واسعة (مثل وكالة الـCIA ووكالة الأمن القومي NSA) لتبادل المعلومات مع أجهزة استخبارات أوروبية مثل MI6 البريطانية وDGSE الفرنسية وBND الألمانية. قد عززت الحرب الباردة هذا التعاون من خلال تبادل المعلومات حول النشاطات السوفياتية ، والتجسس الإلكتروني، ومراقبة التحركات النووية.

أنشأت الولايات المتحدة مع المملكة المتحدة  اتفاقية “UKUSA”1946 السرية ، ركّزت على تبادل الاستخبارات الإشاراتية (SIGINT) أي التنصت واعتراض الاتصالات، ضد الكتلة الشرقية. وانضمت إليه لاحقًا كندا وأستراليا ونيوزيلندا، ليشكل ما يُعرف بـ تحالف العيون الخمس (Five Eyes)..

فيما مثل تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949 الإطار العسكري-الاستخباراتي الرسمي للتعاون بين الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.تضمنت مواثيقه الأولى إنشاء لجان استخبارات داخلية لتنسيق المعلومات العسكرية بين الأعضاء. كما عملت الولايات المتحدة عبر الناتو على بناء شبكات استخبارات دفاعية في أوروبا (مثل SHAPE Intelligence Division). وهي مسؤولة عن جمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية والتشغيلية ، ووضع السياسات الاستخباراتية لحلف الناتو،.

لكن مع نهاية الحرب الباردة وبروز التهديدات غير التقليدية، كالإرهاب الدولي، توسّع نطاق التعاون ليشمل المجالين المدني والتكنولوجي. الاستخبارات الأمريكية خلال عهد ترامب، تغييرات مؤسسية وسياساتية

الإطار القانوني الأساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي

منذ هجمات 11 سبتمبر 2001، سعت واشنطن وبروكسل إلى بناء منظومة تعاون استخباراتي متكاملة تستند إلى اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، تنظم عملية تبادل البيانات الحساسة بين أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات. وقد تطور هذا الإطار القانوني تدريجيًا من التنسيق العسكري التقليدي إلى شراكة قانونية معقدة تشمل المال والسفر والفضاء الرقمي.

ـ اتفاقية تتبع تمويل الإرهاب (SWIFT – TFTP Agreement)   

تعد أول إطار رسمي لتبادل المعلومات الاستخباراتية المالية بين الجانبين. وقّعت الاتفاقية في يونيو 2010 بعد مفاوضات شاقة بين المفوضية الأوروبية وواشنطن، وتهدف إلى تمكين وزارة الخزانة الأمريكية من الوصول إلى بيانات التحويلات المالية عبر نظام SWIFT  البلجيكي لتعقب مصادر تمويل الإرهاب. نصّت الاتفاقية على أن استخدام البيانات يقتصر على أغراض مكافحة الإرهاب، وأن تخضع عمليات تبادل المعلومات لمراجعة من البرلمان الأوروبي واليوروبول لضمان احترام معايير الخصوصية.

وفق وزارة الخزانة الأمريكية، فقد تم استخدام معلومات من TFTP في تحقيقات أسهمت في إحباط مخططات إرهابية، من ضمنها محاولة استهداف الرحلات الجوية العابرة بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة. كما أن المعلومات ساعدت في تحقيقات في إسبانيا في أكتوبر 2008، ومن ثم الحكم على متورطين، حيث وضحت تلك المعلومات صلات بين المتهمين ودول أخرى.

ـ اتفاقية بيانات المسافرين (Passenger Name Record – PNR)

تم إقرار اتفاقية بيانات المسافرين بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في يوليو 2012، وهي تُلزم شركات الطيران الأوروبية بتزويد السلطات الأمريكية ببيانات المسافرين القادمين إلى الأراضي الأمريكية. تتضمن هذه البيانات الاسم، وتاريخ الميلاد، وطريقة الحجز، ورقم المقعد، ووسائل الدفع، ووجهات السفر. الهدف المعلن هو الكشف المبكر عن المشتبه بهم في قضايا الإرهاب أو الجريمة المنظمة.

رغم الانتقادات التي وُجّهت للاتفاقية بدعوى المساس بالخصوصية، إلا أن البرلمان الأوروبي صادق عليها بعد إدخال تعديلات تضمن الرقابة القانونية وحذف البيانات الحساسة بعد فترة زمنية محددة (5 سنوات بشكل نشط ، ثم 10 سنوات إضافية في أرشيف محدود الوصول). وتلتزم الولايات المتحدة بعدم استخدام المعلومات لأغراض غير أمنية. فيما يُمنح المواطنون الأوروبيون الحق في تصحيح بياناتهم أو الطعن في استخدامها.

 ـ اتفاقية المظلة القانونية  (Umbrella Agreement)

تُعتبر هذه الاتفاقية حجر الزاوية في الإطار القانوني الحالي لتبادل المعلومات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وقّعت في يونيو 2016 ودخلت حيز التنفيذ في فبراير 2017، وتهدف إلى وضع قواعد عامة لتبادل البيانات لأغراض إنفاذ القانون والاستخبارات.

تطبّق الا على كل أنواع البيانات الشخصية التي تُنقل بين سلطات إنفاذ القانون في الطرفين لأغراض منع/تحقيق/مقاضاة الجرائم (بما في ذلك الإرهاب)، وتضمنت بنودًا واضحة لحماية الخصوصية، بما في ذلك حقوق الوصول، التصحيح، والحصول على معلومات عن معالجة البيانات. كما ألزم الطرف الأمريكي بتدابير مؤسسية داخل وكالاته، إضافة إلى:

  • حق المواطنين الأوروبيين في التظلم أمام القضاء الأمريكي بموجب قانون الإنصاف القضائي الأمريكي (Judicial Redress Act, 2015) وهو شرط طبّق لتلافي التمييز في سبل الانتصاف. ذلك كان شرطًا جوهريًا لإبرام المظلة
  • التزام الطرفين بإخطار الأفراد المتضررين في حال إساءة استخدام بياناتهم.
  • مراجعة دورية كل ثلاث سنوات لتقييم الامتثال القانوني.

بهذا وفّرت “المظلة القانونية”  إطارًا قانونيًا مهمًا لتقوية التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون عبر الأطلسي مع إبراز التزامات حماية البيانات وحقوق الأفراد ، هذا سهّل بعض تبادلات المعلومات التي كان يمكن أن تتعثّر بسبب مخاوف قانونية. الاستخبارات الوطنية الأميركية تقييد تبادل المعلومات مع حليفاتها بشأن أوكرانيا، الدوافع والتداعيات؟

 آليات العمل المشترك  

يتم تنسيق الجهود الأمنية والقضائية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لمكافحة الجرائم العابرة للحدود، بما في ذلك الإرهاب والجريمة المنظمة والجرائم السيبرانية من خلال آليات العمل المشترك مثل اتفاقيات ثنائية ومتعددة الأطراف، ومؤسسات تنسيقية متخصصة مثل  اليوروبل، يروجست، وزارة العدل الأمريكية، ووكالات إنفاذ القانون الفيدرالية، إلى جانب فرق تحقيق مشتركة وبرامج تبادل الخبرات. ويتيح هذا التعاون المتكامل إجراء تحقيقات فعالة، ومتابعة ملفات جنائية دولية، وضمان التزام جميع الأطراف بالقوانين الوطنية والدولية.

ـ تعمل وكالة الأوروبية لتطبيق القانون اليوروبل (Europol) مع مكتب التحقيقات الفيدرالي (FB) و إدارة مكافحة المخدرات  (DEA)  على تبادل المعلومات حول الجرائم المنظمة، الإرهاب، والجرائم السيبرانية عبر مكاتب اتصال مباشرة (Liaison Officers)، التي تتيح الوصول إلى قواعد بيانات الجرائم، سجلات المشتبه بهم، معلومات السفر، والمعاملات المالية، ما يسمح بالاستجابة السريعة للتهديدات العابرة للحدود حيث يمكن نقل المعلومات والتحقق منها بسرعة دون الحاجة لإجراءات بيروقراطية مطوّلة.

ـ تنسق هيئة اليوروجيست (Eurojust) المختصة بالتعاون القضائي بين الدول الأعضاء بالاتحاد الأوروبي في القضايا المعقدة العابرة للحدود، مثل الإرهاب والجريمة المنظمة وغسل الأموال، مع زارة العدل الأمريكية التحقيقات المشتركة وتسهيل طلبات المساعدة القانونية المتبادلة (MLAs)، وضمان توافقها مع القوانين الوطنية والمعايير الدولية.

تعد طلبات المساعدة القانونية المتبادلة (MLAs) آلية رسمية بين الدول لتقديم الدعم القضائي فيما يتعلق بالقضايا الجنائية والتحقيقات، وتشمل جمع الأدلة، استجواب الشهود، مصادقة الوثائق، وتنفيذ أوامر قضائية عبر الحدود. الهدف الرئيسي هو تسهيل التعاون القانوني عبر الدول، وضمان أن يمكن للسلطات الجنائية في دولة ما جمع المعلومات والأدلة الضرورية للتحقيق أو المقاضاة في دولة أخرى بطريقة قانونية وموثوقة، بما يتوافق مع القانون الوطني والاتفاقيات الدولية.

التعاون الاستخباراتي على مستوى الدول الأعضاء 

إلى جانب التعاون المؤسسي على مستوى وكالات الاتحاد الأوروبي، تحتفظ الدول الأعضاء بالحق في التعاون الثنائي المباشر مع الولايات المتحدة في مجالات الأمن والاستخبارات وإنفاذ القانون.

الولايات المتحدة وألمانيا : تتعاون وكالة الاستخبارات الاتحادية الألمانية (BND) ووكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) في جمع وتحليل البيانات الاستخباراتية، خاصة في مجالات مكافحة الإرهاب والتهديدات السيبرانية.

تعد عملية “Eikonal” واحدة من أبرز الأمثلة على التعاون الاستخباراتي بين ألمانيا والولايات المتحدة، حيث تعاونت وكالتي الأمن القومي الأمريكية  وجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني  بين عامي 2004 و2008.  لجمع بيانات الاتصالات من مزود الخدمة الألمانية  Deutsche Telekom، حيث تم تركيب أجهزة في مراكز البيانات لنسخ البيانات. على الرغم من وجود فلاتر لحماية بيانات المواطنين الألمان، إلا أن بعض البيانات تم جمعها بشكل غير قانوني. في عام 2020، قضت المحكمة الدستورية الألمانية بأن المراقبة الجماعية للاتصالات التي تتم خارج ألمانيا على الأجانب غير دستورية، مما أثر على شرعية العمليات الاستخباراتية مثل “Eikonal.

في عام 2007، اعترضت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية رسائل بريد إلكتروني من “مجموعة ساورلاند”، وهي خلية إسلامية تُخطط لتفجيرات في ألمانيا. وأطلعت المخابرات الأمريكية مسؤولي الأمن الألمان على خيوط العملية، مما مكّن السلطات الألمانية من إحباط الهجوم. وفي عام 2023، أبلغت الوكالات الأمريكية السلطات الألمانية عن شخصين مشتبه بهما مرتبطين بإيران في مدينة كاستروب-راوكسل الغربية، يُزعم أنهما كانا يُخططان لهجوم كيميائي.

الولايات المتحدة وفرنسا: بعد الهجمات الإرهابية في باريس عام 2015، قررت الولايات المتحدة وفرنسا تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية إلى أقصى حد يسمح به القانون، وذلك عبر توجيه تعليمات جديدة لتسهيل مشاركة المعلومات بين الأجهزة العسكرية والاستخباراتية للبلدين.  تم تبادل بيانات المشتبه بهم، تحركاتهم، وتمويلهم عبر قنوات آمنة بين أجهزة الاستخبارات الأمريكية (FBI, CIA, NSA) ووكالات فرنسا مثل المديرية العامة للأمن الداخلي (DGSI) والمديرية العامة للأمن الخارجي (DGSE).

ساهم هذا التعاون في تفكيك خلايا إرهابية ومتابعة شبكات التمويل الدولي للإرهاب. من أبرز العمليات المشتركة عملية “Emma”في يوليو 2020، حيث قامت السلطات الفرنسية بتفكيك شبكة إجرامية دولية تستخدم منصة “EncroChat” المشفرة للتواصل. ساهمت الاستخبارات الأمريكية في توفير المعلومات التقنية اللازمة لاختراق هذه الشبكة، مما أدى إلى اعتقال عشرات الأشخاص في فرنسا ودول أخرى.

الولايات المتحدة و بريطانيا ـ  تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا علاقة شراكة استراتيجية طويلة الأمد في مجال الاستخبارات، تعرف تاريخيًا باسم “Special Relationship”.  يشمل التعاون مكافحة الإرهاب، التجسس السيبراني، الجرائم المنظمة، ومراقبة التهديدات الدولية.

يتم تبادل المعلومات الاستخباراتية بشكل فوري بين أجهزة الاستخبارات البريطانية الاستخبارات الأمنية الداخلية (MI5)، الاستخبارات الخارجية (MI6)، والوكالات الأمريكية (CIA، FBI، NSA، DEA.).   ساهم في تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية. كالتعاون في تصدي الإرهاب في لندن وبروكسل ومانشستر بين 2005 و2017.

تعمل وكالة الاستخبارات السيبرانية البريطانية (GCHQ) مع الوكالة الامريكية للفضاء (NSA) معًا لمواجهة الهجمات السيبرانية الدولية، خاصة من روسيا والصين. يشمل التعاون مراقبة الشبكات، تحليل البرمجيات الخبيثة، وتبادل البيانات الاستخباراتية التقنية.

 الضمانات والقيود

كشفت تسريبات الموظف السابق في وكالة الأمن القومي الأمريكية إدوارد سنودن في يونيو 2013 التي كشفت عن برامج مراقبة واسعة النطاق لوكالة الأمن القومي الأمريكية (NSA) شملت جمع بيانات من شركات تكنولوجيا كبرى أمريكية، مثل Google وFacebook وMicrosoft، للتجسس على مواطنيين وزعماء أوروبيين، ما أحدث أزمة ثقة غير مسبوقة بين واشنطن وبروكسل. ردّ الاتحاد الأوروبي بتشديد قوانين حماية البيانات عبر اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) التي دخلت حيز التنفيذ في مايو 2018، وأصدرت محكمة العدل الأوروبية أحكامًا مفصلية مثل:

ـ إلغاء اتفاقية “Safe Harbor” عام 2015.  والتي تم اعتمادها في يوليو 2000 كآلية تنظيمية تسمح للشركات الأمريكية بنقل ومعالجة بيانات مواطني الاتحاد الأوروبي، شرط التزامها بمجموعة من المبادئ السبعة الأساسية لحماية الخصوصية التي وضعتها المفوضية الأوروبية ووزارة التجارة الأمريكية، مثل مبدأ الإخطار، الاختيار، الأمان، النزاهة، والوصول إلى البيانات.

ـ إلغاء إطار “Privacy Shield” عام 2020 لعدم كفاية الضمانات الأمريكية. وكان قد تم اعتماد الاطار في يوليو 2016، كآلية جديدة لتنظيم نقل البيانات الشخصية من الاتحاد الأوروبي إلى الشركات الأمريكية الملتزمة بمعايير محددة وضوابط حماية البيانات بعد الغاء  اتفاقية “Safe Harbor” .

أدت هذه التطورات إلى مفاوضات جديدة انتهت بإقرار إطار حماية البيانات عبر الأطلسي (Data Privacy Framework) في يوليو 2023، الذي يُعدّ أحدث صيغة قانونية تتيح نقل البيانات من أوروبا إلى الولايات المتحدة وفق معايير حماية أقوى يجب على الشركات الأمريكية الالتزام بها، وتشمل:

  • الشفافية: إبلاغ الأفراد بوضوح عن كيفية معالجة بياناتهم.
  • الاختيار: منح الأفراد خيارًا في كيفية استخدام بياناتهم.
  • البيانات الدقيقة: ضمان دقة البيانات الشخصية.
  • الحد من الغرض: استخدام البيانات فقط للأغراض المحددة.
  • الأمن: اتخاذ تدابير لحماية البيانات من الوصول غير المصرح به.
  • الاحتفاظ بالبيانات: الاحتفاظ بالبيانات فقط طالما كان ذلك ضروريًا.
  • الوصول: تمكين الأفراد من الوصول إلى بياناتهم وتصحيحها أو حذفها.
  • الإنفاذ: وجود آليات فعالة للإنفاذ والمساءلة.

يشترط الاتحاد الأوروبي عند تبادل المعلومات مع جهات أمريكية (سواء استخباراتية أو قانونية)،  أن تكون الدولة أو الجهة المستقبلة للبيانات توفر مستوى حماية مكافئ لما تنص عليه اللائحة الأوروبية، وتخضع لـ آليات مراجعة قانونية مستقلة في حال حدوث انتهاك. وهذا المبدأ يُعرف بـ “Adequacy Decision” — أي قرار الملاءمة القانونية، الذي يمنح بعض الدول حق استقبال البيانات الأوروبية بعد التحقق من امتثالها لمعايير GDPR.

أعلنت المفوضية الأوروبية في أكتوبر 2024 أن السلطات الأمريكية أوفت بتعهدها بوضع حواجز أمنية للحد من وصول وكالات الاستخبارات الأمريكية إلى البيانات الشخصية للأوروبيين.

رغم الإصلاحات، يبقى الاختلاف الفلسفي العميق بين أوروبا وأمريكا هو جوهر الإشكال، بينما ترى أوروبا الخصوصية حقًا أصيلًا مرتبطًا بالكرامة الإنسانية ، تعتبرها أمريكا حقًا قابلًا للموازنة مع متطلبات الأمن القومي. هذا التباين يخلق توترًا دائمًا في التعاون الاستخباراتي، خصوصًا في برامج تبادل البيانات المالية (TFTP) أو بيانات المسافرين (PNR)، حيث تحاول أوروبا فرض قيود صارمة لضمان عدم تجاوز الحدود القانونية.

أثر سياسات إدارة ترامب على التعاون

ظهرت مخاوف أوروبية  متزايدة في ظل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب،  بشأن التعاون الاستخباراتي مع الولايات المتحدة، وذلك نتيجة لعدة سياسات وممارسات أثرت على الثقة المتبادلة بين الجانبين.

شهد مكتب المراقبة للخصوصية والحريات المدنية (PCLOB)، وهو هيئة كانت تُعتبر رقابية مستقلة تشرف على أنشطة المراقبة الأمريكية، تدخلاً من الإدارة الحالية؛ حيث تمّ عزل أو فصل جميع الأعضاء الديمقراطيين منها، في 27 يناير 2025، مما أدى إلى فقدان المكتب للقدرة على اتخاذ قرارات رسمية بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني. في فبراير 2025، أصدرت سلطة حماية البيانات النرويجية  تحذيرًا، مشيرة إلى أن غياب كتب المراقبة للخصوصية والحريات المدنية يُعد مشكلة خطيرة، وأوصت الشركات الأوروبية بالاستعداد لسيناريو قد يتم فيه إلغاء إطار حماية البيانات عبر الأطلسي.

أصدرت إدارة ترامب في يوليو 2025، تعليمات بتصنيف جميع التحليلات والمعلومات المتعلقة بمفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا على أنها “ممنوعة النشر الأجنبي”، مما يعني وقف تبادلها مع الحلفاء التقليديين، بما في ذلك الدول الأوروبية. هذا القرار أثار قلقًا واسعًا داخل أجهزة الاستخبارات الأوروبية، التي سارعت إلى عقد اجتماعات طارئة في باريس لتنسيق بدائل، من بينها الاعتماد على قدرات الأقمار الصناعية الأوروبية. أعرب مسؤولون أوروبيون عن قلقهم من أن إدارة ترامب قد تستخدم المعلومات الاستخباراتية كأداة تفاوضية، مما يهدد نزاهة التعاون الاستخباراتي.

شكّل قرار الرئيس الأمريكي ترامب في مارس 2025 بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا مشكلةً مُلحّةً لأوروبا. لم يقتصر الأمر على وضع كييف – التي تعتمد على الولايات المتحدة في جميع أنواع البيانات القتالية المهمة – في وضع عسكري حرج مؤقتًا، بل أثار أيضًا شكوكًا حول موثوقية مجتمع الاستخبارات الأمريكي كحليف استراتيجي.

عقب القرار، دعا كبار خبراء الاستخبارات في البرلمان الألماني (بوندستاج) إلى إنشاء شبكة تجسس أوروبية، محذرين من أن أوروبا لا تستطيع الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية من الولايات المتحدة وسط حالة عدم اليقين المتزايدة. وصرح كونستانتين فون نوتز، رئيس لجنة الرقابة على الاستخبارات في البرلمان الألماني: “نحتاج إلى نظام أوروبي للتعاون الاستخباراتي – لنسمّه “عيون أوروبا” – لضمان تبادل الدول القوية للمعلومات بسرعة وأمان على أسس قانونية واضحة”.

تمتلك القوى الأوروبية موارد استخباراتية متطورة، إلا أنها تعاني أيضًا من ثغرات حرجة مقارنةً بالولايات المتحدة. ففي مجال استخبارات الإشارات (SIGINT)، تُعدّ دول أوروبية مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا جهات فاعلة ذات كفاءة. ويتجلى ذلك في مهام طائرة RC-135 Rivet Joint البريطانية، وأقمار CERES الفرنسية، وعمليات اعتراض الاتصالات الألمانية. تُوفّر هذه القدرات معلومات استخباراتية أساسية للحلف، لكنها تفتقر إلى المدى الواسع التي تتمتع بها الأنظمة الأمريكية مما يجعل الفصل الشامل في هذه المجموعة من الأنشطة الاستخباراتية أمرًا صعبًا للغاية.

بالتوازي مع ذلك، تتمتع قدرات الاستخبارات البشرية في أوروبا – وخاصةً لدى جهاز المخابرات البريطاني (MI6)، والمديرية العامة للأمن الخارجي الفرنسية(DGSE)، وجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني (BND) ببنية تحتية متينة، ولها تاريخ طويل من العمليات الفعالة والهامة في روسيا وأوكرانيا ودول أخرى مثل الصين وإيران. ومع ذلك، ورغم هذه القوة، تعمل شبكات الاستخبارات البشرية الأوروبية بشكل أساسي في تناغم تام مع عمليات الاستخبارات البشرية الأمريكية واسعة النطاق. إذا حجب الأمريكيون الوصول إلى معلوماتهم الاستخباراتية، فستتضاءل جهود الاستخبارات البشرية الأوروبية، وسيستغرق الأمر سنوات عديدة وموارد هائلة لتوسيع نطاقها لسدّ الفجوة في هذا النوع من الاستخبارات الناتجة عن الانسحاب الأمريكي. الاستخبارات الوطنية الأميركية تقييد تبادل المعلومات مع حليفاتها بشأن أوكرانيا، الدوافع والتداعيات؟

3 ـ أمن قومي ـ الاستخبارات والدولة العميقة في عهد ترامب

حرص الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب وصوله للبيت الأبيض في يناير 2025، على تنفيذه وعوده بشأن إحداث تغييرات في أجهزة الأمن والاستخبارات والمؤسسات الحكومية، رافعاً شعار “مواجهة الدولة العميقة”، ويبرر دونالد ترامب هذه السياسات، بأنها ضرورة لضرب نفوذ الدولة العميقة بالولايات المتحدة، وتحرير الأمريكيين من البيروقراطية، ما خلق حالة من الانقسام في الداخل الأمريكي، بين مؤيد للخطوة كونها تحمي الأمن القومي وتحل النزاعات السياسية، ومعارض لهذه القرارات كونها تهدد الحوكمة الأمريكية، وتفقد الأمريكيين الثقة في مؤسسات الدولة، وتؤثر على أداء الأجهزة الأمنية في داخل وخارج الولايات المتحدة.

 مفهوم “الدولة العميقة” في الولايات المتحدة

تقول الباحثة في قسم العلاقات الدولية والسلام بجامعة سانت جوزيف “غلينس وينونا” إن فكرة الدولة العميقة تعود إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، وغيرت من استراتيجية الولايات المتحدة تجاه الأمن القومي، لذا تأسست وكالات رئيسية مثل “وزارة الأمن الداخلي، ومجلس الأمن القومي، ووكالات الاستخبارات المركزية”، للقيام بمهام محددة وتنفيذ السياسة الداخلية والخارجية الأمريكية، منوهة إلى أهمية وكالة الاستخبارات المركزية في الأمور المتعلقة بالأمن القومي.

أعادت هجمات 11 سبتمبر 2001 الحديث في الولايات المتحدة، حول دور وكالات الاستخبارات والأجهزة الأمنية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، وآليات التواصل والتعاون بينهم، حيث اعتبر خبراء أن الفشل الاستخباراتي كان نتاج ممارسات الحوكمة الأمريكية، وخيارات السياسة الخارجية الأمريكية وقتها التي انعكست على الأمن القومي الداخلي.

يعني مصطلح “الدولة العميقة” في الخطاب السياسي الأمريكي، الشبكة المتجذرة من النخب البيروقراطية وأجهزة الاستخبارات وجماعات المصالح النافذة التي تعمل خارج نطاق الرقابة الديمقراطية المباشرة. وخلال الولاية الأولى لترامب زاد الاهتمام بهذا المصطلح، حيث تم تصوير هذه المجموعات والأجهزة التابعة للدولة العميقة، بأنها قوة تعمل على تقويض السياسيين، خاصة وأن ترامب وضع نفسه كشخصية معارضة للمؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وتضمنت خطاباته انتقادات متكررة لها، ما خلق حالة من الصراع بين السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية.

تجدد الجدل حول الدولة العميقة بتولي ترامب الولاية الثانية، لاسيما وأنه ذكر في خطابه أن وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي يعارضان خططه، وأن إدارته تتعرض لهجمات من قبل جهات نافذة في الوكالات الفيدرالية. وقال المستشار السابق لترامب “ستيف بانون”، في فبراير 2025، إنه سيكون هناك معركة كل يوم لتفكيك الدولة الإدارية. هذا التصريح فسره مراقبون بأن أهداف ترامب تتمثل في تقليص اللوائح وخفض الضرائب وتقليص دور الحكومة. تكرر مصطلح “البيروقراطية الفيدرالية الأمريكية” في خطابات مسؤولي إدارة ترامب الثانية، وقال نائبه جيه دي فانس، إنه ينبغي طرد آلاف الموظفين الحكوميين واستبدالهم بموالين لشعار “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”. الاستخبارات الأمريكية خلال عهد ترامب، تغييرات مؤسسية وسياساتية

سياسات التعيين والتطهير في عهد ترامب

منذ بداية ولايته الثانية، استهدف دونالد ترامب مسؤولين سابقين في الأمن القومي والاستخبارات، وطرد موظفين من الحكومة الفيدرالية، كجزء من انتقاد سياسة وإدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن. وفي 21 يناير 2025، طرد ترامب وفريقه الرئاسي مسؤولين من وزارة العدل، ويتعلق عملهم بالإشراف على محاكم الهجرة، مع إعادة تعيين نحو (20) مسؤولاً كبيراً بالوزارة نفسها. وسحب تفاصيل الخدمة السرية من مستشاره السابق للأمن القومي جون بولتون، والتصاريح الأمنية لـ (51) شخصاً تحدثوا في تحقيقات قضية هانتر بايدن في 2020. أما بالنسبة للتعينات في إدارة ترامب، كلف جون راتكليف مديراً لوكالة المخابرات المركزية “CIA” في 23 يناير 2025، وصادق مجلس الشيوخ في 13 فبراير 2025، على تعيين تولسي غابرد مديرة للاستخبارات الوطنية “DNI” رغم التشكيك في خبرتها وانتقادها لمؤسسات رقابية.

قرر ترامب في 27 يناير 2025، طرد نحو (12) مفتشاً عاماً فيدرالياً، من بينهم مراقبين لوزارات الخارجية والدفاع والعمل والصحة والخدمات الإنسانية، ومارك لي غرينبلات الذي عينه ترامب في ولايته الأولى وشغل منصب رئيس مجلس المفتشين العامين للنزاهة والكفاءة. وتسبب الأمر في إثارة الجدل حول قانونية القرار، خاصة وأن الكونغرس يمنح صلاحيات وهيكلة للمفتشين العامين لضمان دورهم الرقابي واستقلاليتهم، ويطلب من الرئيس إخطاره قبل (30) يوماً من إقالة المفتش العام.

أكدت إدارة ترامب على أن هذه الإجراءات بهدف إبعاد “الدولة العميقة” عن الحكومة الفيدرالية، ولضمان ولاء العاملين بالحكومة، في ضوء اتهامات ترامب لمسؤولين في قطاعات العمل الفيدرالية بتقويض إدارته الأولى، وزعمه أنه سينهي تسليح نظام العدالة لمنع اضطهاد المعارضين السياسيين. توالت عمليات الفصل خلال يناير 2025، بإعلان ترامب على مواقع التواصل الاجتماعي بإزالة أكثر من (1000) من المعينين السياسيين في إدارة بايدن، و(4) أفراد من المجالس الاستشارية الرئاسية، مثل “رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال سي كيو براون، ورئيسة العمليات البحرية الأدميرال ليزا فرانشيتي”.

أقالت وزارة العدل في 31 يناير 2025، عدداً من كبار قادة مكتب التحقيقات الفيدرالي ” FBI” ضمن مساعي لإعادة تشكيل وكالة إنفاذ القانون تحت حكم ترامب، ومن بينهم العميل الخاص المسؤول في ميامي جيفري فيلتري، والمدير المساعد المسؤول عن مكتب واشنطن الميداني ديفيد سونبرج، وتم تعيين برايان دريسكول مديراً بإلانابة لمكتب التحقيقات، بعد استقالة مدير “FBI” كريستوفر راي، وتقاعد نائبه بول أباتي، بعد أن أبدت إدارة ترامب عزمها لتعيين جدد، وتم تعيين كاتش باتيل مديراً لمكتب التحقيقات الفيدرالي بعدها.

طالت عمليات الفصل خفر السواحل ووزارة الخارجية، وتمت إقالة قائدة خفر السواحل الأمريكي الأدميرال “ليندا فاجان”، نظراً للفشل في معالجة تهديدات أمن الحدود والتركيز المفرط على سياسات الإدماج، بحسب تصريحات مسؤول بوزارة الأمن الداخلي. وعقب تولي ماركو روبيو منصب وزير الخارجية، طلب من (12) مسؤولاً التنحي عن أدوارهم. واعتبر دبلوماسيون أن الخطوة بهدف تطهير كبير للوزارة والاستيلاء على الخدمات الخارجية المهنية.

أقال ترامب، في 3 أبريل 2025، مدير وكالة الأمن القومي الجنرال تيموثي هوج ونائبه، و(12) موظفاً بمجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، وتعد هذه الوكالة، وكالة الاستخبارات السيبرانية النافذة بالولايات المتحدة، ما يعد تغييراً جذرياً في مجتمع الاستخبارات الأمريكي. وفي 1 أغسطس 2025، أصدر ترامب أمراً بإقالة مفوضة إحصاءات العمل إريكا ماكينتارفر، عقب إصدار تقرير أشار إلى التباطؤ في وتيرة التوظيف. وبعد أسابيع من رفض البيت الأبيض لمراجعة تقييمية بشأن تأثير الضربات الأمريكية على إيران، أقال وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في 23 أغسطس 2025، رئيس وكالة الاستخبارات في البنتاغون جيفري كروس، نظراً لأن ترامب ينظر إلى الاستخبارات كاختبار للولاء وليس ضماناً لأمن بلاده.

عقب تغيير اسم وزارة الدفاع لوزارة الحرب، وفي 4 أكتوبر 2025، أجرى بيت هيغسيث، تغيرات هيكلية في الوزارة، بإقالة رئيس أركان البحرية جون هاريسون الذي تمتع بنفوذ كبيرة بالوزارة، وأشار هيغسيث إلى أن مهمة الجيش الأولى الاستعداد للحرب، ما يعني إجراء إصلاحات شاملة بالقيادة العسكرية. الدفاع ـ هل تخضع أوروبا لضغوط ترامب أم تعيد رسم أولوياتها الدفاعية؟

قضايا قانونية وسياسية في عهد ترامب

يبدو أن وعود دونالد ترامب بالانتقام ممن يفترضهم أعداءه بدأ في تنفيذها، ووجهت هيئة محلفين كبرى لائحة اتهام إلى مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق “جيمس كومي”، في 25 سبتمبر 2025، عقب دعوة ترامب لوزارة العدل علناً لتوجيه التهم إلى خصومه، وإعلان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي كاش باتيل عملية تطهير سياسي، بطرد أعلى المسؤولين في المكتب وآلاف من عملاء المكتب الذين حققوا في التهم التي وجهت لترامب سابقاً. يعد جيمس كومي خصماً لترامب منذ فترة طويلة، وهو أول مسؤول حكومي كبير يواجه اتهامات في إحدى أكبر القضايا بالنسبة لترامب، والمتعلقة بالتحقيق الذي أجري في 2016، بشأن ما إذا كانت حملة ترامب الرئاسية الأولى تواطأت مع روسيا. وتوجه وزارة العدل لكومي، تهم عرقلة إجراءات الكونغرس والإدلاء بتصريحات كاذبة.

تسعى وزيرة العدل بام بوندي، للتأكيد على أن هذه القضية تثبت أن لا أحد فوق القانون، وأن الوزارة ملتزمة بمحاسبة من يضلل الأمريكيين، كنوع من إبعاد شبهة التعرض لضغوط من ترامب، لتقديم لائحة اتهامات إلى خصومه السياسيين. في السياق نفسه، أعلنت وزارة العدل في 29 سبتمبر 2025، إجراء تحقيقاً في الأمن القومي حول قيادة مكتب التحقيقات الفيدرالي عندما كان كريستوفر راي مديراً له. وتجرى التحقيقات مع عدد من كبار قادة المكتب في الفترة (2020-2024)، بشأن المعلومات الاستخباراتية التي استخدمتها وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية في 2016.

وعلى الفور خضعت وزيرة العدل في 7 أكتوبر 2025، لجلسة استجواب بمجلس الشيوخ اتهمها أعضاء فيه، بتحويل وزارتها لأداة يستخدمها دونالد ترامب لاستهداف من يعتبرهم أعداءه، وفي المقابل ندد ترامب بدخول السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال في نقاش مع وزيرة العدل أثناء جلسة الاستماع، داعياً لفتح تحقيق بشأن مبالغته في سجله العسكري.

تقييم أدلة ملاحقة السياسيين في عهد ترامب

تفتح سياسة التطهير والإقالات وملاحقة السياسيين، التساؤلات حول مدى قانونية الإجراءات وتبعاتها على المناخ السياسي الأمريكي، إذ تشير تصريحات دونالد ترامب ومساعديه، إلى أن استقلال مكتب التحقيقات والمتطلبات الدستورية التي تلزمه بالقانون، لا قيمة لهما بالنسبة لهم، وركزوا على مواجهة المعارضين، ما يثير مخاوف السياسيين من تهاون ترامب مع الفوضى، واتباع مكتب التحقيقات الفيدرالي سياسة التطهير الداخلي والانتقام من خصوم ترامب.

يتوقع خبراء قانون أن جيمس كومي يمكن أن يقوم بمناورة قانونية نادرة، تسقط التهم التي رفعتها وزارة العدل ضده، بينما يتخوف آخرون من أن التحرك القضائي سيكون أكثر عدوانية في ملاحقة كومي، ويقول القاضي الفيدرالي المتقاعد جون جونز، إن “ترامب لديه فرصة للنجاح في مقاضاة كومي”، خاصة وأنه دعا لاتخاذ إجراءات حازمة ضد كومي والمدعية العامة لنيويورك ليتيشا جيمس، والسيناتور الديمقراطي عن كاليفورنيا آدم شيف، بجانب دعوته لتوجيه اتهامات لمستشاره القومي السابق جون بولتون. بينما ترى القاضية الفيدرالية السابقة شيرا شيندلين أن هذه القضايا انتقامية.

ينظر قانونيون إلى أن طلبات المتهمين برفض القضايا، استناداً على أنهم يتعرضون لملاحقة قضائية انتقائية، ربما ستصبح خاسرة قانونياً بسبب السلطة التي يتمتع بها المدعي العام في توجيه الاتهامات. ويقول المدعي العام الفيدرالي السابق في واشنطن راندال إليسون، إن ” المدعين العامين لديهم سلطة تقديرية لتحديد نوع القضايا التي يجب رفعها، وعلى المتهمين إثبات وجود دوافع سيئة من جانب الادعاء”.

لا تزال الإقالات مسألة تنظرها المحاكم، رفع (80) مفتش عام دعاوى قضائية بزعم إن إقالتهم تنتهك أحكام قانون “استقلال المفتش العام”. وتظهر إقالة العضوين الديمقراطيين في لجنة التجارة الفيدرالية في 18 مارس 2025، خطورة هذه الخطوات لمخالفتها قرار المحكمة العليا لعام 1935، ويقضي بأن الرئيس لا يحق له إقالة أعضاء لجنة التجارة الفيدرالية لأسباب سياسية.

تشير نائب مساعد المدعي العام في مكتب الشؤون التشريعية بوزارة العدل سارة زديب، إلى أن خفض رواتب ونقل محققين ومدعيين من وكالات إنفاذ القانون ووزارة العدل، يهدد معايير عمل الوزارة، ولا يضمن تجاوز دور الوزارة في الانتخابات، ويضر بسمعتها في ظل وجود شبهة دوافع حزبية وراء القرارات، ويهدد مستقبل الموظفين المهنيين بالوزارة.

 انعكاسات مستقبلية على سياسات ترامب

– انخفاض الثقة المتبادلة بين وكالات الاستخبارات الأمريكية والشركاء الدوليين، حيث إذا شك المجتمع الدولي والشركاء الأوروبيين، في مهنية وموضوعية المسؤولين الأمريكيين بهذه الوكالات، سيتراجع ثقل التحذيرات والتوصيات الأمنية من الاستخبارات الأمريكية، نظراً لوجود شبهة تسييس التقارير وتوظيف أشخاص لا يصلحون لهذه المهمة.

– تراجع التعاون بين الولايات المتحدة والشركاء، في مجال تبادل المعلومات الاستخباراتية والتقديرات الأمنية لحجم التهديدات ومصادرها، يؤدي لضعف التحالف مع أوروبا في هذا المجال، واتجاه الشركاء لبناء قدرات استخباراتية ومعلوماتية مستقلة، والبحث عن تحالفات بديلة مع كندا وأستراليا وبريطانيا تعويضاً للدور الأمريكي.

– نقص الخبرة وضعف الإمكانيات في وكالات الاستخبارات الأمريكية، قد يؤدي إلى ضعف دور هذه الوكالات، ويؤخر رد الفعل للتعامل مع التهديدات الأمنية غير المتوقعة مثل الهجمات الإلكترونية، ما يؤخر الاستجابة الفورية لأي مستجدات، ويدفع الخصوم السياسيين مثل “روسيا والصين” لاستغلال هذه الثغرات الأمنية. الاستخبارات الأمريكية مابين الولاء السياسي وحماية الأمن القومي في زمن ترامب.

تقييم وقراءة مستقبلية

 – يُظهر سجل إدارة ترامب الثانية، والتغييرات داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكية، توجهًا واضحًا نحو تسييس أجهزة الدولة الأمنية وإعادة تشكيلها بما يخدم أجندة الرئيس وأولوياته السياسية، لا الأمنية أو الاستراتيجية. فقد اتسمت هذه المرحلة بإدخال شخصيات موالية لترامب في مواقع تقليديًا يُفترض أن تبقى فوق الانقسامات الحزبية، مما يٌضعف استقلالية القرار الاستخباراتي، وفتح الباب أمام صراعات داخلية حادة تؤثر في أداء المؤسسات الاستخباراتية.

– التحولات المؤسسية الكبرى، وعلى رأسها تقليص القوى العاملة بنسبة 50% ودمج مراكز استخباراتية متخصصة، تبدو ظاهريًا كجزء من خطة لرفع الكفاءة وتبسيط الهيكل. غير أن طبيعتها المفاجئة، وتزامنها مع إقالات جماعية لقيادات مخضرمة، تشير إلى دوافع سياسية واضحة، أبرزها تفكيك مراكز القوة القديمة داخل البنية الاستخباراتية، واستبدالها بقيادات أكثر ولاءً للرئيس.

– من المرجّح أن تترتب على هذه التحولات آثار على فعالية العمل الاستخباراتي الأمريكي، داخليًا وخارجيًا. فالضغط على الوكالات لتقديم تقييمات تتماشى مع سرديات البيت الأبيض كما في حالة إيران وفنزويلا يهدد حيادية التحليل الاستخباراتي، ما قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات استراتيجية خاطئة على أساس معلومات مشوّهة أو مُسيّسة.

– يضعف طرد الخبراء والمخضرمين، وتقليص الموارد البشرية والتكنولوجية، من قدرة الولايات المتحدة على التنبؤ بالتهديدات المعقدة والمتداخلة، مثل الإرهاب العابر للحدود، أو الهجمات السيبرانية، أو المنافسة مع الصين وروسيا في الفضاء المعلوماتي والتكنولوجي.

– يمكن القول إن تغليب الطابع السياسي في العمل الاستخباراتي على الصعيد الداخلي، سيُعمّق أزمة الثقة بين هذه الوكالات الاستخباراتية والرأي العام، ويُضعف الرقابة الديمقراطية من الكونغرس، لا سيما إذا ما تم تقويض آليات الإبلاغ والشفافية.

– من المحتمل إذا استمر هذا الاتجاه في الدورة السياسية المقبلة، فقد نشهد تراجعًا في القدرة الاستخبارية الأمريكية على المستوى العالمي، مع ازدياد الاعتماد على أدوات غير تقليدية أو متحيّزة في اتخاذ القرار الأمني، مما يُعرّض الأمن القومي الأمريكي لمخاطر حقيقية، ويقوّض مكانة الولايات المتحدة في النظام الاستخباراتي الدولي.

**

ـ التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قائم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، فيما توفر الأطر القانونية الحديثة مثل اتفاقيات SWIFT-TFTP، بيانات المسافرين (PNR)، والمظلة القانونية (Umbrella Agreement) بنية واضحة لتبادل المعلومات بين الطرفين مع مراعاة حماية الخصوصية وحقوق الأفراد.

ـ رغم وجود إطار قانوني متين نسبيًا، تبقى تطبيقات التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي متباينة: فبعض الدول الأعضاء تملك اتفاقيات ثنائية تسمح بتبادل أسرع وأكثر عمقًا مع الوكالات الأمريكية، بينما التعاون على مستوى الاتحاد يُسيّر ضمن قيود حماية البيانات الأوروبية، ما يلزم وجود آليات تصفية قانونية وإجراءات مراقبة.

ـ السياسة الأمريكية في عهد ترامب لم تُفكك هذا الإطار، لكنها فرضت ضغوطًا سياسية متقطعة حول أي ملفات ذات حساسية سياسية (مثلاً التحقيقات المتعلقة بتدخلات أجنبية أو تبادل معلومات عن شخصيات سياسية). ما دفع بعض الدول الأوروبية، مثل ألمانيا، للتفكير في تطوير شبكات استخبارات أوروبية مستقلة، وهو مؤشر على الحاجة إلى استراتيجيات بديلة لتعزيز السيادة الاستخباراتية الأوروبية.

ـ تراجع الثقة في التبادل الاستخباراتي مع واشنطن قد يؤدي إلى إعادة تشكيل تحالفات جديدة خارج الإطار الأميركي التقليدي. إذا استمر هذا التوجه، قد تظهر مبادرات أوروبية– آسيوية للتنسيق الأمني بعيدًا عن المظلة الأميركية، ما يضعف مكانة الولايات المتحدة كقطب مهيمن في مجال الاستخبارات الدولية.

ـ ظهور تهديدات جديدة (الإرهاب السيبراني، تهديدات الفضاء العسكري، تدخلات أجنبية) سيجعل التعاون الاستخباراتي الأوروبي الأمريكي أكثر ضرورة، مع احتمال ظهور شبكات أوروبية مستقلة للتعامل مع الأزمات.

**

– تعد ولاية ترامب الثانية مختلفة تماماً عن ولايته الأولى، من حيث تداخل صلاحياته مع صلاحيات المؤسسات الأمنية والاستخباراتية، وفرض سياساته وقواعده الخاصة دون الانتباه إلى القوانين والدستور الأمريكي، خاصة وأنه جاء بنهج “الانتقام السياسي” ممن أطلق عليهم خصومه السياسيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهذا الأمر ناتج عن اقتناع ترامب التام بأنه كان يستحق الفوز بانتخابات 2020، وأن التهم التي وجهت له خلال الأعوام الماضية بشأن أحداث الكابيتول كانت سياسية بالدرجة الأولى، لذا ينظر إلى السلطات التشريعية والأمنية بأنها ليست محل ثقة وتحتاج لإعادة تقييم، ويفسر بهذا قرارات الإقالة والتطهير والملاحقات القضائية.

– هذا السجال القائم بين ترامب والدولة العميقة، تبعاته لن تقف عند فترة حكم ترامب فحسب، بل سيمتد أعواماً طويلة على جميع المستويات السياسية والأمنية والقانونية، وعلى المستوى السياسي سيتضرر الحزب الجمهوري بتراجع شعبيته وتمثيله داخل الكونغرس في الانتخابات المقبلة، وربما تنعكس أصداء الأمر على نتائج الانتخابات الرئاسية المقبلة، وعلى المستوى الأمني ستعاني وكالات إنفاذ القانون والاستخبارات من استعادة كسب ثقة الأمريكيين، ودورها في ملفات شديدة التعقيد وترميم صورتها في الداخل والخارج، أما على المستوى القانوني، ستحتاج وزارة العدل إلى إثبات استقلاليتها وسيادة القانون مرة أخرى، عقب التغيرات التي طرأت على تشكيلها وقراراتها.

– لن تصبح قضية جيمس كومي القضية الأولى التي ستواجه مسؤول أمريكي رفيع المستوى، لكن حيثيات القضية والحكم المتوقع بناءً على التهم الموجهة له، سيرسم ملامح المشهدين السياسي والقضائي في الولايات المتحدة الأشهر والسنوات المقبلة، وقد يواصل ترامب تقديم خصومه للمحاكمات بتهم متعددة، وفي المقابل سيبحث قانونيون عن وسائل لعرقلة هذه القضايا حفاظاً على سيادة القانون، وسيشهد الكونغرس تحركات لتعزيز الرقابة البرلمانية المستقلة على هذه التحركات.

– تهميش الأصوات المهنية في المؤسسات، سيضعف من سياسة الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً، ويزيد الشكوك حول درجة انتماء المسؤولين المعينيين من جانب ترامب، للولايات المتحدة ورغبتهم في الحفاظ على أمنها القومي، والتزامهم بمنع تسييس وكالات الاستخبارات ومكتب التحقيقات الفيدرالي ووزارة العدل.

– قرارات ترامب الراهنة تضع علاقات بلاده على المحك مع الشركاء الأوروبيين، فهم ينظرون لهذه السياسات على أنها خاطئة، مهددة لمصداقية واشنطن في مجال الاستخبارات، ويتخوفون من تضرر سمعتهم وتوجيه اتهامات لهم بدعم سياسات ترامب المناهضة لمؤسسات الدولة والديمقراطية.

– ينبغي أن تستخدم المؤسسات والوكالات والوزارات، آليات محددة لتوضيح أسباب الإقالات والتعيينات، وفقاً لإجراءات تعتمد على الشفافية ومعايير قابلة للقياس، وتقديم تقارير موثقة دورية للكونغرس، مع مراعاة سرية ما يقتضيه الأمن القومي الأمريكي، كنوع من احتواء حالة الانقسام في الداخل الأمريكي حول سياسات ترامب.

رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=110469

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

هوامش

About the Intelligence Community
https://tinyurl.com/3c4asj2k

White House National Security Council slashes staff in dramatic restructuring, sources say
https://tinyurl.com/5dved3ek

Trump administration has tightly restricted access to president’s daily intelligence brief
https://tinyurl.com/5ar4x82s

Gabbard announces plan to reorganize her agency, cut staff by half
https://tinyurl.com/mr4yr25e

 **

EU-US data transfers

https://2u.pw/SXwtCw

German lawmakers float ‘Euro Eyes’ spy network amid uncertainty on US intel

https://2u.pw/usuJSf

Gabbard barred sharing intelligence on Russia-Ukraine negotiations with “Five Eyes” partners

https://2u.pw/b3PR57

EU to ‘step up’ on cyber security as dependence on US laid bare

https://2u.pw/mXI6co

 **

Beneath the Veil: Role of Deep State in American Power

https://shorturl.at/A99aM

Trump’s targeting of ‘enemies’ like James Comey echoes FBI’s dark history of mass surveillance, dirty tricks and perversion of justice under J. Edgar Hoover

https://shorturl.at/U5WhT

Trump fires multiple federal inspectors general in overnight purge

https://shorturl.at/OoLho

Tracking Trump’s unprecedented—often illegal—firings of political appointees and watchdogs

https://shorturl.at/olRd0

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...